ليبيا

الزاوية تفضح خريطة الميليشيات في ليبيا: من بندقية الثائر إلى دويلة المال والسلاح برعاية حكومة منتهية الولاية

الدبيبة يمول الميليشيات المسلحة درعاً لبقاء حكومته منتهية الولاية


ليبيا 24

اقتتال الزاوية يكشف تحول ميليشيات مسلحة إلى حكم بديل

لم تكن مدينة الزاوية، المطلة على البحر المتوسط وتحتضن أكبر مصفاة نفطية في البلاد، تحتاج إلى أكثر من فجر دامٍ لتعيد التذكير بأنَّ ليبيا لا تزال أسيرة منظومة من السلاح نبتت في فراغ الدولة، وترعرعت في أحضان السياسة، وتجذرت بشبكات مصالح يصعب اقتلاعها.
فبينما كان سكان الأحياء السكنية يغطون في نومهم، انفجرت الهدنة الهشة التي ترعاها حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، لتتحول الشوارع إلى مسرح لاقتتال عنيف بين ميليشيات يفترض أنها تتبع رسمياً وزارة الدفاع، لكنها في حقيقة الأمر تدين بالولاء لقادة حرب يديرون اقتصاداً موازياً ويفرضون منطق القوة على الدولة.
خلفت «معركة الجمعة الدامية» عشرة قتلى على الأقل وعشرين جريحاً، وأرتالاً من الذخيرة الثقيلة التي مزقت واجهات البنايات وطالت محيط منشآت نفطية تمثل شريان الاقتصاد الليبي المنهك. غير أن الحصيلة الأخطر لا تُقاس بعدد الضحايا ولا بحجم الدمار، بل بما تكشفه المعركة من تحول بنيوي عميق في طبيعة التشكيلات المسلحة التي تحكم قبضتها على غرب ليبيا، وبتواطؤ صامت من المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، الذي بات وجوده مجرد ديكور سياسي لعملية سلام متعثرة.

من ثكنات الثورة إلى مراكز نفوذ دائمة

«لم تعد الميليشيات في غرب ليبيا تلك العناصر المسلحة التي يُستدعَون للقتال عند الحاجة ويُصرفون بعد المهمة»، بهذه الكلمات لخّص مسؤول أمني سابق في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 جوهر المأزق.
يضيف المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته خشية الانتقام: «هذه التشكيلات تحولت إلى شريك في السلطة ومدافع عنها بقدر ما تنتفع منها. عتادها لم يعد بندقية كلاشنكوف أو مدفع رشاش عيار أربعة عشر ونصف مليمتراً، بل صارت تمتلك مدافع هاوتزر ثقيلة وطائرات مسيّرة، وتحصل على تمويل مباشر من أجهزة في قلب طرابلس لتعزيز نفوذ حكومة الدبيبة».

هذا التحول الذي يرصده خبراء الأمن والمجتمع المدني لم يحدث بين ليلة وضحاها. فهو نتاج خمسة عشر عاماً من التآكل المتعمد لمؤسسات الدولة، وسياسة ممنهجة قادها الدبيبة عبر دمج عناصر ميليشياوية في أجهزة أمنية رسمية ومنحهم غطاء قانونياً أو شبه قانوني، ثم إشراكهم في ترتيبات أمن العاصمة وتأمين مقار الحكومة.
بهذه الطريقة، لم يعد الميليشياوي مجرماً خارجاً عن القانون، بل أصبح ضابطاً في جهاز رسمي، يحمل بطاقة وظيفية ويستلم راتباً من خزينة الدولة، فيما يحتفظ بولائه الأول لقائد كتيبته الذي يمتلك سلطة الأمر والنهي على قطعة جغرافية كاملة داخل المدن.

إفطار الشراكة: حين يستقبل رئيس الحكومة أمراء الحرب

في لقطة لخصت جوهر العلاقة الملتبسة بين السلطة التنفيذية المنتهية الولاية وأمراء الحرب، أقام عبد الحميد الدبيبة في رمضان الماضي مأدبة إفطار فاخرة ضمت قادة تشكيلات مسلحة بارزة من الزاوية. جلس إلى مائدته عثمان اللهب، آمر «الكتيبة مئة وثلاثة مشاة» المعروفة محلياً بـ«السلعة»، ومحمود بن رجب، آمر «اللواء اثنين وخمسين مشاة»، وغيرهما ممن تدين لهم أحياء بكاملها بالولاء وتدفع لهم الإتاوات. أثار المشهد حينها غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، واعتبره مراقبون اعترافاً رسمياً بأن حكومة الدبيبة لا تستطيع البقاء إلا بحماية المجموعات نفسها التي سرقت حلم الليبيين في دولة آمنة.

ولم يكن الإفطار مناسبة اجتماعية عابرة، بل كان تتويجاً لمخطط طويل الأمد يعمل فيه الدبيبة منذ تسلمه رئاسة الحكومة في طرابلس، تحت شعار «بسط سلطة الدولة»، فيما لا يقدم في الواقع إلا ترتيب ولاءات وتوزيع مغانم على قادة الكتائب.
وبدلاً من نزع سلاح الميليشيات وحل التشكيلات غير القانونية، منحها الشرعية عبر إلحاقها بالجيش والشرطة وجهاز دعم الاستقرار، محولاً إياها إلى درع سياسي يحميه من أي محاولة لإزاحته عبر صناديق الاقتراع التي يرفض إجراءها منذ انتهاء ولاية حكومته.

المجلس الرئاسي: صمت مريب يختبئ خلف التوازنات

على الضفة الأخرى من المشهد السياسي المتآكل، يقف المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي عاجزاً أو متواطئاً. فمنذ تشكيله بموجب ملتقى الحوار السياسي، تبنى المجلس خطاباً ناعماً يدعو إلى التهدئة والوحدة، دون أن يمتلك أي قدرة فعلية على محاسبة المسؤولين عن تغذية الصراع المسلح أو حماية المدنيين من رصاص الميليشيات.
المنفي الذي يفترض أن يشغل منصب القائد الأعلى للجيش الليبي، لم يصدر عنه أي توجيه عملياتي لوضع حد لانفلات السلاح في الزاوية، كما لم يحرك ساكناً إزاء تحول الميليشيات إلى كيانات اقتصادية تتحكم بمصفاة النفط وميناء المدينة وطرق التهريب نحو الحدود.

ويرى مراقبون أن صمت المجلس الرئاسي ليس عجزاً بقدر ما هو مصلحة مشتركة في استدامة الوضع الهش. فالمنفي يدرك أن أي محاولة جادة لتفكيك الميليشيات في غرب ليبيا ستهدد التوازن الذي أبقاه في منصبه، وستفتح الباب أمام تصفية حسابات دامية قد تطيح بالجميع.
لذا يفضل الاستمرار في لعبة إصدار بيانات الشجب والاستنكار، فيما تمتلئ جيوبه السياسية بفتات الشرعية الدولية التي لا يزال يحظى بها، رغم انتهاء كل مدد الحكومة التي يشرف عليها اسمياً.

شبكات المال غير المشروع: مصفاة الزاوية نموذجاً للفساد المؤسس

تقع مصفاة الزاوية، أكبر منشأة لتكرير النفط في ليبيا، في قلب معادلة القوة والثروة. وتكشف وثائق لجنة الخبراء المعنية بليبيا التابعة لمجلس الأمن في تقريرها الصادر مطلع عام ألفين وستة وعشرين، عن تحوّل ممنهج للتشكيلات المسلحة إلى واجهات سياسية متغلغلة في الوزارات والشركات السيادية. وأكد التقرير أن قادة هذه التشكيلات باتوا يسيطرون على القرارات المالية والإدارية لهذه المؤسسات، ويمارسون الابتزاز المنظم ضد رؤسائها لضمان تدفق الإتاوات والعمولات.

في الزاوية تحديداً، تسيطر ميليشيا «السلعة» بقيادة عثمان اللهب على حركة الدخول والخروج من المصفاة، وتفرض «رسوم حماية» على شاحنات نقل الوقود، فيما تشارك في عمليات تهريب منظمة للمحروقات عبر البحر إلى دول أوروبية، بعلم وموافقة أطراف في حكومة الدبيبة.
ويؤكد تجار محليون في المدينة أن أي شحنة وقود لا تغادر الميناء إلا بعد الحصول على ختم الكتيبة، وأن ثمن هذا الختم يُضاف إلى تكلفة السلعة التي تصل إلى المستهلك الأوروبي بأسعار تفضيلية تمول شراء المزيد من العتاد العسكري والمسيرات الهجومية.

هذه الشبكة من الفساد لا تقتصر على النفط وحده. فهي تمتد إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، حيث تُمنح عقود المشاريع الحكومية الكبرى لشركات وهمية يملكها أقارب قادة الميليشيات أو وكلاؤهم. وبدلاً من بناء مدارس ومستشفيات، تُصرَف الميزانيات على تعزيز القدرات القتالية للكتائب، في مشهد يعيد إنتاج الدولة الريعية الغارقة في العنف.

تحول الهوية: السلاح يصنع المكانة والوظيفة والوجود

يرصد المحامي والحقوقي عصام التاجوري، في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 ، بعداً اجتماعياً خطيراً لا تقل خطورته عن أبعاد المال والسلاح. يقول التاجوري: «جيل كامل نشأ بعد ألفين وأحد عشر داخل بيئة يرى فيها حمل السلاح وظيفة وهوية ومكانة اجتماعية، في ظل غياب مشروع وطني حقيقي لإعادة الدمج والتأهيل».

ويلفت إلى أن الميليشيا لم تعد مجرد مجموعات خارجة عن الدولة، بل تحولت تدريجياً إلى «نظام موازٍ» يعيش على بقاء الهشاشة ويخشى قيام الدولة الحقيقية. فكلما زادت الفوضى، ازدادت قوة قادة الكتائب ونفوذهم، وكلما تعثرت مسارات إعادة الإعمار والتنمية، ضمن هؤلاء تدفق المقاتلين الجدد الذين يبحثون عن مصدر رزق.

يضيف التاجوري أن بعض التشكيلات لم تعد تُختزل في المال والسلاح فقط، بل أصبحت تمثل مشروعاً بديلاً للدولة، يقدم خدمات محدودة للسكان ويحل محل القضاء والشرطة في فض النزاعات. «عندما يذهب المواطن في الزاوية إلى آمر الكتيبة لحل مشكلة ميراث أو نزاع عقاري، ويتلقى حكماً نافذاً تنفذه مجموعة مسلحة، فهذا يعني أن الدولة انسحبت بالكامل، وأننا أمام سلطة أمر واقع تكرس نفسها كل يوم»، كما يقول التاجوري.

أصوات الليبيين: غضب تحت الرماد وخوف من المواجهة

في شوارع الزاوية، يختلط صوت الرصاص الذي سكن مؤقتاً بأنين الجرحى وغضب الأهالي. فاطمة، أم لأربعة أطفال من سكان حي الأندلس القريب من منطقة الاشتباكات، تحدثت إلى كاتب هذه السطور بصوت مرتعش قائلة: «لم نعد نعرف متى ننام ومتى نستيقظ على صوت القذائف. أطفالي يكرهون المدرسة لأن الطريق إليها يمر بحواجز الميليشيات. الدبيبة يأكل معهم ويمنحهم الرتب، ثم يطلب منا الصبر. أي صبر هذا؟».

على مقربة من المصفاة، يدير محمد ورشته الصغيرة لتصليح السيارات وقد ملأت الشظايا جدرانها. يقول الرجل الذي فقد ابن عمه في معركة سابقة بين الكتائب: «الحكومة منتهية الولاية لا تريد انتخابات لأنها تعرف أن الشعب سيسقطها. السلاح هو صندوق الاقتراع الوحيد الذي يعترف به الدبيبة والمنفي».

وتزداد حدة الانتقادات حين يتحدث الشاب العاطل علي، الذي يرى في استمرار الفوضى سببا مباشرا لتعطل حياته: «لا نفط ولا غاز ينفعنا. كل الثروة تذهب لجيوب أمراء الحرب ولحسابات السياسيين في طرابلس. لو كان عندنا دولة، لوجدت أنا وعشرات الآلاف فرصة عمل، بدلا من الانتظار حتى تجندنا إحدى الكتائب لنقاتل بعضنا».

هذه الشهادات تتقاطع مع استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز أبحاث محلية، حيث يعبر أكثر من سبعين بالمئة من سكان غرب ليبيا عن رغبتهم في حل جميع التشكيلات المسلحة غير القانونية، وإجراء انتخابات فورية. لكن الخوف من الانتقام يمنع الكثيرين من الجهر بمواقفهم، في بلد يختفي فيه المعارضون، وتُكمم الأفواه برصاص الاغتيالات التي لا يطالها حساب.

الوجه الأوروبي للمأزق: اتفاقيات تشتري الاستقرار الزائف

لا يمكن فهم مثابرة حكومة الدبيبة على حماية الميليشيات دون التوقف عند البُعد الخارجي. فما إن تصاعدت أزمة الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، حتى سارعت عواصم أوروبية، وفي مقدمتها روما وباريس، إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع قادة التشكيلات المسلحة في الساحل الليبي. تحت شعار «مكافحة الهجرة»، تلقت ميليشيات بعينها تمويلاً وتجهيزات لوجستية لإغلاق الشواطئ واعتراض القوارب، فيما غضت تلك العواصم الطرف عن تورط هذه الجماعات في الاتجار بالبشر وتهريب الوقود والمخدرات.

ويشير المحلل السياسي أحمد المهدوي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 إلى أن تداخل المصالح الأوروبية مع اقتصاد الميليشيات عمّق الأزمة. يقول المهدوي: «بعض القوى الدولية وجدت في حالة التوازن الهش صيغة مريحة لحماية مصالحها.
التعامل مع جماعات متفرقة أسهل من التعامل مع دولة موحدة تملك جيشاً وقضاءً حقيقيين». وهكذا أصبحت أوروبا شريكاً غير مباشر في استدامة حكم الميليشيات، عبر توفير الغطاء المالي والسياسي الذي يمكن الدبيبة والمنفي من الاستمرار دون تقديم أي تنازلات حقيقية نحو بناء مؤسسات قادرة على احتكار السلاح وسيادة القانون.

تقرير الأمم المتحدة واعترافات الخبراء: هكذا تحولت الميليشيا إلى دولة

في تقريره الصادر في العام ألفين وستة وعشرين، وجه فريق الخبراء المعني بليبيا التابع لمجلس الأمن ضربة قاصمة لخطاب حكومة الدبيبة التي تزعم السعي إلى بسط الأمن. وأكد التقرير أن تشكيلات مسلحة بعينها «تحولت إلى واجهات سياسية متغلغلة في الوزارات والشركات السيادية، وباتت تسيطر على القرارات المالية والإدارية لهذه المؤسسات، ويمارس رؤساؤها من قادة التشكيلات المسلحة الابتزاز المنظم».
هذه الشهادة الدولية الموثقة تدين بأكثر مما تدين به آلاف التقارير المحلية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته في التوقف عن دعم سلطة فقدت كل شرعية.

ويستند المسؤول الأمني السابق إلى فقرات التقرير ليكشف أن التغلغل الميليشياوي لم يعد يقتصر على وزارة الدفاع، بل امتد إلى وزارات النفط والمالية والمواصلات، حيث يضع قادة الكتائب ممثليهم في مناصب المديرين العامين والمستشارين، لضمان استمرار تدفق الأموال من الموازنة العامة إلى حساباتهم الخاصة. ويضيف المسؤول: «جهاز دعم الاستقرار الذي أنشأه الدبيبة هو الغطاء الأوسع لهذه العملية.
تحت مسمى تثبيت الأمن، قام بدمج آلاف الميليشياويين في كشوف المرتبات الرسمية، مانحاً إياهم صفة قانونية يستخدمونها لاحقاً لابتزاز المواطنين ورجال الأعمال».

شبكات التهريب والثروة: اقتصاد حرب دائم يرفض السلام

في ليبيا اليوم، لم تعد الحرب وسيلة للوصول إلى النفوذ، بل صارت الحرب ذاتها هي الاقتصاد. فالميليشيات التي تتحكم بطرق التهريب البرية والبحرية، لا تريد سلاماً ينهي الفوضى التي تدر عليها ملايين الدينارات يومياً. مصفاة الزاوية ليست مجرد منشأة لتكرير النفط، بل هي مصرف مركزي مصغر لقادة الكتائب، حيث يُحوَّل جزء من إنتاجها إلى السوق السوداء، ويُهرَّب جزء آخر عبر البحر إلى مالطة وإيطاليا، مستخدماً شهادات منشأ مزورة تصدرها مكاتب وهمية تحظى بحماية مسؤولين متنفذين في طرابلس.

وتؤكد مصادر في قطاع النفط أن كميات ضخمة من الوقود المدعوم الذي تخصصه الدولة للمواطنين، تخرج يومياً من مستودعات المصفاة في شاحنات لا تخضع لأي رقابة جمركية أو أمنية، وتُباع بأسعار السوق الحرة في دول الجوار أو تُضخ في شبكات التوزيع الأوروبية. هذه الأموال القذرة تعود إلى ليبيا على شكل رشى وصفقات عقارات في تركيا وتونس، وعلى شكل شحنات أسلحة متطورة تُكدس في معسكرات الكتائب تحسباً لأي حرب قادمة، بينما يغرق المواطن الليبي في أزمة سيولة خانقة وانقطاع مزمن للكهرباء.

خارطة طريق مسدودة: كيف تمنع حكومة الدبيبة الانتخابات؟

منذ انتهاء ولاية حكومة الدبيبة في الرابع والعشرين من ديسمبر عام ألفين وواحد وعشرين، يعمل عبد الحميد الدبيبة على إطالة أمد المرحلة الانتقالية بكل السبل الممكنة. تارة يطرح مبادرة انتخابية مشروطة بقوانين يستحيل تمريرها، وتارة يتحجج بالظروف الأمنية التي يصنعها بنفسه عبر إطلاق يد الكتائب في العاصمة والمدن المجاورة. وكلما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي، اشتعلت جبهات القتال بين الميليشيات الحليفة له في مشهد تمثيلي لإثبات أن البلاد لا تزال غير جاهزة، وبالتالي لا بديل عن بقاء حكومته.

هذه السياسة المتعمدة لم تكن لتنجح لولا الشريك الصامت في المجلس الرئاسي، الذي يتولى منصب القائد الأعلى للجيش دون أن يحرك سرية واحدة لحماية المسار الديمقراطي.
المنفي، الذي كان يفترض أن يكون حارس الانتقال السياسي، تحول إلى ملك غير متوج يجلس على عرش فارغ، يوقع على أوراق اعتماد السفراء ويستقبل المبعوثين، فيما ينهار كل شيء من حوله. وفي كل مرة يدعو فيها إلى حوار وطني جديد، يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويمنح الدبيبة وحلفاءه ميليشياتهم مزيداً من الوقت لتعزيز مواقعهم ونهب المال العام.

المواجهة المفقودة: لماذا لا تستطيع الدولة تفكيك الميليشيات؟

السبب الجوهري الذي يجعل الحديث عن تفكيك الميليشيات ضرباً من الوهم، هو أن الدولة التي يُفترض أن تقوم بهذا التفكيك لم تعد دولة بالمعنى القانوني. فوزارة الدفاع مخترقة حتى النخاع من قادة الكتائب، ووزارة الداخلية تعتمد على قوات موازية تتبع مباشرة رئاسة الحكومة، والقضاء غائب تماماً عن أي محاسبة، إذ أن الفاعلين محصنون بغطاء سياسي يوفر لهم الحصانة.
كل محاولة سابقة لمواجهة الميليشيات انتهت إلى كارثة، ليس فقط لأن الميليشيات أقوى عسكرياً، بل لأن قلب الدولة يدق معها ولصالحها. وكما يقول التاجوري، «الميليشيا لم تعد مجرد بندقية، بل نظام حكم بديل نشأ في الفراغ وتغذى على الخوف وترسخ بالمصالح، حتى أصبح بعض حملته ينظرون إلى الاستقرار كعامل قد يعيد تشكيل معادلات القوة أكثر من كونه هدفاً بحد ذاته».

الطريق إلى الخلاص: أصوات ليبية تطالب بالمحاسبة الدولية

في مواجهة هذا الواقع القاتم، بدأت تتشكل في الداخل الليبي جبهة مدنية تطالب بتدخل دولي من نوع مختلف: ليس تدخلاً عسكرياً، بل قضائياً ومالياً يستهدف تجفيف منابع تمويل الميليشيات وملاحقة قادتها في المحاكم الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب ونهب الممتلكات العامة.
ناشطون ومحامون يجمعون الأدلة ويوثقون الانتهاكات، ويوجهون نداءات إلى المحكمة الجنائية الدولية وإلى لجان العقوبات التابعة لمجلس الأمن، مطالبين بفرض عقوبات على عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، باعتبارهما مسؤولين سياسياً عن حماية البيئة الحاضنة للإجرام المنظم. ويطالب هؤلاء بتجميد أرصدة قادة الكتائب وعائلاتهم في الخارج، ومنع سفرهم، وإدراج أسمائهم في قوائم الإرهاب.

ويرى المراقبون، وعلى رأسهم المحلل المهدوي، أن معالجة الملف لا تنجح فقط بالقوة العسكرية. «الميليشيات لا تدافع فقط عن السلاح، بل عن شبكة مصالح نشأت داخل الدولة نفسها وأصبحت مرتبطة بالاقتصاد والسلطة والقرار السياسي.

ولهذا فإن أي حل جذري يجب أن يبدأ بإسقاط الغطاء السياسي الذي توفره حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي لهذه الشبكات، ثم تفكيك الامتيازات الاقتصادية التي تستند إليها، ثم العمل على نزع سلاحها تدريجياً في إطار مصالحة وطنية حقيقية لا تقوم على الإفلات من العقاب».

المهدوي يضيف: «إذا استمرت الأسرة الدولية في التعامل مع الدبيبة والمنفي باعتبارهما طرفي الحل، فلن نرى نهاية لهذه المأساة. يجب إعلان حكومتهما منتهية فعلاً وقانوناً، ودعم سلطة انتقالية تكنوقراطية محايدة تشرف على انتخابات حقيقية وتعيد بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية».

حكومة منتهية تغذي حرباً أهلية دائمة وشارع ينتظر الخلاص

من زاوية إلى طرابلس، تتكرر المأساة نفسها: رصاص يقتل، وميليشيات تتمدد، وحكومة منتهية الولاية ترعاها، ومجلس رئاسي مختبئ خلف الستار. الليبيون الذين خرجوا قبل سنوات يهتفون بالحرية، يدفنون اليوم أبناءهم في مقابر جماعية، فيما يجلس الدبيبة إلى مائدة إفطار مع قتلتهم، والمنفي يبعث برسائل تعزية لا يقرأها أحد. أثبتت معركة الزاوية أن الميليشيا لم تعد مشكلة أمنية عابرة، بل هي نظام حكم كامل بذراعه المالية وأجهزته الإدارية وشبكاته الدولية، وهذا النظام لا يمكن إسقاطه إلا بإسقاط رعاته السياسيين أولاً.

حين تتوقف المدافع في الزاوية، يبدأ نوع آخر من القتال، قتال صامت في أروقة الفساد والصفقات المشبوهة. أما المواطن البسيط فلا يجد سوى رفع صوته عالياً، كما فعلت فاطمة ومحمد وعلي، وكما يفعل آلاف الليبيين الذين باتوا يدركون أن حكومة الدبيبة المنتهية ومجلس المنفي الهزيل ليسا جزءاً من الحل، بل هما الجوهر الحقيقي للمشكلة.
وبانتظار أن تتحرك الإرادة الدولية الجادة، يظل رصاص الميليشيات هو الصوت الأعلى في المشهد الليبي، وسيبقى كذلك ما بقي قادة هذه الميليشيات يأكلون على مائدة واحدة مع رئيس حكومة يرفض تسليم السلطة إلا لقوة السلاح التي تحميه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى