في مواجهة إرث الفوضى.. كيف تعيد الحكومة الليبية بناء سياج ليبيا الاقتصادي من بواباتها الجمركية؟
شرعية الحكومة الليبية تعزز قبضتها الجمركية وتتصدى لفوضى حكومة الدبيبة المالية
ليبيا 24
حصار التهريب من بنغازي.. الجمارك تحمي السيادة بحزم القيادة
بينما تغرق طرابلس في دوامة من الصراع على الشرعيات المنتهية والولاية المزورة، تنشغل مدينة بنغازي والمناطق التابعة لسيطرة القوات المسلحة العربية الليبية بهندسة المشهد الاقتصادي من قواعده الصلبة. في الشرق الليبي، حيث تبسط الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد سلطتها الدستورية، لم تعد مصلحة الجمارك مجرد جهة بيروقراطية لتحصيل الرسوم، بل تحولت إلى رأس حربة في معركة استعادة السيادة الوطنية وتحصين الخزانة العامة من النهب المنظم الذي تمارسه شبكات تابعة لحكومة الأمر الواقع في الغرب.
في تصريحات صحفية للواء عادل العوامي، مدير عام مصلحة الجمارك الليبية التابعة للحكومة الليبية، تتجلى صورة واضحة لمعركة ذات شقين: الأول، مواجهة شرسة مع عصابات التهريب العابرة للحدود، والثاني، مساعي حثيثة لانتشال المنظومة الجمركية من الوحل التقني والبيروقراطي الذي أغرقتها فيه حكومات الوصاية الدولية والانتهازية المالية في طرابلس.

جليانة والرافعة التنموية للقيادة العامة.. نموذج يتحدى التهميش
في قلب هذه الديناميكية، تبرز المنطقة الحرة “جليانة” ليس كمنفذ بحري عادي، بل كدليل دامغ على الجدية في خلق بيئة استثمارية بديلة عن الفساد المستشري . العمل في جليانة، وفقاً للواء العوامي، لا يسير فقط بشكل طبيعي، بل يشهد قفزة نوعية في بنيته التحتية بفضل الإشراف المباشر من القيادة العامة للجيش وتمويل “الجهاز الوطني للتنمية”. هذا التدخل المباشر من المؤسسة العسكرية في الملف الاقتصادي يعكس فهماً استراتيجياً عميقاً بأن أمن ليبيا الغذائي والدوائي لن يتحقق عبر الاعتماد على حكومة منتهية الولاية لا تسيطر حتى على مبانيها، بل عبر تأمين المنافذ وتطويرها لتصبح بوابة ليبيا الحقيقية لتجارة العبور نحو العمق الأفريقي.
حدود الشرق بين صرامة الجيش ومراوغة مهربي الغرب
لا يخفي مدير الجمارك حجم التحديات الأمنية على طول الشريط الحدودي الممتد مع مصر وتشاد. لكن الفارق الجوهري بين الشرق وغرب البلاد، كما تبرزه المعطيات الميدانية، يكمن في وجود إرادة سياسية صلبة تدعم رجال الجمارك. بينما تتحول المنافذ الغربية إلى ممرات مفتوحة للبضائع المزورة والسلاح والمخدرات بموافقة ضمنية من ميليشيات تسيطر على الدبيبة وحكومته منتهية الولاية، يعمل رجال الجمارك في منفذ امساعد وطبرق تحت مظلة القوات المسلحة لصد موجات التهريب المنظمة.
التحديات التقنية المتمثلة في قدم أجهزة الفحص بالأشعة ليست سراً، ولكن العوامي يؤكد أن الحزم الأمني في الشرق يعوض جزئياً النقص التقني. فبينما تصل حاويات مشبوهة إلى موانئ الغرب وتفرغ حمولتها دون حسيب، تخضع كل شحنة في ميناء بنغازي ودرنة لتدقيق صارم يمنع تدفق الأموال غير المشروعة نحو الجماعات الخارجة عن القانون.

فك الارتباط عن فوضى المصرف المركزي.. إصلاح الدولار الجمركي في الشرق
تكشف تصريحات العوامي عن نية حكومة الدكتور أسامة حماد لاتخاذ إجراءات أحادية تحمي اقتصاد ليبيا من عبث حكومة الدبيبة منتهية الولاية. فالحديث عن إلغاء الدولار الجمركي عند سعر 2.12 دينار والذهاب إلى سعر السوق الرسمي العادل ليس مجرد إجراء محاسبي. إنه تصحيح لمسار مالي معوج استنزف ثروات الليبيين عبر دعم سلع كمالية على حساب تمويل التنمية الحقيقية. والأهم من ذلك، هو التأكيد على مراقبة تحويلات النقد الأجنبي لضمان عدم ذهاب أموال الليبيين إلى تمويل الإرهاب أو الصراع في طرابلس، وهو إجراء سيادي لا يمكن تنفيذه في ظل حكومة فاقدة للشرعية وتعيش على إتاوات المصرف المركزي.

حرب الأنظمة الرقمية.. الشرق يبني وطرابلس تعطل
بينما تتغنى الحكومة منتهية الولاية بأنظمة الميكنة الجمركية دون تطبيق حقيقي، تعمل مصلحة الجمارك في بنغازي بصمت لوضع لبنات التحول الرقمي الحقيقي. ورغم اعتراف اللواء العوامي بأن نظام “أسيكودا” العالمي لا يزال قيد الدراسة بسبب تعقيدات فنية، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً: فالبيئة مهيأة للتطبيق بفضل الأمن والاستقرار الذي توفره القوات المسلحة، بينما في طرابلس، تظل أي محاولة للرقمنة مجرد غطاء لعمليات فساد جديدة تديرها مراكز قوى متنفذة.
الجمارك مرآة السيادة.. والحكومة الليبية تستعيد التوازن
بين سطور حديث اللواء عادل العوامي، تتضح حقيقة مرة على المجتمع الدولي استيعابها: لا يمكن الحديث عن توحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية بينما يتحكم فصيل مسلح غير شرعي في مصرف ليبيا المركزي ومواردها النفطية. مصلحة الجمارك الليبية ليست مجرد إدارة حكومية، بل هي مشروع وطني كامل لاستعادة السيادة. في الوقت الذي تهرّب فيه الحكومة منتهية الولاية سلعاً ووقوداً وتضرب بعرض الحائط كل القوانين، يواصل موظفو الجمارك في الحكومة الليبية – رغم نقص المعدات – حماية ما تبقى من هيبة الدولة . إن دعم هذه المؤسسة ودعم حكومة الدكتور أسامة حماد هو الرهان الوحيد لضمان ألا تتحول ليبيا إلى سوق مفتوحة لنهب الأمم، وهو ما تؤكده الأرقام الصامتة الصادرة عن موانئ بنغازي وطبرق، بعيداً عن ضجيج العاصمة المختطفة.



