إصلاح تدريجي بضمانات شعبية.. أم رفض قاطع.. أم تخطيط هيكلي؟ الدعم يشعل خلافاً بين غيث وزبيدة وعصر
عصر ينتقد التفكير المحاسبي في جدل دعم الوقود
ليبيا 24:
غيث يدعو لإصلاح تدريجي للدعم وزبيدة يرفض التحويل النقدي
فيما تستمر ساحات النقاش الاقتصادي في ليبيا بالاتساع خارج أروقة المؤسسات الرسمية الغائبة، اشتعلت جبهة جديدة من الحوار على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ضمت هذه المرة أسماءً من خلفيات متنوعة، مزجت بين الخبرة المصرفية والنشاط السياسي والوزاري.
النقاش الذي بدأه عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق والخبير الاقتصادي امراجع غيث، سرعان ما تحول إلى سجال مفتوح حول جوهر إصلاح دعم الوقود، بعدما انضم إليه الناشط السياسي المهندس عبدالسلام زبيدة، ومن ثم وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر.
وإذا كان النقاش السابق بين الدكتور محمد أبو سنينة ورجل الأعمال حسني بي قد انحدر نحو تبادل الاتهامات بتضارب المصالح، فإن هذه الحلقة الجديدة كشفت عن انقسام أعمق بين ثلاث مدارس فكرية: مدرسة الإصلاح التدريجي المشروط، ومدرسة الرفض المبني على الشك في النوايا، ومدرسة التخطيط الهيكلي طويل المدى.
غيث يطرح خريطة طريق للتحول التدريجي: ليس دفاعاً عن الهدر بل بحثاً عن الآلية
في منشور مطول بدا أقرب إلى ورقة سياسات تنفيذية منه إلى تدوينة عابرة، حاول الخبير الاقتصادي أمراجع غيث أن يقدم ما وصفه بالنقاش الصحي الذي يسمح بتبادل الآراء بعيداً عن الأحكام المسبقة.
بدأ غيث بتأكيد أن “الكل يرغب في إصلاح منظومة الدعم التي يرى أنها بوضعها الحالي مجرد هدر للمال العام يستفيد منه قلة”، ثم انتقل فوراً إلى مربع السؤال الجوهري: “كيف ومتى؟”.
وفي هذا التحديد، كشف الرجل عن موقعه الوسطي الذي لا يرفض الإصلاح جملة ولا يطالب به فوراً بطريقة الصدمة.
وقدم غيث رؤية تفصيلية تقوم على مبدأين: التدرج الزمني، وبناء ضمانات الثقة مع المواطن. فالتجارب الدولية التي أشار إليها، من دون أن يسميها، تؤكد في نظره أن الإصلاح يبدأ بالتدريج، مع دراسة وتفحص النتائج بعد فترات زمنية محددة، تتراوح بين السنة والسنتين.
أما بالنسبة لمعضلة الثقة، التي وصفها بأنها “تخوف في محله” بسبب تجارب الحكومات الليبية السابقة مع علاوة الأولاد والزوجة، فقد اقترح مجموعة من الآليات العملية لتجاوزها: السداد المباشر مع المرتب للموظف الحكومي، وعبر الضمان الاجتماعي للمتقاعدين، ومن خلال لجنة مكلفة بالإشراف على تحويل الدعم للعاملين في القطاع الخاص، مستنداً إلى تجربة منحة أرباب الأسر التي قال إنها أثبتت إمكانية الوصول إلى كافة الليبيين مباشرة.
غير أن النقطة الأكثر إبداعاً في مقترح غيث كانت دعوته إلى إنشاء كيان رقابي مستقل، “مجلس أو لجنة أو أي تسمية”، تكون مهمته التأكد من استقطاع قيمة الدعم ووضعه في حساب خاص وسداده شهرياً لمستحقيه، على أن يشارك في إدارة هذا الكيان ممثلون عن المجتمع المدني والمتقاعدين والقطاع الخاص، بحيث تكون لهم “قوة القرار في إدارة هذه الأموال والتأكد من سدادها لمستحقيها مباشرة”.
وهي فكرة تحاول أن تسد ثغرة انعدام الثقة عبر منح المواطنين أنفسهم دوراً رقابياً، في بلد لم يعتد فيه المواطن أن يكون شريكاً في إدارة ثروته.
تسلسل الإصلاح: البنزين أولاً وغاز الطهي أخيراً
وعلى صعيد أولويات التطبيق، بدا غيث مدركاً لحساسية بعض المنتجات النفطية على الحياة اليومية للمواطنين. فاقترح أن يبدأ الإصلاح بالبنزين، باعتباره، في تقديره، المنتج الذي “لا يمس كثيراً الخدمات والمنتجات الأخرى بقيمة كبيرة ولا بطريقة مباشرة”، ثم الانتقال بعد فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات إلى المنتجات الأخرى، على أن يكون آخر ما يتم إصلاحه هو غاز الطهي، الأكثر التصاقاً بحياة الأسر الفقيرة.
وهو تسلسل يختلف جوهرياً عن النماذج التي تطرح الإصلاح دفعة واحدة، ويعكس حساسية اجتماعية قد تجعل مقترحه أكثر قبولاً لدى الشارع.
ولم يغفل غيث البعد المالي للإصلاح، فأكد أن قيمة الدعم ليست ثابتة، بل تتغير بتغير سعر استيراد الوقود، مما يستوجب لجنة لمراجعة الأسعار وتصحيحها زيادة أو تخفيضاً، وبالتالي تعديل قيمة الدعم النقدي المقدم للمواطن.
أما الأموال المتوفرة من بيع الوقود، أي الفارق بين سعر البيع وتكلفة الاستيراد، فدعا إلى تخصيصها مباشرة في صندوق خاص لموازنة الدعم في حالات ارتفاع الأسعار، واستثماره كصندوق مدخرات للأجيال المقبلة، في إشارة إلى رؤية سيادية أبعد من مجرد حل أزمة آنية.
ورغم اعترافه بأن البعض يرى أن الوقت ليس مناسباً بسبب غياب الاستقرار والانقسام السياسي، إلا أن غيث طرح سؤالاً وجودياً: “هل توقفت الحياة وانتظرت الاستقرار أم تزامنا مع بعض ومحاولة تحسين الوضع إلى الأفضل؟”.
وختم بدعوة المثقفين وقادة الرأي إلى “شرح مخاطر الوضع الحالي للدعم بطريقة الإقناع لا بالتخويف والمبالغة”، معترفاً بأنه لا ينتظر تأييد المستفيدين من الوضع الحالي، داعياً إياهم إلى الاختيار بين “مصلحتك الشخصية وبين مصلحة الدولة”.
زبيدة يرفض ويحذر: عشرة آلاف دينار لن تكفي والثقة مفقودة
إذا كان خطاب غيث قد اتسم بالبراغماتية الهادئة، فإن رد الناشط السياسي المهندس عبدالسلام زبيدة جاء صادماً في مباشريته وشكوكيته.
افتتح زبيدة مداخلته بعبارة “من المؤسف أن ينضم الأستاذ امراجع غيث إلى جوقة المطالبين بإلغاء دعم الوقود الذين يخدعون الليبيين ويوهمونهم بأن كل أسرة سوف تتحصل على دعم نقدي قيمته 10,000 دينار سنوياً”.
ثم انتقل إلى تفنيد الأرقام المقترحة من وجهة نظر أسرة ليبيا العادية. فالمبلغ الذي قد يبدو كبيراً للوهلة الأولى، حين يُعاد حسابه على أرض الواقع، لا يكفي، بحسب زبيدة، إلا لشراء نحو ألفي لتر من الوقود سنوياً، وهي الكمية التي تكلف الأسرة حالياً 300 دينار فقط في ظل نظام الدعم العيني.
وبذلك، فإن الأسرة التي كانت تدفع 300 دينار ستصبح مضطرة لدفع 10,000 دينار، مما يعني عملياً خسارة هائلة في قدرتها الشرائية، ناهيك عن “الارتفاع الصاروخي في أسعار السلع والخدمات والعقارات الذي سيحدث نتيجة إلغاء دعم الوقود”.
لكن جوهر اعتراض زبيدة لم يكن حسابياً فقط، بل كان سياسياً وتاريخياً. فالرجل استند إلى “التجارب السابقة” للحكومات الليبية التي ألغت دعماً تلو الآخر، من دعم السلع التموينية إلى منحة الطلبة إلى منحة العائلة إلى مخصصات النقد الأجنبي السنوية، دون أن تفي بوعودها ببدائل دائمة.
والسؤال الضمني الذي يطرحه هو: ما الذي يضمن ألا يتحول الدعم النقدي للوقود إلى المصير نفسه، فيتم إلغاء الدعم العيني أولاً، ثم إلغاء البديل النقدي لاحقاً بحجة العجز أو إعادة الهيكلة، ليجد المواطن نفسه أمام الأسوأ: لا دعم عيني ولا بديل نقدي؟
عصر ينتقد “الفكر المحاسبي الضيق” ويدعو إلى إصلاح هيكلي
أما المداخلة الأكثر اختلافاً من حيث الزاوية والمضمون، فجاءت من وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر. الرجل الذي خاطب غيث بصفة “دكتور امراجع”، لم يدخل في جدل الأرقام أو آليات التحويل النقدي، بل انتقد المنهجية ذاتها التي تدار بها مثل هذه الملفات.
فكتب أن “فكراً محاسبياً ضيقاً جداً” هو ما يحكم النقاش، متسائلاً: “هل فكرت ماذا ينجم عن رفع الوقود في بلد لا يوجد بها مواصلات عامة ومترامية الأطراف؟”.
ثم رسم عصر لوحة من التداعيات اليومية التي سيعيشها المواطن البسيط في حال رفع الدعم دون تهيئة البنية التحتية البديلة: باص المدرسة الذي سترتفع تكلفته، وصهريج الماء الذي سيتضاعف ثمنه، والخضار والمواد الغذائية التي ستشهد ارتفاعات متتالية جراء تضاعف مصاريف النقل “عشرات المرات”.
وفي هذا الربط بين دعم الوقود وشبكة الحياة اليومية، لمس عصر وتراً لا تصل إليه النماذج الرياضية المجردة.
ثم انتقل إلى طرح بديله الخاص الذي يتجاوز ثنائية “دعم عيني أم نقدي” برمتها. فالأولوية في نظره يجب أن تكون لإعادة الدينار الليبي إلى مكانته وسعره الحقيقي أولاً.
وبعد ذلك، تبنّي خطة خمسية لبناء مواصلات عامة، وإنشاء مدن كبيرة متخصصة تستوعب السكان بناءً على خارطة اقتصادية مهنية واضحة: مدن صناعية، وأخرى زراعية، وثالثة سياحية.
وانتقد التوسع السكاني العشوائي في مدن “تفتقر إلى أي نشاط وتخصص”، مما يصنع “قرى نائية لا يوجد بها فرص عمل”.
ودعا إلى استخدام “قوى الجذب لا قوى الطرد” في توزيع السكان، بحيث تجذب المدن النفطية تعليماً نفطياً وسكاناً عاملين في المجال، وكذلك المدن الصناعية الحقيقية، في رؤية تنموية شاملة تجعل من النقاش حول الدعم جزءاً صغيراً من صورة أكبر بكثير.
ما كشف عنه هذا النقاش الثلاثي ليس مجرد تباين في وجهات النظر حول الدعم، بل أزمة أعمق تتعلق بمنهجيات التفكير الاقتصادي في ليبيا. فهناك من يفكر من داخل الصندوق، مقدماً حلولاً تقنية لمشكلة الدعم بمعزل عن البنية المؤسسية الكلية، كحال غيث.
وهناك من يرفض أي تغيير جملة وتفصيلاً، لأن الثقة بالمؤسسات الحاكمة منعدمة بالكامل، كحال زبيدة. وهناك من يرى أن المشكلة لا تُحل إلا بإعادة بناء الدولة من أساسها، تخطيطاً وتنمية وعدالة مكانية، كحال عصر.
وبين هذه الرؤى الثلاث، يقف المواطن الليبي من جديد تائهاً. فمقترح غيث، رغم أناقته الإجرائية، يفترض وجود حكومة موحدة ومؤسسات قادرة على إنشاء صناديق خاصة ولجان رقابية مشتركة، وهو افتراض لا يصمد أمام واقع الانقسام السياسي الحالي.
وتحذيرات زبيدة، رغم وجاهتها التاريخية، تترك البلاد رهينة لوضع قائم يعترف الجميع بأنه “أكبر مصدر للفساد وإهدار موارد الدولة”، على حد تعبير غيث نفسه. أما رؤية عصر، فرغم شموليتها وعمقها الاستراتيجي، فهي تحتاج إلى عقود من الاستقرار والتخطيط، بينما يحترق الاقتصاد اليوم.
إن المأساة الحقيقية التي تكشفها هذه النقاشات المتتابعة هي أن ليبيا تمتلك وفرة من العقول الاقتصادية القادرة على التشخيص واقتراح الحلول، لكنها تفتقر إلى الحد الأدنى من الإجماع السياسي والمؤسسي الذي يسمح بتطبيق أي من هذه الحلول.
وبينما يستمر الجدل على فيسبوك، يواصل الدعم الحالي نزيفه، وتستمر معاناة المواطن، ويواصل المهربون والمضاربون جني أرباحهم من فوضى لم يعد أحد يدعي القدرة على إنهائها بمفرده.



