عربىليبيا

من جدل “التوطين” إلى خطاب الكراهية… وزيرة الثقافة المقالة تشعل نقاشاً حول الهوية والعنصرية في ليبيا

بين حقائق الجغرافيا واتهامات التخوين… معركة فيسبوكية تفضح شرخاً ليلياً حيال العرق والمواطنة والانتماء

ليبيا 24

في بلد لا يزال يبحث عن تعريف ثابت لهويته وسط عواصف الانقسام السياسي والفوضى الأمنية، تحولت كلمات وزيرة سابقة إلى مرآة عاكسة لواحد من أعمق الشروخ الاجتماعية وأكثرها حساسية في المجتمع الليبي. لم تكن مبروكة توغي، وزيرة الثقافة المقالة في الحكومة منتهية ولايتها، تتوقع على ما يبدو أن منشوراً دافعت فيه عن الليبيين ذوي البشرة السوداء ومنددة بالعنصرية، سيتحول إلى كرة نار سياسية واجتماعية تكشف حجم التراشق المستتر حول مفاهيم الهوية والمواطنة والانتماء.

أعادت توغي، عبر صفحتها الرسمية في فيسبوك، التذكير بأن رفضها لمشاريع التوطين هو “موقف ثابت”، لكنها في الوقت ذاته نددت بـ”تصاعد خطابات الكراهية والعنصرية” التي تطال مواطنين ليبيين فقط بسبب لون بشرتهم.

سرعان ما انقسم المشهد الليبي إزاء هذا الطرح بين من اعتبره دفاعاً ضرورياً عن النسيج الوطني، ومن رآه محاولة مبطنة لتوظيف آلام التمييز في صراع سياسي أكبر، بينما ذهب طرف ثالث إلى حد اتهامها بتأجيج الفتنة وصرف الانتباه عن خطر الهجرة غير الشرعية.

جغرافيا في قفص الاتهام

الجزء الأكثر إثارة للجدل في منشور توغي كان إشارتها إلى حقيقة ووصفتها هي نفسها بـ”الجغرافية والتاريخية الثابتة”، والمتمثلة في أن ليبيا دولة أفريقية تقع في قلب القارة. هذه العبارة التي تبدو بديهية في أي سياق آخر، تحولت في سياق الانقسام الليبي الحالي إلى مادة للاتهام.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه دوائر واسعة أن الموقع الأفريقي لليبيا ليس رأياً سياسياً بل حقيقة علمية، اعتبرتها ردود فعل غاضبة توقيتاً مشبوهاً يخدم، عن قصد أو عن غير قصد، خطاب التطبيع مع فكرة التوطين التي تشكل هاجساً وجودياً لدى قطاع عريض من الليبيين.

رد الناشطة الحقوقية ثريا الطويبي جاء سريعاً وحاسماً، ليذكر توغي بأن “ليبيا تاريخياً موجودة قبل مسمى أفريقيا”، وكاشفاً عن عمق الهوة في تأويل التاريخ والجغرافيا، حيث يحمل كل طرف روايته الخاصة.

لكن الطويبي قدمت أيضاً دليلاً ميدانياً على رفض ما وصفته بـ”قصة خيالية”، مشيرة إلى مشاركة ليبيين من ذوي البشرة السمراء والبيضاء على حد سواء في مظاهرات رافضة للتوطين. بدا هذا التدخل وكأنه يؤسس لخطاب جديد يقول: رفض التوطين ليس لوناً ولا عرقاً، بل موقف سياسي يجمع الليبيين على اختلاف ألوانهم.

عنصرية مفترضة أم حرب على “الدخلاء”؟

يكمن جوهر الأزمة في التفريق بين ما هو عنصري وما هو سيادي. التعليقات التي انهالت على منشور توغي، والتي يرصدها “ليبيا 24″، تعكس حالة من التداخل الشديد بين خطابين: خطاب يرفض “الإساءة إلى الليبيين بسبب لون بشرتهم”، وهو أمر يراه كثيرون منتفياً في الأصل، وآخر يرفض “توطين المهاجرين غير الشرعيين”، وهو ما يحظى بإجماع شعبي كاسح.

أحد المعلقين صاغ هذه الثنائية بقسوة واضحة قائلاً: “نحن نعني بخطابنا الأفارقة المهاجرين غير الشرعيين والتشاديين المتسللين… ولكن كان عندك نقطة عقدة نقص في نفسك ومتحسسة من لونك”.

هذه اللغة القاسية لم تكن معزولة. ففي سياق الدفاع عن الموقف الرافض للتوطين، واجهت توغي سيلاً من الاتهامات التي طالت أصولها وهويتها، في تناقض صارخ مع تأكيدات المعلقين أنفسهم أن لا وجود لعنصرية في ليبيا.

عبارات مثل “خلي انتماءك لبلدك الأم تشاد” أو “لو كان كلامك صحيح ماخلوك تمسكي وزيرة الثقافة”، حملت في طياتها ما يشبه نفياً ضمنياً لليبوية توغي نفسها، وهو تحديداً جوهر “خطاب الكراهية” الذي تتحدث عنه، وفق مراقبين.

هذه المفارقة تجسدت في تعليق آخر لافت: “أنا لا أرى أي عنصرية أو كراهية في ليبيا… ولكن السؤال من أين أتيتم بهذه الادعاءات؟”.

“سجل 1954” وسيف المواطنة المعلق

لم يقتصر النقاش على الحاضر، بل امتد ليشمل جذور الدولة الليبية ومفهوم المواطنة ذاته.
برز سؤال جوهري من أحد النشطاء موجهاً لتوغي ولسواها ممن يُطرح حولهم الشك: “هل توافقين على الرجوع لسجل 1954؟”. هذا السؤال ليس بريئاً في السياق الليبي، إذ يرمز إلى معيار قديم للـ”ليبية الأصلية” قبل تدفق موجات هجرة وتجنيس خلال العقود اللاحقة، وخصوصاً بعد عام 1969، الذي قال المعلق إنه “فتح ليبيا لكل من هب ودب”.

هنا ينتقل النقاش من لون البشرة إلى نقاء الأصل والتوثيق، ليصبح الماضي ومحفوظات الدولة العثمانية والإيطالية هو الحكم الفصل فيمن هو “ليبي أصلي”.

في مقابل ذلك، خرجت أصوات تحاول رأب الصدع بإعادة التأكيد على أن “ليبيا فيها السمر والبيض وعمرنا ما شفنا عنصرية عشان لون”.

هذه الرواية التي تكررت بصيغ مختلفة، تستند إلى فكرة أن النسيج الاجتماعي القبلي والعائلي متين لدرجة تحصن ضد التمييز المؤسسي. أحد المعلقين لخصها قائلاً: “نحن نحبهم ونفتخر وناسنا وأهلنا في الجنوب الليبي وهم جزء لا يتجزأ في حياتنا”.

لكن آخرين يرون أن هذا النفي المطلق لأي مظهر عنصري قد يكون شكلاً من إنكار الواقع، في بلد لا تزال فيه قضايا مثل إعادة إعمار تاورغاء وحقوق النازحين داخلياً ومواطني الجنوب، تشير إلى جروح قبلية وإثنية لم تلتئم بالكامل بعد.

المعاملة بالمثل وقوانين السيادة

بعيداً عن جدل اللون والعرق، تمحور خط ثالث من النقاش حول قضية السيادة والقانون، بعيداً عن أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية. هذه المدرسة الفكرية ترى أن المسألة برمتها لا تتعلق بالسواد أو البياض، بل بـ”احترام قوانين الدولة الليبية”.

وبرزت مطالبات واضحة بـ”ترحيل أي أجنبي مقصود” وبتطبيق القوانين “على كل الأجانب دون استثناء وأولهم الفلسطينيين” الذين وصفهم أحد المعلقين بأنهم “أبيض مننا ومع ذلك مطالبنا تطبيق القوانين عليهم”.

هذا التوجه يختزل الأزمة في إشكالية قانونية-أمنية تتعلق بالوجود غير الشرعي على الأراضي الليبية، ويرى أن ربطها بالعنصرية هو “ذَرٌّ للرماد في العيون”.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن “ليبية” الدولة تعني أن “خيرها لليبيين سمر وبيض”، وأن من لا يحمل الجنسية الليبية هو ببساطة “دخيل غير مرحب به”.

هذا الخطاب يكتسب قوته من الإجماع الشعبي على رفض التوطين، ومنطق “المعاملة بالمثل” كما عبر عنه أحد النشطاء: “لماذا نحن الليبيين عندما ندخل دولهم لازم تأشيرة وجواز السفر؟”.

إنه خطاب سيادي صرف، يرفض تهمة العنصرية جملة وتفصيلاً، ويعتبرها “خزعبلات” و”فتنة زايدة”.

خبراء: خطاب كراهية متصاعد رغم النفي

في خضم هذه التفاعلات المحمومة، يتحدث مراقبون للشأن الليبي عن تنامٍ مقلق لخطاب يحمل في طياته بذور التمييز، حتى وإن كان من يمارسونه ينكرون صفته العنصرية. ويوضح هؤلاء أن التحول من نقد سياسات الهجرة والتوطين إلى استهداف أفراد بناءً على أصولهم أو ملامحهم، يشكل “خطاً أحمر” يهدد السلم الاجتماعي.

أحد المعلقين قدم تحليلاً لافتاً يتسق مع هذا الطرح، قائلاً: “المشكلة الحقيقية ليست في من يقول إن ليبيا دولة أفريقية… بل في من يحاول تحويل الحقائق إلى تهم ويستبدل الحوار بالعنصرية والحجة بالإساءة”.

ويرى متابعون أن منشور توغي، بغض النظر عن خلفياته، نجح في إماطة اللثام عن ظاهرة “العنصرية المقنعة” التي تُمارس تحت غطاء الوطنية والدفاع عن السيادة.

فحتى أولئك الذين يصرون على أنهم “لن يفرقوا بين أسمر وأبيض”، قد يمارسون، بوعي أو بدونه، إقصاءً مبطناً حين يتم التعامل مع كل أسود على أنه “أجنبي حتى يثبت العكس”، وهي ممارسة تؤدي إلى مأساة صامتة يعيشها الليبي الأسود الذي يجد نفسه مضطراً دوماً لإثبات “وطنيته”.

نحو عقد اجتماعي جديد؟

تُظهر هذه المعركة الكلامية، في عمقها، مأزقاً وطنياً أكبر يتجاوز شخص مبروكة توغي وردود الفعل على منشورها. إنه مأزق بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، في مواجهة أعاصير من الانقسام الجهوي، والهجرة غير النظامية، والتدخلات الخارجية، والإرث الثقيل من سياسات التجنيس والتمييز.

في هذا السياق، تبدو دعوة توغي للجهات المختصة إلى “اتخاذ إجراءات حازمة ضد كل من يمارس أو يحرض على خطاب الكراهية”، وكأنها دعوة لتأسيس عقد اجتماعي جديد.

لكن هذا العقد، كما يبدو من التفاعلات، لا يزال بعيد المنال. فبين إصرار قطاع واسع على أن “ليبيا بنيت بسواعد رجالها سمر وبيض وأنه لن ينجح أحد في نشر الفتنة”، وبين اتهامات بـ”العب على وتر حساس” و”محاولة صرف الانتباه”، يبقى الشارع الليبي المنقسم سياسياً عاجزاً عن بلورة رؤية موحدة لما يعنيه أن تكون ليبياً.

يبقى صوت واحد من بين مئات التعليقات أكثر تعبيراً عن هذا المأزق، حين قال بأسى: “ليبيا لن تبنى بالكراهية ولا بالإقصاء بل بالعدالة والاحترام والمساواة بين جميع أبنائها، ومن يزرع الفتنة اليوم سيتحمل مسؤولية ما يحصده الوطن غداً”. ويبقى السؤال المعلق في سماء ليبيا: هل يتحول هذا الصوت من مجرد تعليق على فيسبوك إلى مبدأ مؤسس للجمهورية الليبية القادمة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى