دولى

قاعدة الظل: كيف اخترقت إسرائيل صحراء العراق لتصفية حساباتها مع إيران

قاعدة إسرائيلية سرية في النجف تكشف اختراقاً سيادياً خطيراً

ليبيا 24

إسرائيل تقيم قاعدة عسكرية سرية في العراق لضرب إيران

النجف… من ثكنة سرية إلى ساحة مواجهة

في عملية تسلل نادرة تجاوزت الخطوط الحمراء للسيادة الوطنية، أقامت إسرائيل قاعدة عسكرية سرية متكاملة في قلب صحراء النجف، مستغلة اتساع المساحات الخالية وضعف المراقبة الحدودية، لتتحول تلك البقعة المقفرة إلى منصة متقدمة لإدارة حربها الجوية على إيران.
وكشف تقرير صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن هذه القاعدة التي أُنشئت بعلم مسبق من واشنطن، ضمت عناصر من وحدات النخبة في سلاح الجو الإسرائيلي، ووفرت إسناداً لوجستياً وعملياتياً شمل محطة للبحث والإنقاذ تحسباً لإسقاط طيارين، الأمر الذي اختزل زمن الاستجابة إلى مسافة قياسية غير مسبوقة في أي مواجهة إقليمية سابقة.

وتؤكد تفاصيل حصل عليها هذا التحقيق أن الموقع المتقدم لم يكن مجرد نقطة تموين عابرة، بل تحول إلى مركز قيادة وسيطرة مصغر، نُشرت فيه تجهيزات تشويش وإنذار متطورة، ومروحيات قتالية، وطواقم استخبارية متخصصة في اعتراض الاتصالات وتحليل مسارات الصواريخ والمسيّرات.
وعلى مدى خمسة أسابيع، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي آلاف الغارات على عمق الأراضي الإيرانية، مستفيداً من القاعدة العراقية التي اختزلت المسافة العملياتية بأكثر من ألف كيلومتر مقارنة بأي إقلاع من المطارات الإسرائيلية، ومكّنت المقاتلات من البقاء لوقت أطول في ساحة المعركة بحمولات قتالية ثقيلة.

بنية القاعدة ووظيفتها الخفية

تشير المعطيات الميدانية إلى أن القاعدة صُممت وفق نموذج القواعد المؤقتة المتقدمة، المعروفة في الأدبيات العسكرية بقدرتها على الانتشار السريع والإخفاء التام. زُودت بمدرج معبّد جزئياً ومهبط عمودي للمروحيات، ومستودعات ذخيرة محصنة، ووحدات اتصال مشفرة ربطتها مباشرة بغرفة العمليات الجوية في تل أبيب.
والأهم من ذلك، ضمّت فرقاً من وحدة “شلداغ” النخبوية، المختصة بالتوغل العميق والسيطرة على المطارات المعادية، وهو ما يكشف أن المهمة لم تقتصر على الدعم اللوجستي بل شملت خططاً طارئة للتدخل المباشر داخل إيران في حال تعقدت العمليات.

وجود هذه البنية المتطورة في صحراء النجف، بعيداً عن أعين أجهزة الرقابة العراقية، يعكس اختراقاً استخبارياً منهجياً، تطلب أشهراً من التخطيط والتنسيق مع قوى إقليمية ودولية.
فقد وفّرت الطائرات من دون طيار الإسرائيلية غطاءً جوياً مستمراً للموقع، ونفذت طلعات استطلاع ليلي لمسح الطرق المؤدية إليه، في حين تولت مروحيات أميركية عمليات نقل الأفراد والمعدات عبر الأجواء العراقية دون اعتراض يذكر، ما يثير تساؤلات حول حجم التنسيق مع قوات التحالف الدولي الذي تنص اتفاقياته على احترام السيادة العراقية وعدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لاعتداءات إقليمية.

اكتشاف بالمصادفة ومواجهة دامية

لم يكن مرد الكشف عن هذه القاعدة عملاً استخبارياً عراقياً منضبطاً، بل صدفة روتينية، حين أبلغ راعٍ محلي عن تحركات غير مألوفة لمروحيات تحلق على ارتفاعات منخفضة في عمق البادية.
وعندما توجهت قوة استطلاع تابعة للجيش العراقي في عربات همفي فجراً، تعرضت لنيران كثيفة من العناصر المتمركزة، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين، في حادثة كشفت بوضوح أن من كانوا داخل القاعدة يتعاملون مع القوات النظامية العراقية كخصم يجب إبعاده بالقوة.

أعقب الاشتباك إرسال وحدتين إضافيتين من جهاز مكافحة الإرهاب، لتمشيط الموقع حيث عُثر على أدلة حاسمة تؤكد وجود نشاط عسكري منظم: مخلفات معدات اتصال، وخرائط عمليات، وبقايا عبوات وقود طائرات، وآثار إقلاع وهبوط مكثف. غير أن الطيران الإسرائيلي تدخل سريعاً بغارات تحذيرية لمنع القوات العراقية من التقدم أكثر، قبل أن يتم إخلاء القاعدة ونقل من فيها إلى جهة مجهولة، فيما دُمّرت أجزاء من المنشأة لإخفاء معالمها.

يكشف تسلسل الأحداث أن إسرائيل كانت على استعداد لمواجهة مسلحة مع القوات العراقية نفسها لحماية وجودها السري، وهو ما يُعد انتهاكاً مزدوجاً: اقتحام للسيادة أولاً، ثم اعتداء مسلح على القوات النظامية للدولة المضيفة ثانياً.
وتحولت الحادثة إلى لغز أمني تكتنفه البيانات الرسمية المقتضبة، إذ أعلنت بغداد فتح تحقيق بينما يرفض مسؤولون أمنيون التعليق، في مشهد يعكس حساسية الموقف وتضارب المصالح بين التصريحات الدبلوماسية والوقائع الميدانية.

منظومة الإنكار الرسمي وثغرات السردية العراقية

في مقابل التفاصيل الميدانية التي أوردتها وول ستريت جورنال، سارعت مصادر أمنية عراقية إلى نفي وجود أي تمركز إسرائيلي، وأصرّت على وصف المنطقة بأنها خالية من الوجودين الأمني والسكاني، مرجحة أن تكون التحركات أميركية لا إسرائيلية.
لكن هذا النفي يظل هشاً أمام الأدلة التي عُثر عليها، وأمام تصريحات مسؤولين إسرائيليين سابقين، بمن فيهم قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق تومر بار، الذي أشار في رسالة إلى عناصره مطلع مارس آذار إلى أن وحدات النخبة نفذت “مهاماً خاصة قد تلهب الخيال”، في إقرار ضمني بحجم النشاط السري الذي قادته تل أبيب.

التناقض في السردية العراقية يفتح الباب على مصراعيه لسيناريوهين خطيرين: إما أن تكون أجهزة الدولة عاجزة فعلاً عن رصد اختراق عسكري بهذا الحجم، ما يعني خللاً بنيوياً في القدرات الاستخبارية وفي السيطرة على الإقليم الوطني، أو أن هناك أطرافاً داخل المنظومة الأمنية تواطأت أو تلقت تعليمات بتجاهل هذا الوجود لأسباب مرتبطة بموازين القوى الإقليمية والضغوط الأميركية.
وفي كلا الاحتمالين، يخرج العراق من هذا المشهد دولة منقوصة السيادة، لا تستطيع فرض إرادتها على أراضيها، ولا حماية جنودها من الاستهداف المباشر.

الضوء الأخضر الأميركي: شراكة استراتيجية على أنقاض السيادة العراقية

كشفت المصادر ذاتها أن إقامة القاعدة تمت بعلم الإدارة الأميركية، الأمر الذي يضع واشنطن في قلب الانتهاك، ويعري الازدواجية في خطابها الذي يتغنى باحترام السيادة العراقية فيما تسهل عملياً تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات مع طهران.
ويرى مراقبون أن هذه الحادثة ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة ممتدة منذ عام 2003، حيث استخدمت القوات الأميركية ذات الصحراء الغربية منطلقاً لعملياتها الكبرى، من دون أن تمتلك الحكومات العراقية المتعاقبة الجرأة على فرض شروط حازمة على التحالف الدولي.

يستند هذا النمط إلى عقيدة عسكرية أميركية تعتبر الأراضي العراقية امتداداً جيوستراتيجياً للوجود الأميركي في الشرق الأوسط، لا سيما مع تصاعد التوتر مع إيران. وتشير مصادر استخبارية إلى أن وحدات أميركية تولت تأمين محيط القاعدة الإسرائيلية عبر طائرات استطلاع متطورة، ووفرت غطاء استخبارياً حجب تحركاتها عن الرادارات العراقية البدائية.
هذا المستوى من التنسيق يُفرغ اتفاقيات الإطار الاستراتيجي من مضمونها، ويكرس منطق “السيادة المشروطة” الذي يسمح للقوى الكبرى باستباحة العراق متى تعارضت مصالحها مع رغبات الحكومات المحلية.

العراق في فوهة المدفع الإقليمي

وجود قاعدة إسرائيلية في خاصرة إيران عبر الأراضي العراقية، لا يمثل مجرد انتهاك سيادي عابر، بل هو تفعيل لدور العراق كمنصة صراع إقليمي، يعرض عمق البلاد لخطر الردود الانتقامية.
فقد سبق أن شنت فصائل مسلحة مدعومة من طهران هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على قواعد تضم قوات أميركية، ووجود هدف إسرائيلي مؤكد في الصحراء الغربية يجعل من هذه المنطقة مرمى نيران محتملاً، ويفتح الباب أمام حرب بالوكالة يكون المواطن العراقي وقواته النظامية وقودها الأول.

ويحذر المستشار العسكري معن الجبوري من أن استمرار هذا النهج “يحول العراق إلى ترسانة مكشوفة، ويهدد بإدخاله في دائرة الاستهداف المباشر”، في وقت لا يزال فيه البلد يعاني هشاشة أمنية واقتصادية تجعله عاجزاً عن امتصاص صدمات إقليمية متسارعة.
ويرى الجبوري أن “خطورة القضية لا تتعلق فقط بوجود القاعدة في ذاتها، وإنما في ما تعنيه من اختراق أمني واستخباري قد يسمح بتحويل العراق إلى منصة عمليات عسكرية دائمة”، تمارس منها القوى المتصارعة حروبها بمعزل عن إرادة الدولة.

الاختراق الاستخباري وإعادة تعريف السيادة

لم تقتصر الكارثة على الغزو المادي لصحراء النجف، بل تجاوزتها إلى اختراق نسقي لمنظومة السيادة برمتها. فالتخطيط لقاعدة بهذا التعقيد، وتنفيذ إنزال جوي لمعدات وأفراد، وتشغيلها أياماً عدة قبل اكتشافها، يستوجب قراءة استخبارية جديدة: إما أن إسرائيل نجحت في تجنيد شبكات محلية وفرت معلومات عن تحركات القوات العراقية، وإما تمكنت من تعمية الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر بما يشي باختراق تقني عميق.

في كلا الاحتمالين، تبرز ضرورة مراجعة شاملة لمنظومات القيادة والسيطرة في الجيش العراقي، وإعادة تقييم عقود الدعم الفني التي تمنح أطرافاً أجنبية نوافذ على حركة القطعات والاتصالات.
إن قدرة جهة أجنبية على إقامة قاعدة متقدمة دون رصد مبكر، تلقي بظلالها على مصداقية المؤسسة الأمنية، وتغذي رواية الفصائل التي ترى في الدولة عاجزة عن حماية حدودها، ما يوفر لهذه الفصائل ذريعة إضافية لإدامة سلاحها خارج الإطار الرسمي.

ثمن الحياد المفقود وسياسة المحاور

تواجه بغداد معضلة مركبة: فمن جهة تسعى لتجنيب العراق ويلات حرب إقليمية عبر سياسة النأي بالنفس، ومن جهة أخرى تتحول أراضيها قسراً إلى ساحة لتلك الحرب بقرار يتجاوزها.
ولطالما حذرت أوساط سياسية عراقية من أن الانجرار إلى سياسة المحاور سيجعل البلاد لقمة سائغة، لكن فشل الحكومة في فرض احترام حدودها يحول النأي بالنفس إلى شعار أجوف، ويضع مصداقية التحالفات الأمنية مع واشنطن على محك لا يحتمل التغاضي.

الواقعة تضع صانع القرار العراقي أمام تساؤلات وجودية: كيف يمكن استعادة السيادة في بلد يضم قواعد أجنبية متعددة، وتتقاسم فيه المليشيات والدول الكبرى والدول الإقليمية النفوذ الأمني؟ الإجابة التي يختزلها الجبوري تقول إن “العراق يجب أن يبتعد عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية، مع عدم السماح لأي جهة باستخدام أراضيه لتنفيذ عمليات عسكرية أو تصفية حسابات بين القوى المتصارعة”، لكن الانتقال من الشعار إلى الفعل يتطلب إرادة سياسية لا تتوافر اليوم في ظل حكومة ائتلافية تخترقها المصالح المتضاربة.

دبلوماسية الإفلات من العقاب

بينما تصاعد الغضب الشعبي والنخبوي من خرق السيادة، ظل الموقف الدولي خجولاً؛ فلا إدانة من الأمم المتحدة، ولا تحرك دبلوماسي غربي، ولا حتى بيان استنكار عربي قوي.
يعكس هذا الصمت معادلة قاسية: اختراق السيادة العربية مسموح به عندما تقف وراءه دولة تمتلك نفوذاً في الغرب، ويتحول الضحايا إلى شهود زور على جرائم لا تُقاضى. وستظل هذه المعادلة قائمة ما لم تتحرك بغداد نحو خيارات تصعيدية مدروسة، تبدأ بتوثيق الانتهاك وتقديم مذكرة احتجاج رسمية لمجلس الأمن، مروراً بمراجعة شاملة لاتفاقية الإطار الاستراتيجي مع واشنطن، وليس انتهاء بفرض رقابة سيادية صارمة على جميع التحركات الأجنبية.

استعادة السيادة: من الإدانة إلى الفعل

يجب أن تتحول صدمة قاعدة النجف إلى فرصة لإعادة بناء السيادة على أسس راسخة. تشمل الأولويات إطلاق تحقيق وطني علني تشارك فيه لجان برلمانية وخبراء مستقلون، ليكشف للرأي العام حقيقة ما جرى ويمسك بالمتورطين في أي تقصير أو تواطؤ. وبالتوازي، لا بد من تطوير قدرات المراقبة الجوية والفضائية، وإقامة منظومة دفاعية ذاتية لا تخضع لاشتراطات أجنبية، وفرض مناطق حظر جوي عراقية في البوادي النائية تمنع استغلالها كساحات للعبور العسكري غير المصرح به.

على الصعيد السياسي، تحتاج بغداد إلى مبادرة دبلوماسية عاجلة مع دول الجوار، وفي مقدمتها الرياض وعمان، ومع طهران أيضاً، لوضع ميثاق شرف إقليمي يجرّم استخدام الأراضي العراقية في الصراعات البينية، ويفعّل آليات إبلاغ مسبقة عن أي نشاط عسكري ضروري.
وتظل الكرة في ملعب النخبة الحاكمة؛ فإما أن تثبت أنها قادرة على حماية تراب الوطن، أو أن تترك الشرعية لمن يملأ الفراغ بقوة السلاح.

لم تكن القاعدة الإسرائيلية السرية في صحراء النجف مجرد حادثة عابرة، بل كانت فحصاً دموياً لوزن السيادة العراقية في ميزان القوى الإقليمي، وقد جاءت النتيجة صادمة: دولة لا تملك السيطرة الكاملة على ترابها، وتتحول متى شاءت الأطراف المتنازعة إلى وكر سري ومسرح حرب خفي.
إن تفكيك هذه المعادلة واستعادة الهيبة الوطنية يتطلب ما هو أبعد من بيانات الشجب؛ إنه يتطلب مشروعاً استراتيجياً يعيد تعريف علاقة العراق بمحيطه الإقليمي وبحلفائه الدوليين، على قاعدة من الندية والاحترام المتبادل، لا من الاستتباع والاستباحة. وفي غياب هذا المشروع، تظل صحراء النجف وأمثالها أبواباً مشرعة لكل غازٍ جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى