أخبار العالمليبيا

إرث الفوضى والدعم المهدر.. حكم قضائي يفضح استمرار نزيف قطاع النفط في ظل حكومة منتهية الولاية غارقة في الجدل

استئناف طرابلس تغرم مسؤولاً نفطياً سابقاً بمليار وثمانمائة مليون دولار

ليبيا 24

عبدالعزيز الزقم

عشر سنوات سجناً لمدير تسويق النفط في قضية وقود فاسد

في حكم قضائي نادر الحدوث من حيث حجم الغرامة المالية المفروضة، أعادت محكمة استئناف طرابلس إحياء واحدة من أكثر فضائح قطاع الطاقة الليبي إثارة للجدل، والتي تتداخل فيها خيوط الإهمال الجسيم مع شبهات الفساد المستشري. وبينما تستقبل الأوساط الشعبية هذا الحكم الصادر بسجن مدير التسويق الدولي السابق بالمؤسسة الوطنية للنفط لعشر سنوات وتغريمه قرابة مليار وثمانمائة مليون دولار، تتجه الأنظار مجدداً نحو القيادة السياسية الحالية في طرابلس، وتحديداً الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، اللذين يتعرضان لسيل من التساؤلات المشروعة حول مدى مسؤوليتهما السياسية والأخلاقية عن استمرار هذا النهج الإداري الكارثي رغم مرور سنوات على توليهما زمام السلطة التنفيذية.

يأتي هذا التطور القضائي ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أزمة الوقود المغشوش التي عانى منها المواطن الليبي لسنوات لم تكن مجرد “خطأ فني” أو “ظروف استثنائية” مرت بها البلاد، بل كانت نتاجاً طبيعياً لمنظومة حوكمة هشة وبيئة سياسية سمحت بعبث المتنفذين في أقدار الشعب. وبينما تحاول حكومة الدبيبة تقديم نفسها كحكومة وحدة وطنية تسعى للاستقرار، يكشف هذا الحكم عن إرث ثقيل من الإخفاقات التي لا تزال مستمرة تحت قبتها، لا سيما فيما يتعلق بملف دعم المحروقات وإدارة أموال الليبيين.

فاتورة الدعم: قنبلة موقوتة وحكومة عاجزة عن نزع فتيلها

يبرز الحكم القضائي تفاصيل صادمة عن موافقة المسؤول المُدان في عام 2013 على توريد شحنات وقود “لا تستوفي المواصفات القياسية الليبية”، مما ألحق ضرراً جسيماً بمحركات المركبات والصحة العامة والبيئة. ولكن الأخطر من ذلك هو السياق الاقتصادي الذي يغلف هذه القضية، وهو سياق لا تزال حكومة السيد الدبيبة والمجلس الرئاسي عاجزين عن معالجته بشكل جذري.

فوفقاً لبيانات مصرف ليبيا المركزي وتقارير ديوان المحاسبة، تنفق ليبيا ما يقرب من ستمائة وخمسين مليون دولار شهرياً على استيراد المحروقات، في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في القارة الأفريقية. هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره إلا بفشل سياسات الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، في تطوير قطاع التكرير المحلي أو حتى في إدارة ملف الدعم بطريقة رشيدة.

إرث الفوضى والدعم المهدر.. حكم قضائي يفضح استمرار نزيف قطاع النفط في ظل حكومة منتهية الولاية غارقة في الجدل

وبينما يدفع المواطن الليبي ثمناً بخساً للتر البنزين -إن وجده – لا يتجاوز نصف قرش وفق سعر الصرف الرسمي، تذهب مليارات الدولارات من الاحتياطيات العامة لتمويل صفقات استيراد مشبوهة ومحاطة بغموض كبير. وتتساءل أوساط اقتصادية واسعة: أين ذهبت أموال الليبيين التي كان يفترض أن تستثمر في بناء مصافٍ جديدة أو صيانة القائمة منها؟ ولماذا لا تزال الحكومة منتهية الولاية تتعامل مع ملف دعم الوقود بنفس العقلية الريعية التي أوصلت البلاد إلى هذا المأزق؟ إن إصرار حكومة الدبيبة على الإبقاء على آلية الدعم العشوائي الحالية دون إصلاح حقيقي يعكس خوفاً سياسياً من ردود الفعل الشعبية، مع تغاضٍ متعمد عن حقيقة أن هذا الدعم هو “محرقة مالية” تلتهم موارد الأجيال القادمة وتغذي شبكات التهريب والفساد العابرة للحدود.

غياب الرقابة السياسية: من يتحمل مسؤولية الفوضى الإدارية؟

لا يمكن فصل قضية مدير التسويق الدولي السابق عن البيئة السياسية التي أحاطت بها. فالفترة التي شهدت وقوع الجريمة (بين عامي 2010 و2017) اتسمت بصراع سياسي حاد وانقسام مؤسساتي، وهو ما استغله ضعاف النفوس لتمرير صفقات فاسدة. لكن المعضلة تكمن في أن المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، والذي يفترض أن يكون الحارس الأمين على وحدة الدولة وسيادتها، لم يقدم أي رؤية واضحة لكيفية إنهاء هذه الحلقة المفرغة من الفساد في قطاع النفط.

تتحدث تقارير رقابية عديدة عن استمرار الثغرات في إجراءات الفحص الفني على شحنات الوقود المستوردة في الموانئ الليبية حتى اللحظة الراهنة. ويطرح هذا الأمر سؤالاً جوهرياً حول جدية الأجهزة الرقابية التابعة للحكومة في طرابلس. فإذا كان المسؤول السابق قد وافق على توريد بنزين فاسد وأفلت من العقاب لسنوات، فما هو الضمان بعدم تكرار السيناريو نفسه في عهد الدبيبة والمنفي؟ إن صمت المجلس الرئاسي المطبق حيال قضايا فساد بهذا الحجم، واقتصار رد الفعل على إجراءات النيابة العامة والقضاء، يشير إلى أزمة ثقة عميقة بين القيادة السياسية والشعب الذي يعاني يومياً من تبعات هذا الإهمال.

يبدو المشهد وكأن القيادة السياسية الحالية في طرابلس تتعامل مع مؤسسات الدولة السيادية كغنائم حرب وليس كمرافق عامة يجب حمايتها. فبينما تنشغل أروقة حكومة الدبيبة بمعارك البقاء في السلطة وتمديد ولايتها المنتهية، يغرق المواطن في أزمات الكهرباء والوقود الرديء الذي يعطب مركباته، في مشهد يجسد الفجوة الهائلة بين وعود فبراير المزعومة وواقع الفشل المعاش.

حكم قضائي في مواجهة منظومة إفلات من العقاب

إن الحكم الصادر بسجن المسؤول النفطي عشر سنوات وتغريمه مبلغاً فلكياً يمثل خطوة شجاعة من السلطة القضائية في مواجهة منظومة الإفلات من العقاب التي ترعاها الصراعات السياسية. غير أن هذا الحكم، على أهميته، يكشف حجم المأساة التي لحقت بالاقتصاد الليبي. فالمبلغ المحكوم به، مليار وثمانمائة مليون دولار، هو أموال كانت كفيلة ببناء عشرات المدارس والمستشفيات أو صيانة شبكة الكهرباء المتهالكة التي تسببت في معاناة الليبيين صيفاً وشتاءً تحت إدارة حكومة الدبيبة.

وبينما يحاول أنصار الحكومة منتهية الولاية تلميع صورتها بالحديث عن “هدنة سياسية” أو “عودة الشركات الأجنبية”، تظل هذه الأرقام المخيفة بمثابة شاهد إثبات على فشل نخبة سياسية بأكملها في إدارة أبسط مقومات الدولة، وهي توفير وقود نظيف وآمن للمواطن.

إلى أين يتجه قطاع الطاقة في ظل فراغ القيادة؟

ختاماً، يضع حكم محكمة استئناف طرابلس النقاط على الحروف في ملف كان يُراد له النسيان، لكنه يفتح جرحاً غائراً في جسد الاقتصاد الليبي. فاستمرار حكومة عبد الحميد الدبيبة في إدارة الملف الاقتصادي بنفس الأدوات البالية، وغياب أي استراتيجية معلنة من المجلس الرئاسي لمعالجة جذور الفساد في قطاع المحروقات، يعني أن فاتورة الغد ستكون أكثر إيلاماً.

إن بلداً يملك ثروة نفطية هائلة ويستورد وقوداً رديئاً بقيمة تتجاوز سبعة مليارات دولار سنوياً هو بلد يعاني من خلل بنيوي في نظام حكمه. ولا يمكن لعمليات الترقيع السياسي أو تمديد الفترات الانتقالية أن تخفي حقيقة أن القاطرة تسير في الاتجاه الخاطئ. ويبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة واضحة من رئيس الحكومة ورئيس المجلس الرئاسي: من سيحمي ثروة الليبيين من العابثين الجدد إذا كانت آليات الرقابة لا تزال غائبة والمناصب تُوزع وفقاً للمحاصصة لا للكفاءة؟ إن الحكم القضائي هو انتصار مؤقت للعدالة، لكن المعركة الحقيقية ضد الفساد الممنهج تتطلب قيادة سياسية رشيدة، وهو أمر يبدو للأسف أبعد ما يكون عن المشهد الراهن في غرب البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى