طرابلس… أزمة الديزل تكشف هشاشة دولة المليشيات وغرق السلطة التنفيذية
مليارات دعم المحروقات تتبخر وشاحنات الغرب الليبي مشلولة
ليبيا 24
الديزل يختنق غرب ليبيا وحكومة الدبيبة تتفرج على انهيار الإمدادات
الوقود سلعة نادرة في بلد يطفو على بحار النفط
تقف شاحنات النقل الثقيل في غرب ليبيا صامتة منذ أيام، متوقفة على جوانب الطرق الرئيسية وفي ساحات الانتظار المتربة، وكأنها هياكل حديدية مهملة لا أصحاب لها ولا وجهة. هذا المشهد العبثي يتكرر في مدن الساحل الغربي والجبل الغربي على حد سواء، حيث امتد الإضراب الذي بدأ احتجاجاً متوقعاً إلى حالة شلل شبه كامل في شرايين الاقتصاد المحلي. المفارقة المريرة التي تغلف هذا الحدث ليست في نقص الديزل بحد ذاته، فالأزمات سمة ملازمة للجسد الليبي المثخن بالجراح منذ سنوات، بل تكمن المفارقة في أن هذا الشلل يحدث بينما تعلن المؤسسة الوطنية للنفط عن إنفاق تجاوز ثمانمئة وثلاثة ملايين دولار في شهر واحد فقط على شحنات المحروقات الموردة للسوق المحلي.
إنها ذات المفارقة التي تصل حد الفضيحة عندما يعلم المراقب أن الميزانية التقديرية للدولة خصصت أربعة وأربعين مليار دينار لبند دعم المحروقات في عام واحد. أين تذهب هذه الأموال الطائلة؟ وكيف لدولة تخصص هذه المليارات لضمان تدفق الوقود الرخيص إلى مواطنيها أن تعجز عن توفير لتر ديزل واحد لسائق شاحنة يريد نقل الخضروات من الجبل إلى الساحل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في بيانات المؤسسة الوطنية للنفط ولا في جداول ميزانية مصرف ليبيا المركزي، بل تكمن في بنية الحكم الهشة التي أفرزتها السنوات الماضية، وفي منظومة الفساد والتهريب التي تحولت إلى كيان موازٍ يلتهم موارد الدولة ويخنق مواطنيها. ما يحدث اليوم في غرب ليبيا ليس أزمة وقود عابرة، بل هو انعكاس صارخ لفشل سلطة الأمر الواقع في طرابلس بقيادة رئيس الحكومة منتهية الولاية عبدالحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي في إدارة أبسط مقومات الدولة، ألا وهي توفير الوقود لمواطنيها. إنها أزمة حكم قبل أن تكون أزمة ديزل، وأزمة شرعية وفاعلية قبل أن تكون أزمة توزيع.
جغرافية الشلل.. من رأس اجدير إلى قمم الجبل الغربي
لم تكن صرخات سائقي الشاحنات في الزنتان وكاباو ومدن الساحل الغربي مجرد احتجاج عمالي عابر، بل كانت بمثابة جرس إنذار أخير لسلطة تتسم بالصمم المزمن تجاه معاناة الليبيين. ففي معبر رأس اجدير الحدودي مع تونس، حيث تنبض الحياة التجارية بين البلدين عادة، توقفت مئات الشاحنات المحملة بالبضائع والسلع الغذائية، غير قادرة على استكمال رحلتها بسبب غياب الوقود. هؤلاء السائقون الذين يقضون أيامهم على مقاعد شاحناتهم في انتظار وصول أي قطرة ديزل، يروون حكاية مختلفة تماماً عن تلك التي يرويها المسؤولون في طرابلس عن استقرار الأوضاع وتحسن الخدمات.
يقول أحد السائقين في مدينة الزنتان، وقد علت وجهه علامات الإرهاق والغضب، إنه أمضى أكثر من شهر كامل وهو يتنقل بين المحطات الرسمية دون جدوى، قبل أن يضطر في النهاية إلى شراء الوقود من السوق الموازية بأسعار تفوق الخيال. ففي الوقت الذي تحدد فيه الدولة سعر لتر الديزل بخمسة عشر درهماً فقط، يجد السائق نفسه مضطراً لدفع ثلاثة دنانير كاملة للحصول على اللتر الواحد من مهربين وتجار الأزمات. هذه الفجوة السعرية الفلكية التي تصل إلى عشرين ضعفاً بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء ليست مجرد رقم صادم، بل هي إدانة كاملة لمنظومة الحكم القائمة وعجزها عن حماية مواطنيها من جشع المحتكرين وعصابات التهريب.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع النقل التجاري فحسب، بل امتدت لتطاول الخدمات الأساسية للمواطنين العاديين بطرق غير متوقعة. ففي مدينة الزنتان ذاتها، يحكي أحد السكان كيف أمضى يوماً كاملاً في البحث عن شاحنة صغيرة لنقل المياه إلى منزله، في مشهد يعيد إلى الأذهان صوراً من أزمنة الحصار والحرمان، ليس بسبب الجفاف أو قلة الموارد، بل بسبب عجز الدولة عن توفير الوقود اللازم لتشغيل هذه الشاحنات. إنه مشهد يكشف بجلاء كيف أن فشل السلطة في إدارة ملف المحروقات يتحول تدريجياً إلى أزمة إنسانية وخدمية شاملة تطال لقمة العيش والشراب للمواطن الليبي البسيط.
اقتصاديات التهريب.. حين تلتهم السوق السوداء أحلام الليبيين
تكشف أزمة الديزل الحالية عن الوجه القبيح لاقتصاد الريع النفطي عندما يقع في أيدي سلطة فاشلة لا تملك الإرادة ولا القدرة على ضبط موارد البلاد. فالفجوة الهائلة بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق الحقيقي، والتي تجعل ليبيا تحتل المرتبة الأولى عالمياً في رخص أسعار الوقود، ليست نعمة على المواطن الليبي كما يتصور البعض، بل هي نقمة تحولت إلى محرك رئيسي لواحدة من أوسع عمليات الفساد والتهريب المنظم في المنطقة.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو ثلاثين في المائة من الوقود المدعوم في ليبيا يتسرب عبر قنوات التهريب إلى خارج البلاد، في عملية منظمة تتطلب تواطؤاً على مستويات متعددة من منظومة التوزيع والأمن والرقابة. هذه النسبة الهائلة تعني أن مليارات الدولارات التي تخصصها الدولة سنوياً لدعم المحروقات لا تذهب في النهاية إلى جيب المواطن الليبي أو إلى خزانات شاحناته، بل تذهب إلى جيوب شبكات التهريب العابرة للحدود التي حولت أزمة الليبيين إلى تجارة رابحة.
إن ما يحدث في ليبيا اليوم هو تجسيد حي لمقولة الاقتصاديين عن “لعنة الموارد”، حيث تتحول الوفرة الطبيعية إلى مصدر للتخلف والصراع بدلاً من أن تكون محركاً للتنمية والازدهار. ففي بلد تعتمد موازنته بنسبة خمسة وتسعين في المائة على عائدات النفط والغاز، وتوجه تسعون في المائة من إيراداته لتغطية بنود الرواتب والدعم، يصبح أي خلل في منظومة المحروقات بمثابة زلزال يهدد أركان الدولة الهشة بأكملها.
تشريح الفشل.. منظومة حكم بلا رؤية ولا أدوات
إن الأزمة الحالية ليست وليدة الصدفة أو سوء الطالع، بل هي النتيجة المنطقية والحتمية لتراكم سنوات من الإهمال وسوء الإدارة والفساد في ظل حكومة انتهت ولايتها القانونية والسياسية منذ زمن، لكنها لا تزال تتشبث بمقاعد السلطة في طرابلس دون شرعية حقيقية أو قدرة فعلية على الحكم. فحكومة الدبيبة منتهية الولاية، التي يفترض أن مهمتها الأساسية كانت قيادة البلاد نحو انتخابات عامة وتوحيد مؤسسات الدولة المنقسمة، تحولت إلى عبء إضافي على كاهل الليبيين، وإلى شاهد زور على فشل النخبة السياسية في انتشال البلاد من مستنقع الأزمات المزمنة.
وما يزيد من مرارة المشهد أن هذه الحكومة لم تتوانَ عن تقديم نفسها للعالم الخارجي بصورة الحارس الأمين على موارد البلاد والقادر على إدارة ملفاتها المعقدة، بينما الواقع على الأرض يكذب هذه الادعاءات يوماً بعد يوم. فأين هي الإجراءات الرقابية التي كان من المفترض أن تمنع تسرب ثلاثين في المائة من الوقود المدعوم إلى قنوات التهريب؟ وأين هي الخطط الاستراتيجية التي كان يجب أن تضمن استقرار إمدادات المحروقات للمواطنين والقطاعات الحيوية؟ وأين هو التنسيق المفترض بين الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين بدلاً من ذهابه إلى جيوب المهربين والفاسدين؟
إن غياب الإجابات المقنعة عن هذه الأسئلة لا يعكس فقط فشلاً إدارياً أو تقنياً يمكن تداركه ببعض الإصلاحات الجزئية، بل يكشف عن أزمة أعمق وأخطر بكثير: أزمة شرعية سياسية وأخلاقية لسلطة لا تملك تفويضاً شعبياً حقيقياً ولا تستطيع تقديم الحد الأدنى من الخدمات التي ينتظرها المواطنون من أي دولة حديثة.
الجانب الآخر من التل.. المجلس الرئاسي وصمته المريب
في خضم هذه الأزمة الخانقة التي تعصف بمواطني الغرب الليبي، يبرز سؤال محرج آخر: أين المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي مما يحدث؟ فالمجلس الذي يفترض أنه يمثل السلطة العليا في البلاد ويضطلع بمهام القائد الأعلى للجيش الليبي ومسؤوليات السيادة الوطنية، يبدو غائباً تماماً عن المشهد، وكأن ما يحدث في الزنتان وكاباو ورأس اجدير يجري في قارة أخرى لا تعنيه في شيء.
هذا الصمت المريب والتغاضي المستمر عن تداعيات الأزمة على حياة المواطنين اليومية ليس مجرد تقصير في أداء الواجب، بل هو تواطؤ ضمني مع حالة الفوضى التي تخدم أجندات ضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا. فالمجلس الرئاسي الذي انبثق عن حوارات سياسية معقدة ومطولة، يفترض أن يكون حارساً على وحدة البلاد واستقرارها، وليس شاهداً صامتاً على انهيار أبسط مقومات الحياة اليومية للمواطنين.
إن انشغال المجلس الرئاسي بترتيب لقاءاته الدولية واستقبال السفراء الأجانب، في الوقت الذي يقف فيه سائقو الشاحنات في طوابير طويلة بحثاً عن وقود غير موجود، يكشف بجلاء عن مدى الانفصال بين النخبة السياسية الحاكمة في طرابلس وبين هموم ومعاناة الليبيين العاديين. هذا الانفصال هو الذي يفسر لماذا تتحول أزمة الديزل إلى شلل في حركة النقل، ثم إلى نقص في السلع الغذائية، ثم إلى ارتفاع في الأسعار، دون أن يحرك ذلك ساكناً في أروقة السلطة التنفيذية أو التشريعية.
تشريح اقتصاد الريع.. حين يصبح النفط نقمة
لفهم الأبعاد الحقيقية لأزمة الديزل المتكررة في ليبيا، لا بد من الغوص أعمق في طبيعة الاقتصاد الليبي المختلة وبنيته المشوهة التي تجعله عرضة لمثل هذه الصدمات المتلاحقة. فالاعتماد شبه المطلق على عائدات النفط والغاز لتسيير كامل مناحي الحياة في البلاد، من دفع رواتب الموظفين إلى استيراد الغذاء والدواء، مروراً بدعم المحروقات والسلع الأساسية، يخلق وضعاً هشاً وخطيراً حيث يصبح أي خلل في قطاع الطاقة بمثابة نوبة قلبية تصيب الجسد الاقتصادي بأكمله.
وما يزيد الطين بلة أن هذه العائدات النفطية الضخمة لا توجه نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام قادر على الصمود في وجه تقلبات أسواق الطاقة العالمية، بل تلتهمها بنود الإنفاق الجاري مثل الرواتب والدعم، في دورة مفرغة لا تولد أي قيمة مضافة حقيقية. ففي الوقت الذي تنفق فيه الدولة أربعة وأربعين مليار دينار على دعم المحروقات، لا تكاد تخصص مبالغ تذكر للاستثمار في البنية التحتية لقطاع النفط نفسه، أو لتطوير مصادر طاقة بديلة، أو لبناء صناعات تحويلية تخلق فرص عمل حقيقية للشباب الليبي بدلاً من إغراقهم في بطالة مقنعة ووظائف وهمية في قطاع عام مترهل.
هذه البنية الاقتصادية المريضة هي التي تفسر لماذا تتحول أزمة ديزل في غرب البلاد بسرعة إلى أزمة غذاء وأزمة خدمات وأزمة معيشة شاملة. فعندما يتوقف سائقو الشاحنات عن العمل بسبب نقص الوقود، تتوقف معهم سلاسل الإمداد الغذائي من المناطق الزراعية إلى الأسواق الحضرية، وترتفع الأسعار بشكل جنوني، وتزداد معاناة المواطنين الذين يئنون أصلاً تحت وطأة أزمة سيولة مصرفية مزمنة وانخفاض مستمر في قيمة الدينار الليبي.
الاقتصاد الخفي.. عصابات التهريب تتحدى الدولة
إن النجاح المذهل لعصابات التهريب في السيطرة على ثلاثين في المائة من الوقود المدعوم في ليبيا ليس مجرد فشل أمني أو إداري يمكن معالجته بتعزيز الدوريات أو تشديد العقوبات، بل هو مؤشر خطير على أن هذه الشبكات تحولت إلى دولة موازية داخل الدولة، لها اقتصادها الخاص وقوانينها غير المكتوبة ونفوذها الذي يتجاوز في كثير من الأحيان نفوذ الحكومة.
تعمل هذه الشبكات وفق منطق اقتصادي بسيط وفعال في آن واحد: شراء الوقود المدعوم بالسعر الرسمي البالغ مئة وخمسين درهماً للتر الواحد، ثم بيعه في الأسواق المحلية بثلاثة دنانير أو تهريبه إلى دول الجوار بأسعار تزيد عن عشرة دنانير للتر الواحد. والفارق الهائل بين سعر الشراء وسعر البيع يدر على هذه الشبكات أرباحاً خيالية تمكنها من شراء الولاءات وتمويل المليشيات المسلحة واختراق مؤسسات الدولة الفتية من أوسع أبوابها.
والأخطر من ذلك أن هذه الشبكات أصبحت لاعبا رئيسيا في الاقتصاد السياسي الليبي، حيث تتداخل مصالحها مع مصالح فصائل مسلحة متنفذة ومع مسؤولين فاسدين في مؤسسات حساسة. هذا التداخل يخلق وضعاً يصبح فيه أي محاولة جادة لإصلاح منظومة المحروقات أو ضبط التهريب بمثابة إعلان حرب على مصالح راسخة وقوى نافذة لا تقبل المساس بمكتسباتها. ولهذا السبب تحديداً تفشل كل المبادرات الإصلاحية، وتتحول وعود المسؤولين بإنهاء الأزمة إلى مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي لا قيمة لها على أرض الواقع.
وجع المواطن.. معاناة يومية في بلد الوفرة المفقودة
بعيداً عن تحليلات الاقتصاديين وتصريحات المسؤولين الجوفاء، هناك وجه إنساني مؤلم لأزمة الديزل يستحق أن يروى. إنه وجه المواطن الليبي البسيط الذي اعتاد على وطأة الأزمات المتلاحقة، لكنه لم يعتد يوماً على الشعور بأن دولته النفطية الغنية أصبحت عاجزة حتى عن توفير الوقود لشاحنات نقل الماء والخبز والدواء.
في مدن الجبل الغربي، حيث تندر مصادر المياه الطبيعية وتزداد الحاجة إلى نقل المياه بالشاحنات، تتحول أزمة الديزل إلى أزمة عطش حقيقية. مواطنون يقضون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة يبحثون عن أي وسيلة لنقل الماء إلى منازلهم، بينما تظل صهاريج المياه متوقفة بلا حراك في انتظار الوقود الذي لا يأتي. هذا المشهد المؤلم يذكرنا بأن الفشل في إدارة ملف المحروقات ليس مجرد فشل اقتصادي أو إداري، بل هو فشل أخلاقي وإنساني من الدرجة الأولى.
وفي الأسواق الشعبية، يدفع المواطن العادي ثمناً مضاعفاً للأزمة: أولاً من خلال ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية نتيجة زيادة تكاليف النقل، وثانياً من خلال تآكل قدرته الشرائية أصلاً بسبب أزمة السيولة وانخفاض قيمة العملة. إنها حلقة مفرغة من المعاناة لا يبدو أن أحداً في أروقة السلطة في طرابلس يعيرها أي اهتمام حقيقي.
الدعم المشوه.. قصة إعانة تلتهمها جيوب الفساد
يُفترض أن يكون دعم المحروقات في ليبيا سياسة اجتماعية نبيلة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين محدودي الدخل وضمان وصول الطاقة بأسعار معقولة إلى جميع فئات المجتمع. لكن ما يحدث على أرض الواقع هو العكس تماماً: لقد تحول هذا الدعم إلى أكبر آلية لإعادة توزيع الثروة من جيوب الفقراء والمحتاجين إلى جيوب الأغنياء والمهربين وأمراء الحرب.
فقيمة الدعم الهائلة التي تنفقها الدولة سنوياً على المحروقات لا تصل في معظمها إلى مستحقيها الحقيقيين. ففي الوقت الذي يقف فيه سائق الشاحنة البسيط عاجزاً عن شراء الوقود بالسعر الرسمي المدعوم، يتمتع المهربون وتجار السوق السوداء بمكاسب طائلة من بيع نفس الوقود بأسعار تفوق السعر الرسمي بأكثر من عشرين ضعفاً. هذه المفارقة الصادمة تكشف أن سياسة الدعم الحالية، في ظل غياب الرقابة الفعالة وانتشار الفساد، تحولت من أداة للعدالة الاجتماعية إلى محرك رئيسي لتعميق التفاوت الطبقي وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذه السياسة المشوهة يهدد مستقبل الأجيال القادمة، ليس فقط لأنها تلتهم موارد الدولة التي كان يمكن استثمارها في التعليم والصحة والبنية التحتية، بل أيضاً لأنها تخلق ثقافة اعتماد على الدولة واتكالية تقتل روح المبادرة والإبداع لدى الشباب. فبدلاً من خلق اقتصاد منتج ومتنوع يوفر فرص عمل حقيقية ومستدامة، تعمل هذه السياسة على تكريس اقتصاد ريعي طفيلي يعتمد على استنزاف المورد الطبيعي الوحيد للبلاد دون أي قيمة مضافة حقيقية.
الجغرافيا السياسية للأزمة.. حدود الشرق والغرب المتفاقمة
لا يمكن فهم أزمة الديزل في غرب ليبيا بمعزل عن السياق السياسي والأمني المعقد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات. فالانقسام المؤسسي بين شرق البلاد وغربها، وتعدد مراكز القوى وتنازعها على الشرعية والموارد، يخلق بيئة خصبة لتفاقم مثل هذه الأزمات واستعصائها على الحل.
في الشرق الليبي، حيث توجد غالبية حقول النفط وموانئ التصدير الرئيسية، تدار منظومة النفط والغاز وفق ترتيبات معقدة تجمع بين المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس وقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. هذه الازدواجية في إدارة المورد الحيوي الوحيد للبلاد تخلق توترات مستمرة وتعقيدات إضافية في سلاسل الإمداد والتوزيع، وتجعل أي أزمة في قطاع المحروقات عرضة للتسييس والتوظيف في الصراع الأوسع على السلطة والشرعية.
وفي ظل هذا الانقسام، تجد حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي نفسيهما في موقع لا يحسدان عليه: فمن ناحية، هما مطالبان بتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين في مناطق نفوذهما، بما في ذلك الوقود المدعوم. ومن ناحية أخرى، فإنهما لا يسيطران سيطرة كاملة على مقدرات البلاد في ظل تغول المليشيات والمنتفعين بشكل مستقل نسبياً. هذه المعضلة الهيكلية تفسر جزئياً عجز السلطة التنفيذية في طرابلس عن معالجة أزمة الديزل بشكل جذري ومستدام.
وهم الحلول الترقيعية.. لماذا تفشل خطط الإنقاذ المتعاقبة؟
مع كل أزمة وقود جديدة في ليبيا، تخرج علينا الحكومة منتهية الولاية بتصريحات مطمئنة عن تشكيل لجان طوارئ ووضع خطط عاجلة لضمان تدفق الإمدادات وضبط التوزيع. لكن هذه الوعود سرعان ما تتبخر في الهواء، وتعود الأزمة لتطل برأسها القبيح بعد أسابيع أو أشهر قليلة، وكأن شيئاً لم يتغير.
يكمن السبب الرئيسي لهذا الفشل المتكرر في أن الحلول المطروحة تتعامل مع أعراض المرض دون المساس بأسبابه العميقة. فتشديد الرقابة على محطات الوقود أو زيادة الحصص المخصصة للمناطق المتضررة قد يخفف من حدة الأزمة مؤقتاً، لكنه لا يعالج الخلل الهيكلي في منظومة الدعم والتوزيع، ولا يقوض البنية الاقتصادية لعصابات التهريب، ولا يحل إشكالية الفجوة السعرية الهائلة التي تخلق الحافز الأساسي للتهريب والاحتكار.
إن أي حل حقيقي ومستدام لأزمة المحروقات في ليبيا يتطلب إرادة سياسية صلبة لمواجهة شبكات الفساد والتهريب، واستراتيجية وطنية شاملة لإصلاح منظومة الدعم تدريجياً، ورؤية اقتصادية واضحة للانتقال من اقتصاد ريعي معتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع ومنتج. وهذه كلها أمور تبدو بعيدة المنال في ظل الوضع السياسي الراهن، حيث تنشغل النخبة الحاكمة بالصراع على البقاء في السلطة أكثر من انشغالها ببناء دولة حقيقية قادرة على خدمة مواطنيها.
الطريق المسدود.. ماذا ينتظر الليبيين في ظل استمرار الوضع الراهن؟
إذا كانت أزمة الديزل الحالية كاشفة عن عمق المأزق الذي تعيشه ليبيا، فإن استمرار الوضع الراهن دون تغيير جوهري يبشر بمستقبل أكثر قتامة. فمع تزايد الضغط على الموارد المالية للدولة نتيجة تقلبات أسعار النفط العالمية وارتفاع فاتورة الدعم والرواتب، ستصبح قدرة الحكومة على توفير حتى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية موضع شك متزايد.
وفي ظل غياب أي أفق سياسي واضح للخروج من النفق المظلم، يظل المواطن الليبي رهينة لأزمات متلاحقة يتحكم في إيقاعها مزيج قاتل من الفساد الإداري والتهريب المنظم والصراع السياسي. فمن أزمة سيولة مصرفية إلى أزمة كهرباء، ومن أزمة وقود إلى أزمة غذاء، تدور عجلة المعاناة دون توقف، بينما تلهث النخبة السياسية وراء سراب السلطة والمناصب.
إن ما يحتاجه الليبيون اليوم، قبل أي شيء آخر، هو قيادة وطنية حقيقية تمتلك رؤية واضحة لمستقبل البلاد، وإرادة سياسية صلبة لمواجهة التحديات العميقة، وشرعية شعبية حقيقية تمكنها من اتخاذ القرارات الصعبة والمؤلمة التي لا مفر منها لإنقاذ البلاد من الانهيار. لكن هذه القيادة لن تأتي من رحم الوضع الراهن الذي تكرسه حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، بل تحتاج إلى عملية سياسية جديدة تفضي إلى سلطة موحدة وشرعية قادرة على فرض سيطرتها على كامل التراب الليبي وموارده.
حتى ذلك الحين، ستظل شاحنات النقل متوقفة على جوانب الطرق في غرب ليبيا، شاهدة على فشل دولة لا تعرف كيف تحمي مواطنيها من جشع المهربين ولا كيف تستثمر ثرواتها الهائلة لصالح أبنائها. وستظل صهاريج المياه خاوية في مدن الجبل الغربي، بينما يبحث المواطنون عبثاً عن قطرات ديزل تمكنهم من نقل الماء إلى منازلهم. إنها صورة قاتمة لواقع مؤلم، لكنها الصورة الحقيقية لليبيا اليوم تحت حكم سلطة فقدت بوصلتها الأخلاقية والسياسية.



