وسط تحديات الاستدامة وضغوط الطلب.. ليبيا أمام اختبار الأمن المائي
مزيج من محدودية الموارد وسوء الإدارة يضع ملف المياه في صدارة الأولويات الوطنية

في ظل تصاعد المخاوف بشأن استدامة الموارد الحيوية، يعود ملف الأمن المائي في ليبيا إلى واجهة النقاش العام، مدفوعًا بتحديات متزايدة تتعلق بتأمين مياه الشرب وتلبية احتياجات القطاعات الحيوية، رغم وجود منظومة النهر الصناعي العظيم التي تُعد من أكبر مشاريع نقل المياه عالميًا.
وتشير المعطيات إلى أن التحدي المائي في ليبيا لا يرتبط فقط بندرة الموارد الطبيعية، بل يتداخل مع عوامل هيكلية، في مقدمتها ضعف الإدارة وغياب التخطيط المستدام، ما يضاعف الضغوط على الموارد المتاحة ويحد من كفاءة توزيعها.
موارد محدودة وضغوط متزايدة
تعتمد ليبيا بشكل شبه كامل على المياه الجوفية التي تمثل أكثر من 97 بالمئة من إجمالي الاستهلاك، في حين تبقى مساهمة المياه السطحية محدودة للغاية، إذ لا تتجاوز كميات الجريان السطحي القابلة للاستفادة نحو 170 مليون متر مكعب سنويًا.
وتُقدّر كميات التغذية السنوية للمياه الجوفية بنحو 650 مليون متر مكعب، مقابل سحب آمن يصل إلى 3000 مليون متر مكعب سنويًا، إلا أن معدلات الضخ الحالية تتجاوز هذه الحدود، ما أدى إلى تراجع منسوب المياه وارتفاع مستويات الملوحة، خاصة في المناطق الساحلية.
ويعكس الميزان المائي العام مؤشرات مقلقة، حيث تُقدّر الموارد المتاحة بنحو 3820 مليون متر مكعب، في وقت يتزايد فيه الطلب بفعل النمو السكاني والتوسع الزراعي، ما يخلق فجوة يتم تعويضها عبر الاستنزاف المفرط للمخزونات الجوفية.
تداعيات بيئية وزراعية متسارعة
أدى الضغط المتزايد على الموارد المائية إلى بروز تحديات بيئية واقتصادية، من أبرزها تسارع تداخل مياه البحر في الخزانات الساحلية، وهو ما يهدد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خاصة على امتداد الساحل الغربي.
ويستهلك القطاع الزراعي أكثر من 80 بالمئة من إجمالي المياه المستخدمة، ما يضعه في صلب أي جهود لإعادة التوازن للميزان المائي، في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف استخراج المياه وصيانة البنية التحتية.
كما انعكست هذه التحديات على تنامي الاعتماد على تحلية مياه البحر كخيار بديل، رغم ما يتطلبه من استثمارات كبيرة وربط وثيق بقطاع الطاقة.
خيارات استراتيجية لتعزيز الأمن المائي
تبرز الحاجة إلى حزمة متكاملة من الإجراءات لتعزيز الأمن المائي، تجمع بين الحلول العاجلة والرؤى بعيدة المدى، وفي مقدمتها التوسع في مشاريع تحلية المياه، خاصة في المناطق الساحلية، إلى جانب تطوير وربط هذه المشاريع بمنظومات إنتاج الكهرباء.
كما تمثل استمرارية تطوير منظومة النهر الصناعي العظيم عنصرًا محوريًا، من خلال استكمال مراحله المتعثرة وتحسين كفاءة تشغيله، بما يسهم في تخفيف الضغط على الأحواض الجوفية الساحلية.
وتشمل الإجراءات المقترحة أيضًا تعزيز الدراسات الهيدرولوجية لتحديد دقيق للموارد المتاحة، والتوسع في إنشاء السدود ومنشآت تجميع مياه الأمطار، إضافة إلى تطوير أنظمة مراقبة حديثة للأحواض الجوفية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات المؤسسية والتشريعية التي تهدف إلى تنظيم استغلال المياه، إلى جانب برامج التوعية المجتمعية وترشيد الاستهلاك، بما يعزز من كفاءة إدارة هذا المورد الحيوي ويضمن استدامته على المدى الطويل.



