ليبيا

خريطة إصلاح من خمسين فكرة.. هل تعبر ليبيا جسر التنفيذ؟

الجدل الاقتصادي يتصاعد: تشخيص بارد لواقع إداري يسخن

ما وراء الأزمة الليبية.. تفكيك هادئ للجمود الإداري وتصورات لمستقبل ما بعد الريع

ليبيا 24:

بينما تعصف بمنطقة المتوسط تحولات لافتة في مجال الطاقة وطرق التجارة الدولية، تظل الحالة الليبية تمثل مفارقة صارخة: بلد يطفو على بحر من الثروة، لكنه يكافح للحفاظ على توازنه المالي والخدمي.

في هذا الفراغ التحليلي، تكتسب أطروحات منير علي عصر، وزير الاقتصاد والصناعة السابق، أهميتها لا كوصفة جاهزة، بل كمادة أولية لنقاش متأخر حول بنية الدولة.

عبر أكثر من خمسين منشورًا موسعًا، يقدم الرجل ما يمكن اعتباره مشروعًا متكاملاً للتشخيص يقف على مفترق الطرق بين ما هو أكاديمي وما هو قابل للتطبيق، شريطة توفر الإرادة السياسية.

تستند هذه الرؤية إلى قاعدة صلبة مفادها أن العطب الليبي ليس ناتجًا عن شح الموارد، بل عن خلل في تعريف الوظائف المؤسسية، وسوء فهم للعلاقة بين المال العام والمال التجاري للدولة.

تفكيك الالتباس المؤسسي.. حين يصبح الاسم جوهر المشكلة

في صلب الطرح الذي يقدمه عصر، ثمة تمييز دقيق بين تداخل الأدوار والازدواجية القاتلة في القرار، فحين لا يُفرق صانع القرار بين وزارة الخزانة ووزارة المالية، أو حين تدير جهة واحدة ملفي الاقتصاد الكلي وضبط الأسواق اليومية، تتجمد وظائف الدولة العليا. ي

ذهب الوزير السابق إلى أن دمج مفهوم “المال العام” بأموال الشركات المملوكة للدولة، وإخضاع الأخيرة لمنطق الإنفاق الحكومي لا المحاسبة التجارية، قد أنتج كيانات خاسرة هيكليًا.

فشركات النفط والاتصالات، في غياب ميزانيات سنوية تُغلق وتُظهر أرباحًا أو خسائر حقيقية، تتراكم ديونها المعدومة في صمت، وتُضخم أصولها الوهمية لتبدو صامدة بينما الحقيقة هي تآكل مستمر لرأس المال.

النتيجة التي يُستخلص منها هي أن ليبيا لا تديرها حكومات متعددة، بل “وزارة عملاقة” أحادية التفرع، وهو ما يلغي عمليًا مبدأ المساءلة ويُفرغ القانون التجاري من روحه، مُحولاً إياه إلى نصوص تُعيق بدلاً من أن تُنظم.

السياسة النقدية وحدها لا تكفي.. جدلية الإنتاج المحلي المتعثر

في مواجهة الأصوات التي تختزل الحل في تغيير سعر الصرف أو ضخ السيولة في المصارف، يظهر الطرح بوصفه تذكيرًا بأن السياسة النقدية عديمة الجدوى إن لم تتزامن مع سياسة مالية وتجارية منسجمة.

إحدى النقاط الجديرة بالتأمل هي ما يطرحه عصر بخصوص الجدل حول استيراد المشتقات النفطية، يصف النظر إلى التكلفة المباشرة فقط عند المقارنة بين المنتج المستورد والمحلي بأنه “تصور محاسبي ضيق” يغض الطرف عن الأمن القومي للطاقة وسلسلة القيمة المضافة.

يُضاف إلى ذلك تحليل ظاهرة المنتج المحلي الذي، رغم تمتعه بدعم كبير للكهرباء والوقود وإعفاءات ضريبية، يعجز عن منافسة بضائع عبرت البحار وتحمّلت رسومًا.

يكمن التفسير، بحسب هذه الرؤية، في غياب ثقافة “وفورات الحجم” وسوء إدارة التكاليف، حيث لا تصل أغلب المشاريع الصناعية الناشئة إلى “نقطة التعادل” التي عندها تبدأ التكلفة الحقيقية بالانخفاض.

في هذا السياق، يبرز أيضًا اقتراح تفعيل “الكمبيالة” كأداة ائتمانية ذات قوة قانونية صارمة، قادرة على تحريك السيولة دون اللجوء إلى طباعة النقود أو القروض الاستهلاكية المثقلة.

قوة إقليمية في الكهرباء بدلاً من تصدير الخام.. إعادة تعريف الثروة

من بين أكثر العناصر الاستراتيجية في الأطروحات المنشورة، يبرز التصور القائم على تحويل ليبيا من مجرد مصدر للنفط الخام إلى قوة إقليمية في توليد وتصدير الكهرباء.

هذا الطموح الهندسي لا يقوم على الرغبة في التنويع الاقتصادي فحسب، بل على معادلة مربحة: توجيه جزء من الغاز والنفط لتشغيل محطات التوليد، مع تسخير أحد أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في العالم لتوليد طاقة نظيفة للتصدير.

يضيف هذا التوجه بعدًا جيو سياسيًا جديدًا للدولة، ويجعلها شريكًا مباشرًا في أمن الطاقة للمتوسط، ومثله في ذلك قطاع الدواجن الذي يُطرح كفرصة عالية القيمة المضافة، ليس من خلال تدخل الدولة كمنافس، بل من خلال تهيئة البيئة التشريعية للقطاع الخاص.

يشترط هذا التوجه أن تتراجع الدولة إلى دورها الأصلي كمنظم ومُمكّن، لا كمستثمر يزاحم المواطن، وهو شرط يظل، في سياق الاقتصاد الليبي، الأكثر مدعاة للجدل.

المساءلة عبر الأرقام.. الميزانية كمعيار للأداء

ما يميز هذه الطروحات هو عودتها المتكررة إلى لغة الأرقام والميزانيات كلغة للحقيقة، ففي غياب مؤشرات الأداء، يُطرح السؤال التالي: كيف تُقيّم الحكومات إن لم تكن الشركات العامة تُغلق ميزانياتها وتعلن أرباحها أو خسائرها أمام جمعيات عمومية حقيقية؟ يعتبر عصر أن “تدوير الديون” وتسجيل الأصول بقيم متضخمة لتغطية الخسائر، ما هما إلا تمثيل لثقافة إدارية تتهرب من الحكم عليها بالأداء.

بل يصل التحليل إلى اعتبار أن مديرًا لا تستطيع أموال شركته أن تحقق عائدًا يوازي فائدة وديعة مصرفية بسيطة، هو مدير فشل في وظيفته الأولى: تنمية الموارد.

إنها دعوة صريحة، من خلال الوقائع المالية، لاعتماد الحوكمة والمحاسبة كأساس لإصلاح لا يمكن أن ينجح دون إرادة تنفيذية عليا.

اللامركزية والتعليم.. الركيزتان المؤجلتان

لا يكتمل المشروع التشخيصي دون المرور على قطاعي التعليم والتنمية المكانية، فيما يخص الأول، تتجاوز الرؤية الانتقاد السطحي للطلبة لتوجه سهام النقد نحو جامعات متحجرة لا تُنتج التخصصات الدقيقة التي يحتاجها الاقتصاد الحديث.

يُضرب المثل بندرة الخبراء في مجالات كالخلايا المنتجة للأنسولين، مقابل تخمة في تخصصات عامة لا تجد طريقها لسوق العمل.

ويرتبط بذلك غياب مراكز البحوث الاقتصادية القادرة على توجيه القرار، أما في ملف الحكم المحلي، فيعود الحديث إلى ما يُسمى “اللامركزية الوظيفية”، وهي مقاربة تقترح أن تُمنح كل محافظة هوية اقتصادية ربطًا بمواردها، فلا تكون طرابلس أو بنغازي مراكز طاردة للسكان، بل جزءًا من نسيج متوازن يحد من الهجرة الداخلية الفوضوية.

ختامًا، لا تقدم هذه المنشورات الخمسون وعودًا براقة، بل تطرح سؤالاً وجوديًا للإدارة الليبية: هل توجد الإرادة للانتقال من مربع توزيع الريع إلى مربع خلق القيمة؟ في عالم يعيد رسم تحالفاته وطرق استثماره، تظل هذه الأطروحات بمثابة مرآة للواقع، تاركةً للقارئ وصانع القرار تقدير ما إذا كانت ستصبح خارطة طريق وطنية، أم تبقى مجرد تمرين فكري في زمن الضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى