مجلس الأمن يجدد قبضته على منافذ النفط الليبي.. تمديد للرقابة البحرية المشددة وسط تقارير عن فساد ممنهج في قطاع الطاقة
مجلس الأمن يصوت على تثبيت رقابة النفط الليبي المشدد
ليبيا 24
تمديد آلية تفتيش السفن لقطع شريان تهريب الطاقة
في خطوة تعكس استمرار القلق الدولي العميق إزاء استقرار ليبيا ومواردها، يتأهب مجلس الأمن الدولي مساء اليوم لاعتماد قرار يقضي بتمديد نظام الرقابة الصارم المفروض على الصادرات النفطية غير القانونية، وذلك في مسعى حثيث لمنع تحويل عوائد الثروة الهيدروكربونية إلى أداة لتمويل الصراع أو الإثراء غير المشروع. التصويت، الذي يبدو أنه سيحظى بتوافق واسع، يأتي في توقيت بالغ الحساسية تكشف فيه تقارير أممية غير منشورة عن اختراق عميق للفساد في مفاصل المؤسسة الوطنية للنفط، ما يضفي على الإجراءات العقابية بعداً جديداً يتجاوز مجرد منع التهريب عبر البحر المتوسط ليطال جذور الأزمة الاقتصادية في البلاد.
إطار قانوني ممتد في مواجهة الفوضى البحرية
يستند مشروع القرار الذي صاغته بعثة المملكة المتحدة، بوصفها حامل القلم للملف الليبي، إلى الإطار التاريخي الذي أرساه القرار رقم 2146 الصادر عام 2014. وقد منح ذلك القرار، الذي جاء في ذروة محاولات تصدير النفط من موانئ خارجة عن سيطرة الدولة المركزية آنذاك، تفويضاً استثنائياً للقوات البحرية الدولية باعتراض وتفتيش السفن المشتبه بها في أعالي البحار. وبينما كان ينظر إلى هذه الصلاحيات في حينها كإجراء طارئ، فإن تجديدها المستمر يؤكد تحولها إلى ركيزة أساسية في بنية العقوبات الليبية.

وينص مشروع القرار المطروح اليوم على تمديد ولاية فريق الخبراء المنبثق عن لجنة العقوبات حتى منتصف أغسطس من عام 2027، مع تثبيت العمل بآلية التفتيش البحري حتى الأول من أغسطس للعام ذاته. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التمديد طويل الأمد في أنه يمنح المستثمرين والتجار إشارة واضحة بأن المجتمع الدولي لن يتسامح مع أي تعاملات خارج القنوات الشرعية التي تشرف عليها المؤسسة الوطنية للنفط المعترف بها دولياً، مما يحد من قدرة الأطراف غير الحكومية على استخدام النفط كورقة ضغط سياسية أو مالية.
جدل الأصول المجمدة: معضلة بين الإبقاء والاستثمار الوقائي
على الرغم من أن بند منع التصدير غير القانوني يحظى بغطاء شبه إجماعي في أروقة مجلس الأمن، إلا أن المفاوضات التي سبقت جلسة التصويت اليوم شهدت تدقيقاً بالغاً في الجزئية المتعلقة بإدارة الأصول الليبية المجمدة في المصارف الغربية. ويأتي هذا النقاش في أعقاب التطور النوعي الذي شهده القرار رقم 2769 في يناير 2025، والذي مثل انزياحاً حذراً عن مبدأ التجميد المطلق الذي ظل سائداً منذ عام 2011.
فقد أقر المجلس آنذاك بوجود خطر تآكل قيمة الاحتياطيات النقدية الليبية الضخمة التابعة للمؤسسة الليبية للاستثمار بسبب عوامل التضخم العالمي وتقلبات أسواق المال. وبناءً عليه، سُمح تحت رقابة “مشددة جداً”، كما تصفها وثائق اللجنة، بإعادة استثمار جزء ضئيل من العوائد المتأتية من تلك الأصول المجمدة في أدوات مالية منخفضة المخاطر، شريطة الحصول على ضوء أخضر مسبق من لجنة العقوبات.
وتشير مصادر دبلوماسية مطلعة على مسار المناقشات إلى أن مشروع القرار الجديد يحافظ على هذه “النافذة الاستثمارية الضيقة” مع إدخال تعديلات فنية تهدف إلى تعزيز شفافية عملية الإبلاغ عن تلك الاستثمارات. ويخشى بعض الأعضاء الدائمين من أن أي توسيع غير محسوب لهذه الآلية قد يفتح الباب أمام أطراف متنازعة في ليبيا للمطالبة باستخدام هذه الأموال، وهو سيناريو من شأنه نسف الغرض الأساسي من التجميد وهو حماية الثروة السيادية للأجيال الليبية القادمة.
تقرير خلف الأبواب المغلقة: فساد غير مسبوق في الطاقة
يأتي التصويت على القرار في ظل جو من الترقب بشأن مضمون التقرير النهائي لفريق خبراء العقوبات، والذي تمت مناقشته في جلسة مغلقة للجنة العقوبات في الرابع والعشرين من مارس الماضي. وبينما لم يُنشر التقرير رسمياً بعد، تسربت إلى وسائل الإعلام تفاصيل تصف مستويات “غير مسبوقة” من الفساد في قطاع الطاقة الليبي، وهو قطاع يمثل شريان الحياة الوحيد لاقتصاد البلاد المنهك.
بحسب التسريبات، يوثق التقرير بعناية كيفية استغلال ميزانيات ضخمة للمؤسسة الوطنية للنفط في تمويل شبكات نفوذ سياسي وميليشيات مسلحة متنفذة، مما يحول أكبر شركة في البلاد إلى بقرة حلوب لاقتصاد الحرب. هذه المعطيات تفسر الإصرار الغربي على الإبقاء على آليات الرقابة المشددة على التصدير البحري؛ فبينما تمنع الدوريات البحرية شحن النفط الخام من موانئ غير قانونية، فإن الآلية نفسها توفر غطاءً للمؤسسة الوطنية للنفط بصفتها القناة الشرعية الوحيدة لبيع النفط، مما يضغط في اتجاه إصلاح مسار إدارة الإيرادات داخل المؤسسة نفسها.
توافق دولي مع تحفظات هامشية على آليات التنفيذ
رغم الطابع التقني للقرار، إلا أن المفاوضات التي انطلقت في السادس والعشرين من مارس الماضي لم تخلُ من نقاط خلافية محدودة. وتتركز تلك النقاط حول مقترحات قدمتها بعض الدول الساعية إلى توسيع دور المنظمات الإقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، في عملية تبادل المعلومات المتعلقة بشبكات تهريب الوقود والمشتقات النفطية.
غير أن هذه المقترحات قوبلت بحذر من الدول الحاملة للقلم، التي ترى أن توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة قد يقوض سرعة وفعالية آلية التفتيش القائمة، والتي تعتمد على التنسيق المباشر بين قيادات الأساطيل البحرية ولجنة العقوبات في نيويورك. وفي نهاية المطاف، يبدو أن النسخة التي سيتم التصويت عليها اليوم قد أبقت على صلاحيات لجنة العقوبات المركزية دون مساس، مع الإبقاء على صياغة عامة تشجع التعاون مع الجهات الإقليمية دون إلزام.
يمثل قرار اليوم محاولة من المجتمع الدولي لشراء الوقت وإدارة الأزمة الليبية عبر بوابة الاقتصاد وليس السياسة المباشرة. وفي غياب أفق واضح لتسوية سياسية شاملة تنهي الانقسام المؤسسي، تظل السيطرة على منافذ النفط ومراقبة تدفقاته المالية هي الأداة الأكثر فاعلية في يد مجلس الأمن. وبينما يحافظ القرار على مظهر من التوافق الفني، فإنه يخفي تحته صراعاً مريراً على جوهر الدولة الليبية: ثروتها ومواردها.



