مصر وليبيا تعلنان وحدة المصير وترفضان الإملاءات الخارجية
البرلمان المصري يحتضن عقيلة صالح وتنسيق تشريعي لحماية السيادة
ليبيا 24
القاهرة وبنغازي: هندسة تحالف استراتيجي ضد التفكك والوصاية
في مشهد يعكس إعادة تموضع استراتيجي تجاه الأزمة الليبية، حوّل البرلمان المصري جلسته العامة إلى منصة لإعلان ثوابت العقيدة الأمنية المصرية، مستضيفاً المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي. لم تكن الكلمات المتبادلة مجرد مجاملات دبلوماسية، بل تشريحاً سياسياً عميقاً لطبيعة العلاقة التي تتجاوز الحدود إلى مفهوم “الامتداد الحيوي”، حيث تذوب الفواصل بين ما هو ليبي وما هو مصري في بوتقة الأمن القومي الواحد.
ثنائية الدم والنفط: إعادة تعريف الجوار الاستراتيجي
صاغ النائب محمد صلاح أبو هميلة، رئيس لجنة الشؤون العربية، الإطار المفاهيمي للعلاقة من بوابة “روابط الدم والمصير الواحد”، وهي صياغة تنقل التعامل مع ليبيا من مربع “دولة جارة” إلى مربع “العمق الاستراتيجي الناعم”. يشير هذا الخطاب التحليلي إلى أن صانع القرار في القاهرة ينظر إلى الحدود الغربية ليس كخط فاصل، بل كغشاء خلوي يسمح بنفاذ المصالح الحيوية في الاتجاهين. فعندما يتحدث المسؤول المصري عن “استقرار ليبيا”، فهو في حقيقة الأمر يؤطر لمفهوم الأمن المصري الممتد الذي يشمل حقول الطاقة والحدود البرية الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر، محولاً فكرة “أمن الجوار” إلى سياسة “أمن الاندماج”.
مواجهة الهندسة الخارجية: تفكيك أجندة الإملاءات
يكشف خطاب رئيس لجنة الشؤون العربية عن قلق عميق إزاء ما وصفه بـ”التدخلات الخارجية والإملاءات الأجنبية”. يشي هذا التعبير الدقيق بأن ثمة رؤية مصرية مفادها أن التعقيدات الليبية الراهنة ليست نتاج ديناميكيات محلية فحسب، بل هي انعكاس لصراع جيوسياسي أوسع تحاول فيه عواصم إقليمية ودولية إعادة رسم خرائط النفوذ على حساب وحدة الأراضي الليبية. إن تثمين “الجهود الوطنية” يقف هنا كجدار صد في وجه محاولات فرض نماذج سياسية مستوردة، حيث تراهن الدبلوماسية المصرية على دعم المؤسسة التشريعية المنتخبة، ممثلة في البرلمان الليبي، باعتبارها الحامل الشرعي الوحيد الذي يمكنه استعادة السيادة وتجنب سيناريوهات التقسيم الناعم.
الهندسة التشريعية: درع السيادة القانونية
في جزئية لافتة، نقل أبو هميلة الدعم المصري من مربع التضامن السياسي إلى مربع “تسخير الإمكانيات التشريعية”، وهو ما يمثل نقلة نوعية في إدارة الأزمة. فالقاهرة، بخبرتها المؤسسية العريقة، تقدم نفسها ليس فقط كداعم دبلوماسي، بل كحاضنة لنقل المعرفة القانونية والدستورية اللازمة لصياغة عقد اجتماعي ليبي جديد. هذه “الهندسة التشريعية” تستهدف تحصين الدولة الليبية ضد أزمات الفراغ الدستوري التي غالباً ما تخلق ذرائع للتدخل الأجنبي، مؤكدة أن مكافحة الفوضى لا تكون بالسلاح فقط، بل ببناء مؤسسات قانونية صلبة قادرة على فرض سيادتها على كامل الجغرافيا الليبية.
المشهد الختامي: رسالة من تحت القبة
يحمل حضور عقيلة صالح تحت قبة البرلمان المصري، كما أشار أبو هميلة، رسالة تتجاوز البروتوكول، لتؤكد أن التنسيق “مستمر ومتواصل”. إنه تحالف عضوي بين سلطتين تشريعيتين يواجه تحدياً وجودياً واحداً، حيث تدرك القاهرة أن أي انهيار في طرابلس يعني انتقال عدوى التفكك مباشرة إلى خاصرتها الغربية. من هذا المنطلق، تتعامل الآلة الدبلوماسية المصرية مع الملف الليبي ليس كملف خارجي، بل كامتداد لمعركتها الوطنية ضد الإرهاب والفوضى، مؤكدة أن ضمان وحدة وسلامة الأراضي الليبية هو الضمانة الوحيدة لأمن مصر الاستراتيجي.



