دولى

مصر والأمم المتحدة: تنسيق دبلوماسي لإدارة أزمات إقليمية معقدة

قمة نيروبي تدعو لإصلاح مالي دولي يراعي طموحات أفريقيا

ليبيا 24

تحذير مصري أممي من تداعيات الأزمة الإيرانية على الاستقرار

في تحرك دبلوماسي متعدد المسارات يعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية، حوّل الرئيس عبد الفتاح السيسي مشاركته في قمة “أفريقيا ـ فرنسا” بالعاصمة الكينية نيروبي إلى منصة لإعادة التموضع الإقليمي والدولي، حاملاً معه ملفات الأمن المشتعلة وأعباء التنمية المتعثرة في آن واحد. فبين أروقة مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات، نسجت القاهرة خيوطاً متشابكة من التنسيق الرفيع مع الأمم المتحدة، والتحذير المبكر من تداعيات الأزمة الإيرانية، وطرح رؤية إصلاحية شاملة للنظام المالي العالمي، بما يضع مصالح القارة السمراء في صلب أي ترتيبات مقبلة.لقاء مع غوتيريش: الإنسانية مفتاح الاستقراراستهل الرئيس المصري جدول أعماله بلقاء مطول مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، غلب عليه طابع الصراحة الاستراتيجية. وبحسب بيان الرئاسة المصرية، فإن الجانبين لم يكتفيا باستعراض أوجه التعاون القائم ضمن “إطار الأمم المتحدة للتعاون من أجل التنمية مع مصر 2023-2027″، بل انخرطا في تشريح معمق لبنية الأزمات التي تعصف بشرق المتوسط والقرن الأفريقي. وأبرق السيسي برسالة واضحة مفادها أن استعادة الأمن والاستقرار الإقليميين ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لانتظام عمل المنظومة الأممية ذاتها، مشدداً على أن القاهرة تمارس دورها بالتنسيق المحكم مع الأطراف الدولية والإقليمية، لا سيما فيما يتصل بدعم دول الخليج ورفض أي مساس بسيادتها وأمنها.ولم يغب الملف الإنساني عن الطاولة. فقد ضغط الرئيس المصري بقوة من أجل تفعيل دور وكالات الأمم المتحدة في إيصال المساعدات إلى السودان وقطاع غزة، البؤرتين اللتين تشكلان اختباراً حقيقياً لمصداقية المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، ثمّن غوتيريش ما وصفه بـ”الركيزة المصرية” في جهود الاستقرار بالشرق الأوسط وأفريقيا، مقراً في الوقت نفسه بالتحديات التمويلية الخانقة التي تواجهها المنظمة الدولية، وهو اعتراف يحمل في طياته إقراراً ضمنياً بأن مصر باتت شريكاً لا غنى عنه في تقاسم أعباء الأمن الجماعي.الملف الإيراني: دبلوماسية الإنذار المبكربموازاة المسار الإنساني، خصص اللقاء حيزاً كبيراً لتطورات الأزمة الإيرانية، حيث اتفق الجانبان على خطورة حالة عدم اليقين الراهنة. ويأتي هذا التطابق المصري الأممي في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة هشاشة غير مسبوقة، بعد أن أعلنت واشنطن وطهران في الثامن من نيسان/أبريل الماضي وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين، انتهت بعده محادثات إسلام آباد من دون اختراق يُذكر. ومع شروع الولايات المتحدة في فرض حصار على الموانئ البحرية الإيرانية، تتحرك أطراف وسيطة لترتيب جولة مفاوضات جديدة، وسط مخاوف من انزلاق التوتر إلى صدام مفتوح.وهنا تتجلى خاصية الموقف المصري، الذي يمتنع عن الانجرار إلى الاستقطاب، ويركز بدلاً من ذلك على أولوية الحلول السلمية التي تحفظ سيادة الدول ومقدرات شعوبها. إن تحذير القاهرة ليس إنذاراً موجهاً لطرف بعينه، بل هو نداء عقلاني يدرك أن تداعيات أي مواجهة في الخليج أو مضيق هرمز لن تتوقف عند حدود الجغرافيا، وستمتد لتضرب سلاسل الإمداد الدولية وأمن الطاقة والغذاء في القارة الأفريقية تحديداً. وبذلك تقدم مصر نفسها وسيطاً أمنياً مسؤولاً، يزاوج بين الالتزام بدعم الحلفاء الخليجيين والإيمان بضرورة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.قمة نيروبي: صوت أفريقيا في إصلاح المال العالميفي الجلسة المخصصة لإصلاح الهيكل المالي الدولي، ألقى السيسي كلمة حملت ملامح بيان سياسي واقتصادي شامل، قال فيها بوضوح: “لا تنمية بدون سلام، ولا سلام بدون تنمية”. وربط الرئيس المصري بين تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما فيها أزمات الشرق الأوسط، وتقويض استقرار سلاسل الإمداد، محذراً من أن دول القارة تدفع ثمناً مضاعفاً، إذ تكافح لتحقيق أهداف التنمية بينما تُستنزف ميزانياتها في خدمة ديون سيادية باتت تتجاوز ما تنفقه على الصحة والتعليم معاً.وعرضت مصر نموذجاً بديلاً قائماً على: مبادلة الديون بمشروعات تنموية، والتوسع في إصدار السندات الخضراء، وتطوير سياسات البنوك متعددة الأطراف، وحشد التمويل من المصادر العامة والخاصة. ودعا السيسي صراحة إلى كسر “الحلقة المفرغة” لأزمة الديون السيادية، وهي صياغة تلامس جوهر المأزق الذي تعيشه عشرات العواصم الأفريقية. ولم يكتف بذلك، بل دفع باتجاه تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية عبر دعم سلاسل الإمداد البينية وبناء قدرات الشباب، في رسالة مفادها أن الأفارقة قادرون على كتابة وصفتهم الإنمائية بأنفسهم إذا توفرت لهم أدوات تمويل منصفة.بوابة القارة: تجربة مصرية في الصمودوسط هذا المشهد العالمي المضطرب، حرص الرئيس على تسليط الضوء على التجربة المصرية في الإصلاح الاقتصادي، ليس بوصفها دعاية ذاتية، بل بوصفها شاهداً على إمكانية اجتراح مسارات تنموية حتى في أحلك الظروف. فحزمة الإجراءات التي تطبقها القاهرة، من ضبط السياسات المالية والنقدية إلى تطوير البيئة التشريعية وتقديم حوافز استثمارية جاذبة، إلى جانب التوسع الهائل في البنية التحتية للنقل والطرق واللوجستيات، ترسم صورة دولة حولت التحديات إلى فرص، وجعلت من نفسها بوابة طبيعية للقارة الأفريقية. ويحمل هذا الطرح دعوة مبطنة إلى باريس وسائر الشركاء الدوليين لتعزيز التعاون مع مصر لا باعتبارها سوقاً واعدة فحسب، بل باعتبارها مختبراً حقيقياً لسياسات تنموية يمكن تعميمها.تحالف الضروراتما خرجت به القاهرة من نيروبي لا يختزل في بيانات ختامية. إنه بناء متدرج لتحالف ضرورات يضم الأمم المتحدة وأفريقيا وأوروبا، تقف فيه مصر في نقطة الارتكاز. ففي وقت تتصارع فيه قوى دولية على مناطق النفوذ، تختار القاهرة لغة مغايرة عنوانها: تنسيق لا تبعية، وسلام لا استسلام، وتنمية لا استدانة مفرطة. وهي لغة دبلوماسية رصينة قد لا تتصدر العناوين الصاخبة، لكنها ترسم، بهدوء، خريطة طريق للأمن والاستقرار الإقليميين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى