دولى

هرمز على صفيح ساخن: حسابات الإقليم تتصادم وممر الطاقة العالمي يتحول إلى رقعة شطرنج كبرى

أربعون دولة تبحث تأمين المضيق وإيران تهدد بالرد العسكري

ليبيا 24


رفض ترامب ووصايا مٌجتبى يفجّران مواجهة شاملة حول هرمز

في مشهد يختزل أشد لحظات الشرق الأوسط توتراً منذ عقود، تحول مضيق هرمز من شريان حيوي صامت للتجارة العالمية إلى بؤرة استقطاب تتصارع حولها الإرادات الدولية، وتتقاطع عند بواباته الضيقة حسابات السياسة والاقتصاد والعقيدة العسكرية.
ففي غضون ساعات قليلة، تكشفت خيوط أزمة مركبة، بدأت بتوصيف إيراني لعقيدة أمنية جديدة تنطلق من “وصايا” المرشد، مروراً بانهيار معلن لمسار تفاوضي غير مباشر مع واشنطن، ووصولاً إلى تحرك عسكري غربي تقوده لندن وباريس لفرض واقع بحري جديد، في وقت تسعى فيه قوى إقليمية لإيجاد ثغرة دبلوماسية قبل أن ينزلق الجميع إلى هاوية لا تبقي ولا تذر.

طهران ترسم خطوطها الحمر: منصة استراتيجية من عشر نقاط

لم تكن النقاط العشر التي بثتها وكالة أنباء “فارس”، نقلاً عن توجيهات المرشد مجتبى خامنئي، مجرد بيان سياسي عابر، بل وثيقة تأسيسية لعقيدة أمنية فارسية جديدة في الخليج والمضيق. فقد نصت “الوصايا” بوضوح على أن الوجود العسكري الأمريكي والأجنبي هو “العامل الأهم في انعدام الأمن”، في إعادة تعريف كاملة لمصادر التهديد، مؤكدة أن القواعد الأمريكية عاجزة حتى عن ضمان أمنها الذاتي. وقد حملت هذه الوثيقة بعداً وجودياً حين جزمت بأن “لا مكان للأجانب الأشرار في الخليج الفارسي إلا في أعماق مياهه”، في تهديد مبطن باستهداف أي قوة بحرية معادية.

إن ما يميز هذه الاستراتيجية ليس فقط شمولها الأمني، بل انتقالها إلى بلورة مفهوم “الإدارة العملية” لمضيق هرمز. فالوصية السابعة تحدثت عن “تأمين المنطقة بشكل عملي لنجاح إدارة إيران للمضيق”، وهو ما ينقل طهران من موقع المتعهد الأمني المنفرد نظرياً إلى المشرف الفعلي على حركة الملاحة، مانحة إياها حق الرقابة والتنظيم وفق “قواعد قانونية جديدة”. أما الوصية العاشرة التي ربطت إدارة المضيق بـ”ابتهاج قلوب الشعب الإيراني بالفوائد الاقتصادية”، فقد عززت البعد الداخلي للعقيدة، محولة الأمن البحري إلى قضية سيادة وكرامة وطنية ورهان على مردود مالي مباشر يعوض عقوداً من الحصار والعقوبات. هذا التمازج بين الأيديولوجيا والمصلحة الاقتصادية يجعل من الصعب على أي مفاوض إيراني تقديم تنازلات في هذا الملف، إذ سيواجه سريعاً بتهمة التفريط بالثروة القومية.

الجدار الدبلوماسي: رفض أمريكي سافر وصمود فارسي بارد

في الجانب الآخر من المحيط، أطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته الرقمية رصاصة الرحمة على جولة الوساطة الباكستانية التي كانت تحاول مد جسور بين خصمين لا يثق أحدهما بالآخر. وصف ترامب الرد الإيراني بأنه “مرفوض تماماً”، مضيفاً بعبارته المعهودة: “لا يعجبني”. لكن الجديد كان في لهجة الازدراء التي تعمد استخدامها حين قال: “رد ما يُسمى بممثلي إيران”، في تشكيك متعمد بشرعية وتمثيلية الطرف المقابل، وهي إشارة قد تهدف إلى إحراج النظام الإيراني داخلياً أو تمهيد الرأي العام الأمريكي لخيارات أقسى.

غير أن الرد الإيراني، الذي نقلته وكالة “تسنيم” على لسان مصدر مطلع، جاء هذه المرة خالياً من الانفعال ودبلوماسية الغضب المعتادة. وبدلاً من المواجهة الكلامية، لجأ المصدر إلى استراتيجية الاستعلاء البارد بقوله: “لا يهمنا ذلك، فليس هناك من في إيران من يضع خطة لإرضاء ترامب”، وتابع بتجريد خصمه من الواقعية: “ترامب لا يحب الواقع بتاتاً ولهذا السبب يستمر في الخسارة أمام إيران”. هذا التبادل لا يعبر عن فشل جولة تفاوض فحسب، بل عن تباين وجودي في فهم طبيعة المفاوضات. فالولايات المتحدة تريد اختبار النوايا النووية الإيرانية، بينما ترى طهران في الملف البحري وأمن الخليج مفتاح الحل الوحيد، وتسعى إلى تأجيل البحث في قدراتها الصاروخية والنووية إلى مرحلة لاحقة بعد نزع فتيل الأزمة العسكرية المشتعلة في لبنان وجبهات أخرى.

شلل بحري خانق: عندما تصبح أرقام الملاحة صفراً

وسط تبادل التصريحات، كان الأمين العام لاتحاد الملاحة البحرية الإيرانية مسعود بالمي يعلن عن رقم صادم يختصر الكارثة الاقتصادية الصامتة: “كانت تغادر الخليج يومياً مئة وعشر سفن محملة بالنفط الخام والغاز والمشتقات، أما الآن فأصبح هذا العدد صفراً يومياً”. إن انعدام حركة الملاحة التجارية عبر المضيق لا يمثل ورقة ضغط إيرانية فقط، بل هو سيناريو مرعب لأسواق الطاقة العالمية التي بدأت تشعر فعلاً بارتفاع أسعار الشحن والتأمين البحري إلى مستويات قياسية.

توقف الموانئ العربية عن العمل بشكل كامل، كما أعلن المسؤول الإيراني، يعني أن الحصار المضاد الذي تفرضه القوى الغربية على إيران قد تحول إلى كابوس إقليمي يطال الجميع. دول الخليج المنتجة للنفط وجدت نفسها عاجزة عن تصدير ثروتها، بينما تواجه الاقتصادات الكبرى في آسيا شبح نقص الإمدادات. في هذه المعادلة، تتحول إيران من مجرد متسبب بالأزمة إلى مالك وحيد لمفتاح الحل، وهو ما تفسره “الوصايا العشر” بأنه ترجمة عملية لإدارة المضيق، حيث يصبح رفع الحصار الغربي مشروطاً بتنازلات سياسية وأمنية تقدمها واشنطن وحلفاؤها لطهران. إنها لعبة عض الأصابع الكلاسيكية في أضيق الممرات المائية في العالم، لكنها هذه المرة تجري بقواعد تدمير متبادل اقتصادي مضمون.

التحرك العسكري الغربي: تحالف الأربعين تحت المجهر التكتيكي

في محاولة لكسر هذا الجمود، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية عن ترؤس وزيرها جون هيلي ونظيرته الفرنسية كاترين فوتران لاجتماع افتراضي هو الأول من نوعه على مستوى وزراء الدفاع، يضم أكثر من أربعين دولة، لتحويل “الاتفاق الدبلوماسي إلى خطط عسكرية عملانية”. وتكشف هذه الصياغة نية لندن وباريس في لعب دور قيادي مزدوج، عسكري عبر إرسال سفن حربية إلى المنطقة، وسياسي عبر بناء تحالف يجمع بين الحلف الأطلسي ودول إقليمية معنية بأمن الطاقة.

وتشير المعطيات العملياتية إلى أن خطة حماية الملاحة لن تقتصر على مرافقة السفن التجارية، بل قد تتضمن إنشاء ممرات آمنة تخضع لإشراف بحري وجوي، مع قواعد اشتباك واضحة تسمح بالتصدي لأي زوارق مسيرة أو قوات غير نظامية وهي التكتيكات التي أتقنتها إيران في حروبها غير المتماثلة. غير أن طهران، التي تمتلك ترسانة واسعة من الصواريخ الساحلية المضادة للسفن والغواصات الصغيرة والألغام البحرية الذكية، سارعت إلى توجيه تحذير مباشر من أن أي تحرك أجنبي سيقابل بإجراءات مضادة. إن معضلة حماية الملاحة هنا تتجاوز القدرات التقليدية؛ فعلى القوى الغربية أن تحمي سفناً عملاقة بطيئة في ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه ثلاثة وثلاثين كيلومتراً، وهي بيئة مثالية لاستراتيجيات المنع والإنكار التي تتفوق فيها إيران.

الوساطة الموازية: أنقرة والقاهرة تتحركان في الظل الدبلوماسي

بعيداً عن ضجيج التصعيد العسكري، نسجت كل من مصر وتركيا خيطاً دبلوماسياً رفيعاً. اتصال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره التركي هاكان فيدان لم يكن تنسيقاً عادياً، بل بلورة لموقف ثنائي يعتبر أن “الدبلوماسية تظل الخيار الوحيد والاضطراري”. الدولتان، اللتان تملكان علاقات معقدة مع أطراف الأزمة، أدركتا أن انفجار الوضع في هرمز سيمتد لهيبه إلى البحر المتوسط عبر قنوات اقتصادية وأمنية مباشرة. وبينما تقف أنقرة على تماس مع طهران في ملفات إقليمية عدة، تملك القاهرة قنوات اتصال تقليدية مع واشنطن وعواصم الخليج.

رسالة عبد العاطي وفيدان المشتركة طالبت جميع الأطراف بـ”تبني مواقف تتسم بالحكمة والمسؤولية”، وهي دعوة بدت وكأنها موجهة تحديداً لواشنطن وطهران للتراجع خطوة إلى الوراء. لكن حظوظ هذه الوساطة تظل مرهونة بمدى استعداد اللاعبين الكبار لمنحها مساحة للحركة، في وقت يبدو فيه أن حسابات الردع والانتقام تسبق أي حسابات تسووية. ومع إعلان نتنياهو أن المحادثات مع إيران “شأن يخص ترامب وحده”، تتكشف طبقة أخرى من التعقيد، إذ يحاول الحليف الإسرائيلي عن قصد أو غير قصد، إفشال أي حوار غير مباشر لا يلبي سقف مطالبه العالية والمتعلقة بتفكيك كامل للقدرات الصاروخية والنووية الإيرانية.

نتنياهو وبكين: لعبة الظلال في ممرات الطاقة

في خط موازٍ، حملت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الدعم الصيني للبرنامج الصاروخي الإيراني دلالات تتجاوز مجرد كشف معلومات استخباراتية. قوله إن الصين تقدم “دعماً معيناً ومكونات محددة” لتصنيع الصواريخ، ثم ربطه بشكل مفاجئ بملف الذكاء الاصطناعي وقمة افتراضية بين ترامب وشي جين بينغ، يكشف عن رغبة إسرائيلية في جر بكين إلى مركز النقاش. فالرسالة الضمنية التي وجهها للصين تحذر من أن سيطرة إيران على ممرات الطاقة “بالابتزاز العنيف” ستضر بمصالحها الحيوية، لا سيما أن الصين هي المستورد الأكبر للنفط الخليجي.

غير أن اعتراف نتنياهو بأنه “يعرف متى يلتزم الصمت عند الضرورة” بخصوص بكين، يسلط الضوء على استراتيجية إسرائيلية مزدوجة: التهدئة مع الصين كقوة عظمى لا يمكن استعداؤها بالكامل، مع محاولة استغلال واشنطن لتعديل سلوك بكين. إسرائيل تدرك أن الثقل الاقتصادي والدبلوماسي الصيني قد يكون المفتاح الخفي لحل الأزمة، ذلك أن بكين هي المستفيد الأول من حرية الملاحة وأيضاً القوة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط اقتصادي غير عسكري على طهران لثنيها عن سياسة حافة الهاوية في هرمز. إن إدخال الذكاء الاصطناعي كملف للمناقشة بين القطبين هو محاولة لتذكير واشنطن بأن مصالحها مع بكين أوسع من إيران، وأن صفقة كبرى قد تكون ممكنة.

تقييم الموقف الاستراتيجي: ما بعد الانسداد نحو سيناريوهات مفتوحة

بالنظر إلى مجمل هذه التطورات، يصبح المشهد في الخليج لوحة استراتيجية معقدة. أولاً، على المستوى العسكري، يتحول مضيق هرمز إلى منطقة “حظر وشيك” تتداخل فيها قواعد الاشتباك الأميركية والإيرانية والغربية. فشل الرد الإيراني في إرضاء ترامب يعني أن الإدارة الأمريكية ستتجه على الأرجح لدعم خطة تأمين الملاحة بقوة، بينما ستعتبر طهران ذلك خرقاً لسيادتها البحرية وتفعيلاً للوصية الخامسة من وصايا المرشد.
ثانياً، على المستوى الاقتصادي، سيرتفع سعر النفط بشكل حاد مع كل حادثة اشتباك، وستنتقل تداعيات ذلك مباشرة إلى الاقتصاد العالمي الهش أصلاً، مما قد يضطر قوى دولية إلى ممارسة ضغوط على كلا الجانبين للعودة إلى طاولة المفاوضات.
ثالثاً، على المستوى الإقليمي، الوساطة المصرية التركية تمثل جنين تحالف براغماتي جديد في الشرق الأوسط، يدرك أن أي حرب واسعة لن تبقي على كياناته واستقراره الهش. وفي الخلفية، يبقى الموقفان الإسرائيلي والصيني بمثابة عاملي توازن، فالأول يدفع باتجاه ضربة حاسمة للخصم الإيراني، أما الثاني فيحتاج إلى أمن الخليج أكثر من أي طرف آخر وقد يبرز في اللحظة الحاسمة كصانع للسلام القسري.

إن ما يجري ليس مجرد فصل جديد من فصول الصراع الإيراني الأمريكي، بل هو إعادة تشكيل كاملة لبنية الأمن الجماعي في الشرق الأوسط. ومضيق هرمز، الذي كان عبر التاريخ ممراً للمياه والنفط، أصبح اليوم ممراً تصب فيه كل خلافات العالم وتصدعاته، حاملاً معه وعداً بالرخاء إذا ما نجحت الدبلوماسية، أو نذيراً بدمار شامل إذا ما أخطأت الحسابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى