عربىليبيا

خارطة طريق جديدة أم عملية اختطاف استباقية للقرار الوطني؟.. توافق مفاجئ بين رئاسات المجالس الثلاث يثير الجدل

ليبيا 24

مبادرات متضاربة في المشهد الليبي.. واتهامات متبادلة بين مؤيدي خارطة الطريق الأممية ورافضي “اتفاق البقاء” السياسي

صحوة متأخرة أم هندسة بقاء؟

في تطور سياسي مفاجئ، أصابت الأوساط السياسية الليبية بحالة من الجدل والارتباك، تزامناً مع إعلان رئاسات المجالس الثلاثة (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي) التوصل إلى اتفاق حول خارطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية، حددت بموجبه 17 فبراير 2027 موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

وجاء هذا الإعلان، الذي تم عبر تقنية الاتصال المرئي “الزوم” عشية إحاطة المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن، ليطرح تساؤلات عميقة حول توقيته ودوافعه ومضمونه، وسط اتهامات متبادلة بين الأطراف السياسية، ما بين من يراه خطوة إيجابية لإنهاء الجمود السياسي، ومن يعتبره محاولة يائسة من الأجسام الحالية لشراء الوقت وإجهاض مسارات بديلة تلوح في الأفق.

معركة المبادرات تتجه نحو النفق المسدود؟

تعيش ليبيا منذ سنوات حالة من الانسداد السياسي، تعددت معها المبادرات والمسارات، بدءاً من خارطة الطريق الأممية المعتمدة من مجلس الأمن في أغسطس 2025، مروراً بمبادرة مسعد بولس التي لاقت اهتماماً دولياً، وصولاً إلى مبادرة الأجسام الثلاثة التي أعلنت عنها مؤخراً، إضافة إلى جلسات الحوار المهيكل ولجنة 4+4 التي انبثقت عن مبادرة بولس.

ويبدو أن التعددية في المبادرات لم تخدم القضية الليبية بقدر ما زادت من تعقيدها، حيث تحولت كل مبادرة إلى ساحة صراع على النفوذ والشرعية، في غياب إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الأزمة، وهو ما عبر عنه عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة بدقة حين قال: “لن يكون الحسم لمن يطرح المبادرات أو يكثر من البيانات، بل لمن ينجح في تطبيقها على أرض الواقع، فذلك هو من سيكسب معركة توحيد مؤسسات الدولة”.

وثيقة الرئاسات الثلاث: قراءة في البنود والتفاصيل

المضمون: خارطة طريق أم وثيقة بقاء؟

تنص الوثيقة التي وقعها كل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، على جملة من التفاهمات، أبرزها:

· التمسك بمرجعية الإعلان الدستوري وتعديلاته والاتفاق السياسي وملاحقه.
· إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير 2027.
· اعتماد اتفاق بوزنيقة كمرجع لتسمية المناصب السيادية وإعادة توحيدها.
· تشكيل لجنة سيادية عليا للإشراف على الانتخابات تضم رئيس المفوضية وعسكريين وأمنيين من الشرق والغرب.
· إضافة مؤسستي الاستثمارات الليبية الخارجية والمؤسسة الوطنية للنفط إلى قائمة المناصب السيادية الخاضعة للمادة 15 من الاتفاق السياسي.

التوقيت: ضربة استباقية لإجهاض المسار البديل؟

يبدو أن توقيت إصدار هذه الوثيقة لم يكن محض صدفة، بل جاء كرد فعل على مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في إحاطة المبعوثة الأممية لمجلس الأمن، والثاني يتعلق بمخرجات الحوار المهيكل الذي كان يلوح بإمكانية تجاوز الأجسام الحالية.

وهو ما أكده عضو الحوار المهيكل مصطفى البحباح، معتبراً أن “توقيت إصدار رؤساء المجالس الثلاثة وثيقتهم قبل إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن يهدف إلى إظهار وجود توافق محلي وإضعاف فرص اللجوء إلى مسارات بديلة تقودها البعثة الأممية”، مشيراً إلى أن “الوثيقة الموقعة من رؤساء المجالس الثلاثة ليست خارطة طريق، بل محاولة للحفاظ على الأجسام السياسية القائمة”.

موقف مجلس الدولة: انقسامات داخلية واتهامات بالتجاوز

لم يمر إعلان الوثيقة دون ردود فعل غاضبة من داخل المجلس الأعلى للدولة، حيث اعتبر عضو المجلس نوح المالطي أن “توقيع محمد تكالة على هذا الاتفاق دون الرجوع إلى قاعدة المجلس يعتبر باطلاً”، مستنداً إلى قرار سابق يقضي بتجميد عضوية أي عضو يبرم اتفاقات دون العودة للمجلس، مشيراً إلى أن “خارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها هي رجوع إلى المربع الأول وتمديد لفترة الأجسام المنتهية”.

وأضاف المالطي أن “هناك ضرورة للإسراع في إجراء انتخابات برلمانية أولاً قبل نهاية هذا العام، لأن استمرار تمسك الحكومات الحالية من الطرفين قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي وعدم قدرة أي حكومة على إنقاذ البلاد”.

موقف مجلس النواب: وثيقة الرئاسات لا المجالس

من جانبه، نفى عضو مجلس النواب جلال الشويهدي علم أعضاء البرلمان بالوثيقة، معتبراً أنها “بيان صادر عن رئاسات المجالس الثلاث، وليس عن مجلسي النواب أو الدولة”، مشدداً على أن “إجراء انتخابات دون وجود حكومة موحدة أمر غير واقعي وغير قابل للتطبيق”.

ودعا الشويهدي إلى “تشكيل حكومة موحدة ومنحها فترة لا تقل عن سنتين للتحضير للانتخابات”، محذراً من أن “إجراء انتخابات في ظل استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، سيؤدي إلى تعميق الانقسام السياسي”.

وفي سياق متصل، أكد عضو مجلس النواب عبد الناصر النعاس أن “أعضاء البرلمان لا علم لهم بالوثيقة التي سربها المنفي”، مشيراً إلى أن “الخلاف بين مجلسي النواب والدولة بشأن القوانين الانتخابية لا يزال قائماً”، متهمًا مجلس الدولة بعرقلة عمل البرلمان وتجاوز اختصاصاته.

قراءة الدبلوماسي الأسبق: عقبات دستورية وزمنية

أجرى الدبلوماسي الأسبق حسن الصغير قراءة فنية دقيقة للوثيقة، رصد خلالها مجموعة من العقبات التي تعترض تنفيذها، حيث أشار إلى أن “محمد تكالة لم يتبقى في رصيده إلا دقيقة واحدة، سيكون هناك رئيس جديد لمجلس الدولة بعد أسابيع”، معتبراً أن “التعديل الدستوري الرابع عشر يعني نصاباً في المجلسين وثلثي أعضاء المجلسين، وهو أمر بعيد الاحتمال بل شبه مستحيل”.

كما أكد الصغير أن “نقل مؤسستين تنفيذيتين تابعتين بموجب قوانين وقرارات إنشاءهن للسلطة التنفيذية أمر شبه مستحيل”، مشيراً إلى أن “ثمانية أشهر كسقف لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية أمر شبه مستحيل زمنياً وفق جداول المفوضية للترشح والتسجيل والطعون، ضف إلى ذلك أن القوانين الانتخابية لم تصدر بعد ولا التعديل الدستوري”.

الموقف الداعم: قراءة سياسية لخيار السيادة

في المقابل، قدم المحلل السياسي فيصل بوالرايقة قراءة مختلفة للوثيقة، معتبراً أنها “ليست مجرد خارطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية، بل رد سياسي مكتوب على خطة مسعد بولس”، موضحاً أن “الفكرة ليست في ذكر بولس بالاسم، بل في سحب الأرض من تحت خطته”.

وأشار بوالرايقة إلى أن “الوثيقة تنقل المشهد من تسوية أشخاص إلى مسار مؤسسات، ومن تفاهم خارجي حول السلطة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، ومن النفط كمدخل للتسوية إلى النفط كملف سيادي لا يدار إلا عبر المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي”.

واعتبر أن “التوقيت ليس ساذجاً، ظهورها مع إحاطة الملف الليبي يعني أن الرسالة موجهة إلى مجلس الأمن بقدر ما هي موجهة إلى الداخل، لا تقولوا أن ليبيا بلا مسار، فهذا مسار ليبي موقع من الرئاسات، ومن أراد المساعدة فليدخل من بابه لا من باب التسويات”.

الموقف المتشائم: نظرية المؤامرة والصراع على البقاء

لم تخلُ ردود الفعل من نبرة تشاؤمية حادة، حيث ذهبت الناشطة السياسية نادية الراشد إلى اتهام مبادرة المجالس الثلاث بأنها “ليست إلا صب الزيت على النار، من تيار إرهابي، ليقطع الطريق أمام قيام الدولة، وتمكين المجنسين”، معتبرة أن “الأيام القادمة حُبلى بالمفاجآت، وجحيم على الأوباش، في انتظار المزيد لصالح الليبيين”.

ورأت الراشد أن “كل هذه الاتفاقات ضدكم وليست معكم، وتعد ضرباً من الخيال، وأزمة مضافة لباقي الأزمات المتكررة”.

الصوت العسكري: الحل في توحيد المؤسسة العسكرية

في سياق مختلف، طرحت الإعلامية عفاف الفرجاني سؤالاً محورياً، قالت فيه: “الغريب أن ثلاثي الأزمة يتحدث اليوم عن الانتخابات وكأنها العصا السحرية، التي ستنقذ البلاد من براثن الفساد والفوضى والانقسام، بينما لا أحد يجرؤ على طرح السؤال الأهم: ماذا عن الأجسام المسلحة التي تفرض نفوذها على الأرض؟”

وأكدت الفرجاني أن “الانتخابات في ظل الانقسام العسكري ووجود التشكيلات المسلحة لن تنتج دولة مستقرة، بل قد تعيد إنتاج الأزمة بأسماء ووجوه جديدة”، داعية إلى “الاشتغال بجدية على توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة والسلاح”.

صوت المتحدث باسم الكفرة: تجاوز هذه الأجسام المتحللة

في موقف أكثر تشدداً، اعتبر المتحدث الإعلامي باسم الكفرة أن “ما تم الإعلان عنه اليوم من اتفاق بين المجلس الرئاسي والنواب والدولة هو محاولة سخيفة ويائسة”، مشيراً إلى أن “الأحداث والمفاوضات تجاوزت هذه الأجسام المتحللة”.

ورأى أن “جلسات الحوار سواء 4+4 أو الحوار المهيكل كفيل بتعويض المجالس سيئة الصيت والقيام بدورها بل وأفضل منها”، مؤكداً أن “الحل المطروح والأقرب للواقع والممكن هو الفريق صدام رئيساً للمجلس الرئاسي والقائد الأعلى للجيش، وإقليم طرابلس يأتي برئيس حكومة وتحديد مواعيد للانتخابات بضمانات دولية”.

الصوت الإعلامي الساخر: تناغم دار الإفتاء مع المجالس

من زاوية ساخرة، علق الإعلامي خليل الحاسي على ما وصفه بـ”تناغم دار الإفتاء مع البرلمان والرئاسي والدولة”، معتبراً أن “دار الإفتاء وهي أكبر مؤسسة إرهابية في الستة المهيكلون ضد توافق 124 عضواً”، واصفاً المجالس الثلاث بأنها “سرطانية لاتخاذ هذه الخطوة الرسمية”.

صوت الاحتجاج الشعبي: دعوات للخروج إلى الشارع

في خطاب متطرف، دعا المحلل السياسي سليمان إلى “البدء في احتجاجات اجتماعية واسعة لفرض تغيير شامل”، معتبراً أن “قادة الأمر الواقع وصلوا لطريق مسدود، وليس أمامهم إلا استدعاء أبناء الفقراء للموت في حرب جديدة للدفاع عن مكاسب اللصوص والفاسدين”.

البعد الدستوري والقانوني: عقبات شبه مستحيلة

تواجه وثيقة الرئاسات الثلاث تحديات دستورية وقانونية جمة، أبرزها الحاجة إلى تعديل دستوري يتطلب نصاباً في المجلسين وثلثي أعضائهما، وهو ما وصفه حسن الصغير بأنه “شبه مستحيل”، إضافة إلى أن القوانين الانتخابية لا تزال محل خلاف بين مجلسي النواب والدولة.

كما أن تحديد موعد الانتخابات في 17 فبراير 2027، أي بعد أكثر من عام، يثير تساؤلات حول الجدية في تنفيذ هذا الموعد، خاصة في ظل غياب القوانين الانتخابية والتعديلات الدستورية، فضلاً عن الحاجة لتغيير محافظ المصرف المركزي ورئيس المفوضية، وهو ما يستغرق وقتاً طويلاً.

البعد السياسي: صراع على النفوذ والشرعية

في قراءة أعمق، يمكن النظر إلى وثيقة الرئاسات الثلاث كجزء من صراع محتدم على النفوذ والشرعية، حيث تسعى الأجسام الحالية إلى تأكيد دورها واستمراريتها في المشهد السياسي، في مواجهة مسارات بديلة قد تؤدي إلى تجاوزها، سواء عبر مبادرة مسعد بولس أو عبر الحوار المهيكل.

وهذا ما عبر عنه مصطفى البحباح بوضوح، حين وصف الوثيقة بأنها “عملية اختطاف استباقية للقرار الدولي والمحلي”، مؤكداً أنها “تمنح الأجسام الحالية فترة بقاء أطول في السلطة”.

البعد الاقتصادي: النفط والاستثمارات في قلب الصراع

يبرز الجانب الاقتصادي كأحد أهم مكونات الوثيقة، حيث أضافت مؤسستي الاستثمارات الليبية الخارجية والمؤسسة الوطنية للنفط إلى قائمة المناصب السيادية، وهو ما اعتبره البحباح “اتفاقاً صريحاً على تقاسم منابع الثروة والمحافظ الاستثمارية بين الأقطاب الثلاثة، وتوسيع دائرة الغنائم لضمان ولاء الجميع للوضع القائم”.

البعد الأمني: لجنة التناقضات العليا

أثار تشكيل لجنة سيادية عليا للإشراف على الانتخابات، تضم محافظ المركزي ورئيس المفوضية وعسكريين وأمنيين من الشرق والغرب، تساؤلات حول جدواها، حيث رأى البحباح أن “هذه اللجنة وُلدت مشلولة عمداً، لتكون الشماعة التي ستُعلق عليها مبررات تأجيل انتخابات 2027 لاحقاً”.

الخلاصة: أفق الانتخابات بين الأمنيات والعقبات

تظل مسألة الانتخابات في ليبيا رهينة التوازنات السياسية المعقدة، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية. فرغم التعددية الكبيرة في المبادرات والمسارات، تظل العقبات الرئيسية قائمة، وفي مقدمتها غياب الإرادة السياسية الحقيقية، وتعدد مراكز القوة، وضعف المؤسسات، وغياب الأمن والاستقرار.

ويبقى السؤال الأهم الذي طرحه بن شرادة: “من يملك القدرة على تنفيذ خارطة الطريق الأممية المعتمدة من مجلس الأمن في أغسطس 2025؟ هل تستطيع الأجسام الثلاثة القيام بذلك؟ أم أن لجنة (4+4) هي القادرة على إنفاذها؟ أم أن الأمر يتجاوز اللجان والاتفاقات إلى وجود إرادة سياسية وقوة تنفيذية موحدة قادرة على فرض الأمن وتوحيد المؤسسات؟”.

وفي غياب إجابة واضحة على هذه الأسئلة، تبقى التحديات التي تواجه العملية الانتخابية في ليبيا قائمة، وتظل المخاوف من تعميق الانقسام وليس حله في حال إجراء انتخابات غير مكتملة الشروط، كما حذر جلال الشويهدي، أو إعادة إنتاج الأزمة بأسماء ووجوه جديدة، كما نبهت عفاف الفرجاني.

لعل ما عبّر عنه سعد بن شرادة في ختام تصريحاته كان الأكثر دقة في وصف المشهد، حين قال: “هذا حصانكم، وهذه السدرة، والميدان هو الفيصل”، مؤكداً أن المعركة الحقيقية ليست في كتابة الوثائق أو إصدار البيانات، بل في القدرة على تطبيقها على أرض الواقع، في اختبار حقيقي لإرادة الأطراف السياسية في تجاوز مصالحها الضيقة لصالح الوطن والشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى