ليبيا

الفيتوري يحذر من استعجال نتائج ضخ الدولار: الأسواق تسير بمنطق «منحنى جي»

الفيتوري: مفعول ضخ العملة يحتاج أشهراً لا أياماً


ليبيا 24

منحنى جي يفسر ارتفاع الدولار رغم ضخ السيولة مؤقتاً

في خضم الجدل المحتدم الذي تشهده الأوساط المالية والشارع الليبي حول استمرار ارتفاع أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية رغم عمليات الضخ النقدي الأخيرة، خرج أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، بتحليل مفصل يدعو إلى التروي وعدم القفز إلى استنتاجات متسرعة، مذكراً بأن للسياسات النقدية إيقاعاً زمنياً لا يمكن اختزاله في أيام أو حتى أسابيع.

وأوضح الفيتوري، في مقال تحليلي رصدته ليبيا 24، أن توقعات الانخفاض الفوري للدولار عقب قرار المصرف المركزي ضخ سيولة إضافية، تصطدم بمنطق اقتصادي راسخ يُعرف بمنحنى جي. وأشار إلى أن هذا المنحنى، الذي طالما استُخدم لتفسير مسار الميزان التجاري بعد تخفيض قيمة العملة الوطنية، ينطبق بقوة على الحالة الليبية الراهنة.

منطق منحنى جي: ارتفاع أولي ثم انخفاض لاحق

وقال أستاذ الاقتصاد، في معرض شرحه للظاهرة، إن أي مصرف مركزي حين يلجأ إلى تخفيض عملته بهدف علاج اختلال ميزان المدفوعات، لا يمكنه انتظار ثمار هذا الإجراء فوراً. بل إن العجز، كما أضاف، كثيراً ما يتسع في المرحلة الأولى لأن الزيادة في أسعار الواردات مقيمة بالعملة المحلية تكون أسرع من الزيادة في حصيلة الصادرات، ثم يبدأ بعد فترة في التقلص التدريجي. وتابع: «هذه الحالة تُصور في الاقتصاد بمنحنى جي، وهو منطق ينطبق أيضاً عندما يضخ المركزي الدولار في السوق».

وشدد الفيتوري على أن الأيام القليلة الماضية التي تلت عملية الضخ لا تشكل مختبراً كافياً للحكم على فاعلية السياسة، قائلاً: «لم تمض سوى أيام فقط على ضخ الدولار في الاقتصاد، وهذه فترة قصيرة جداً للتعرف على آثار أي سياسة اقتصادية، فآثار السياسة الاقتصادية قد تأخذ أشهراً قبل ظهور آثارها الحقيقية». ولفت إلى أن الاعتقاد بإمكانية رؤية النتائج النهائية خلال أيام يمثل واحداً من الأخطاء التحليلية الشائعة التي تربك صانع القرار وتدفع باتجاه تغيير المسار قبل أن يبدأ مفعوله الحقيقي.

امتصاص السوق للضخ: دورة زمنية معقدة

وكشف الخبير الليبي أن الطلب على العملة الخضراء في السوق الموازية لا يتفاعل مع زيادة العرض بصورة خطية، وإنما يمر بدورة زمنية تبدأ بارتفاع الطلب في الأيام والأسابيع الأولى. وأرجع ذلك إلى عوامل متشابكة، أبرزها سعي المتعاملين إلى تخزين العملة، وتغطية الطلبات المتراكمة، وإعادة بناء أرصدة المضاربين والمستوردين. وأكد أن الطلب الاحترازي من جانب الأسر والشركات، الذي تعاظم خلال سنوات من تآكل القدرة الشرائية للدينار، لا يمكن أن ينحسر بين ليلة وضحاها.

وأشار الفيتوري إلى عامل إضافي وصفه بـ «فجوة الثقة» بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسة النقدية. وأوضح أن ضعف قابلية توقع السياسات في بلد يشهد انقساماً مؤسسياً حاداً، يدفع الأفراد والمؤسسات إلى التعامل مع أي تدخل حكومي بحذر مفرط، ويسارعون إلى شراء الدولار كلما لاح في الأفق أنه قد يكون الفرصة الأخيرة قبل نفاد المخزون. وأكد أن الزمن وحده، مع تكرار عمليات الضخ بانتظام، كفيل بكسر حلقة القلق هذه، ليبدأ الطلب بعد شهر أو أكثر في التراجع التدريجي، مما يسمح لتأثير العرض الإضافي بالظهور على الأسعار.

لا مفعول فورياً: الزمن عنصر مؤثر في السياسة النقدية

وحذّر أستاذ الاقتصاد من الرهان على النتائج الفورية، مشدداً على أن الزمن يُعتبر من المؤثرات الجوهرية في أي سياسة اقتصادية، أسوة بالكميات والأسعار ودرجة المرونة. وقال: «لا نتوقع أن آثار أي سياسة اقتصادية تظهر مباشرة بعد تطبيقها، وإنما يتطلب الأمر فترة زمنية لإعادة التوجيه». وأضاف أن الباحث عن انخفاض سريع للدولار بعد الضخ مباشرة، كمن يبحث عن قطاف الثمرة يوم غرس البذرة، في إشارة إلى ضرورة الصبر الاستراتيجي.

ولفت الفيتوري الانتباه إلى أن مغريات الضغط السياسي والإعلامي التي تطالب بوقف الضخ أو العودة إلى سياسات تقييدية بمجرد ارتفاع السعر مؤقتاً، تمثل خطراً حقيقياً. وأوضح أن التوقف المفاجئ عن ضخ السيولة بعد أن يكون السوق قد استجاب بارتفاع مؤقت، قد يدفع المتعاملين إلى تخزين كميات أكبر من العملة الأجنبية خوفاً من الجفاف، فينقلب الأثر العكسي إلى انفلات يصعب احتواؤه لاحقاً. وأكد أن منحنى جي لا يعني أن البنك المركزي يقف متفرجاً حتى يظهر الأثر الإيجابي، بل يستوجب استمرار التدخل وتكراره بوتيرة مدروسة، مع إدارة دقيقة للتوقعات عبر التواصل المؤسسي الواضح.

استثناء الاعتمادات: فصل بين سوقين متوازيين

وفي تفصيل بالغ الأهمية، حرص أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي على التمييز بين الآليات النقدية المختلفة، مشيراً إلى أن ما ينطبق على سوق النقد الموازية لا ينطبق على فتح الاعتمادات المستندية والتسهيلات الائتمانية. وقال بهذا الخصوص: «كما هو معروف، هذا لا يشمل فتح الاعتمادات أو التسهيلات الائتمانية، لأن ذلك يتم من خلال التحويلات المصرفية وليس بالنقد الورقي».

وأوضح أن المدفوعات الخاصة بالاستيراد المنظم لا تتم عن طريق تداول الأوراق النقدية من دولار أو يورو، وإنما من خلال تحويلات مصرفية مقيدة بدفاتر البنوك، وتخضع لرقابة المركزي وأهدافه في توجيه النقد الأجنبي نحو السلع الأساسية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج. وأضاف أن هذا الفصل بين سوقين متوازيتين – سوق النقد للتداول الحر وسوق التحويلات المقننة – هو جوهر إدارة أزمة الصرف الليبية، محذراً من خلط الأوراق بينهما عند تقييم فاعلية أدوات المركزي.

دروس السودان ومصر: الصبر الاستراتيجي قبل الحصاد

واستشهد المحلل الاقتصادي بتجارب إقليمية وصفها بالغنية بالدروس، ذاكراً أن السودان، عقب قرار توحيد سعر الصرف عام 2021، شهد قفزة عنيفة في أسعار السوق الموازية استمرت لأسابيع قبل أن تبدأ الفجوة في الانغلاق تدريجياً. ولفت في السياق نفسه إلى التجربة المصرية، حيث لم تظهر الآثار الإيجابية الواضحة على سعر السوق الموازي بعد سلسلة قرارات تحرير سعر الصرف وضخ السيولة الخليجية والاستثمارات الأجنبية إلا بعد عدة أشهر تخللتها موجات صعود وهبوط حادة.

وأكد عطية الفيتوري أن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن فاعلية التدخل تزداد بصورة ملحوظة عندما يقترن الضخ النقدي بإشارات سياسية مستقرة تمنح السوق قدراً من قابلية التوقع، وهو ما وصفه بـ «الحلقة المفقودة» في الساحة الليبية حالياً. وأشار إلى أن التجاذبات السياسية الحادة بين الشرق والغرب، والصراع على إدارة مصرف ليبيا المركزي، والحظر المتقطع على إنتاج النفط وتصديره، جميعها عناصر تحول دون تشكّل ما يسميه الاقتصاديون «التوقعات الرشيدة»، وتبقي السوق في حالة من الترقب الحذر. وشدد على أن الصبر الاستراتيجي على السياسة المعتمدة يجب أن يتزامن مع خطوات سياسية تقلص مساحة اللايقين حتى يؤدي الزمن مهمته.

البعد السياسي لسعر الصرف وانعكاساته على السلم الأهلي

ولم يغفل أستاذ الاقتصاد البعد السياسي والاجتماعي لسعر الصرف في بلد يمر بمرحلة تحولات هشة بعد صراع مسلح طويل. وقال: «في ليبيا، لا يمكن اختزال سعر الصرف في مجرد مؤشر نقدي، فالدولار ليس فقط وسيلة تداول واستيراد، بل هو مقياس لثقة المواطن في مستقبل الدولة وقدرتها على إدارة الاقتصاد». وأشار إلى أن ارتفاع السعر في السوق الموازية بعد قرارات يفترض أنها تصب في مصلحة خفضه، يفتح أبواب التأويلات السياسية التي تحمّل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك، وتغذي الانقسامات بدلاً من ردمها.

ودعا الفيتوري في ختام تحليله إلى ضرورة أن يتحول الترقب الذي يعيشه الشارع الليبي إلى صبر مبرر علمياً، وإلى خطاب عام يثقف الناس بطبيعة السياسات الاقتصادية وآجالها. وشدد على أن التروي وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام، والعودة إلى أصول النظرية الاقتصادية، ليس ترفاً أكاديمياً بل ضرورة وطنية ملحة، مؤكداً أن دور الجامعات ومراكز الفكر يجب أن يتركز على مد جسور المعرفة بين الخبير والمواطن وصانع القرار.

واختتم تصريحاته بعبارة لخصت مجمل رؤيته: «ارتفاع الدولار بعد ضخ السيولة ليس علامة فشل، بل قد يكون العلامة الأولى على أن السوق بدأ يستجيب، ولكن وفق إيقاعه الزمني الخاص الذي يحتاج إلى صبر وتكرار وتواصل مؤسسي منضبط. فالمطر الغزير بعد جفاف طويل لا ينبت الزرع في ليلة، بل يحتاج إلى أيام وأسابيع كي تتشرب التربة الماء وتُثمر».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى