ليبيا

حديث «الرقابة الإدارية» يعيد الجدل حول إنفاق تريليون دينار وسط اتهامات بالهدر وضعف الرقابة

خبراء يربطون تضخم الإنفاق بالانقسام السياسي وتوسع بند الرواتب والإنفاق الاستهلاكي على حساب التنمية

أعاد تصريح رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه بشأن إنفاق الحكومات الليبية المتعاقبة أكثر من تريليون ومليار دينار منذ عام 2011، الجدل حول إدارة المال العام ومستوى الرقابة على الإنفاق الحكومي في البلاد، في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار المالي.

ووصف قادربوه الرقم خلال احتفالية أقامتها الهيئة في طرابلس بأنه «مخيف»، ما أثار تساؤلات بشأن أوجه إنفاق هذه الأموال ومدى انعكاسها على الواقع الخدمي والتنموي، خصوصاً مع محدودية عدد السكان واعتماد الاقتصاد الليبي بصورة شبه كاملة على العوائد النفطية.

انقسام سياسي وتوسع الإنفاق الاستهلاكي

وربط محللون اقتصاديون بين تضخم حجم الإنفاق العام واستمرار حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، معتبرين أن الحكومات المتعاقبة ركزت على الإنفاق التشغيلي والاستهلاكي دون إحداث تحول تنموي واضح أو تفعيل أدوات الرقابة المالية بصورة فعالة.

وفي هذا السياق، رأى الباحث في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي أن طرح الرقم الإجمالي للإنفاق على مدى 15 عاماً دون مراعاة تغيرات أسعار الصرف أو الفترات التي شهدت إغلاقات نفطية، يفتقر إلى الدقة المنهجية، معتبراً أن تعميم الاتهام على جميع الحكومات يضعف إمكانية تحديد المسؤوليات بصورة مباشرة.

ودعا حرشاوي إلى التركيز على إصدار تقارير تفصيلية علنية توضح طبيعة الاختلالات المالية والتجاوزات الاقتصادية الراهنة، في ظل ما وصفه بتزايد المؤشرات المقلقة المتعلقة بإدارة الاقتصاد الليبي.

من جهته، اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أيوب الفارسي أن الرقم المعلن مرشح للارتفاع إذا أضيفت إليه الديون الداخلية، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من الإنفاق اتجه نحو الاستهلاك وليس الاستثمار أو التنمية المستدامة.

وأوضح الفارسي أن نحو 87 في المائة من الأموال المصروفة لم تنعكس على قطاعات البنية التحتية أو الصحة والتعليم، لافتاً إلى أن بند الرواتب وحده بلغ قرابة 73 مليار دينار خلال العام الماضي، في ظل تضخم الجهاز الإداري ووجود نحو 2.6 مليون موظف في القطاع الحكومي، إلى جانب استمرار دعم المحروقات.

تصاعد الدين العام وانتقادات لأجهزة الرقابة

وبحسب تقرير صادر عن هيئة الرقابة الإدارية لعام 2025، تجاوز الدين العام الليبي 270 مليار دينار، مع توقعات بارتفاعه إلى 303 مليارات دينار بنهاية عام 2026، موزعاً بين التزامات على مصرف ليبيا المركزي في بنغازي وأخرى على المصرف في طرابلس.

ويرى الفارسي أن الاختلالات الحالية تعود في جزء منها إلى طبيعة الاقتصاد الريعي القائم على النفط منذ عقود، مع غياب سياسات فعالة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات الإنتاجية، معتبراً أن الإشكالية الأساسية تتمثل في عدم استثمار العوائد النفطية في بناء اقتصاد مستدام للأجيال المقبلة.

في المقابل، حمّل عدد من النشطاء والسياسيين أجهزة الرقابة جزءاً من المسؤولية، معتبرين أن دورها اقتصر على رصد التجاوزات دون القدرة على الحد منها أو حماية المال العام.

ووصف رئيس حزب حزب التجديد الليبي سليمان البيوضي ما حدث بأنه «فرصة ضائعة» لبناء دولة حديثة، معتبراً أن تعاقب الحكومات والأزمات السياسية ساهم في ترسيخ أنماط الإنفاق غير المنتج واستمرار مظاهر الفساد المالي والإداري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى