الكوني يرسم حدود السلطة: المجلس الرئاسي ليس «فرداً» وقراراته المنفردة «والعدم سواء»
تفويض المخابرات والأركان فرادى قرار والعدم سواء بحسب الكوني
ليبيا 24
الكوني: أي تعيين سيادي خارج الإجماع الرسمي مصيره البطلان
وسط فوضى إدارة الدولة التي تتقاذفها الأطماع الضيقة، خرج عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني بتصريحات بدت أشبه بروشتة مؤسسية يحاول كسر حلقة التفرد التي تنخر جسد السلطة التنفيذية.
في لحظة نادرة من الوضوح، وضع الكوني سقفاً صارماً لأي محاولة لإعادة إنتاج نموذج الحكم الفردي عبر بوابة التعيينات السيادية، مستخدماً لغة لم تخلُ من التحذير المبطّن لشركائه في المجلس.
آلية القرار الجماعي: لا شرعية خارج المحضر
قال الكوني إن المجلس الرئاسي يمارس اختصاصاته باعتباره سلطة جماعية، مشدداً على أن «حتى المسائل الداخلة ضمن اختصاصه، بما فيها شغل المناصب القيادية والسيادية، لا تكتسب صفة القرار إلا بعد مناقشتها وإقرارها في اجتماع رسمي».
وأوضح أن هذا المسار ليس خياراً إجرائياً بل ركيزة دستورية نص عليها الاتفاق السياسي الموقع في جنيف، مشيراً إلى أن القرار «يتطلب إثباته بمحضر معتمد واستكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية النافذة».
ويشي هذا الإصرار على قدسية المحضر الرسمي بمدى التوجس من قرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة وتُسوّق لاحقاً تحت يافطة التوافق المزعوم.
المخابرات والأركان في مرمى الصراع الخفي
أوضح الكوني، دون مواربة، أن مبدأ الجماعية «يشمل ذلك منصبي رئيس المخابرات العامة ورئيس الأركان»، وهما المنصبان اللذان يدور حولهما منذ أسابيع سجال مرير تُرجم في تسريبات إعلامية عن تحركات أحادية لإزاحة شاغليهما.
وقال إن «السير في عملية أي تغييرات بتلك المناصب مطلب مشروع وعاجل»، لكنه سارع إلى ربط الشرعية بالصندوق الإجرائي، موضحاً أن ذلك لا ينفك عن «شرط استيفاء الأسس المعمول بها». وفي هذا الربط تفكيك ضمني لخطاب التيار الداعي إلى التغيير الفوري بذريعة الضرورة الأمنية، وإعادة الملف برمته إلى طاولة الاجتماع الرسمي بدل الغرف المغلقة.
«والعدم سواء».. سقف التحذير الأعلى
ولم يترك الكوني مجالاً للتأويل حين اختتم تصريحاته بالقول إن «ما يصدر خلاف ذلك هو والعدم سواء». المفردة، التي تعود إلى قاموس الفقه الدستوري أكثر مما تعود إلى قاموس التصريحات السياسية، حملت في طياتها توصيفاً قاطعاً لبطلان أي إجراء خارج السياق التوافقي.
وأوضح أن «الالتزام بهذه الآلية يمثل الضمانة الأساسية لصحة الإجراءات وترسيخ العمل المؤسسي داخل المجلس»، في إشارة لا تخطئها العين إلى أن الانزلاق نحو القرارات الانفرادية لا يهدد فقط شرعية المنصب المستهدف، بل ينسف ما تبقى من هشاشة المؤسسة الرئاسية نفسها.
شرعية التغيير مرهونة بالصندوق الإجرائي
تصريحات الكوني، بهذا القدر من الصرامة، لا تُقرأ بمعزل عن التنافس المحموم داخل المجلس الرئاسي الذي تحول إلى ساحة تصفية حسابات بالوكالة عن قوى إقليمية.
فهي من جهة تؤكد أن الطريق إلى أي إصلاح في هرم المؤسستين الأمنية والعسكرية يمر حصراً عبر جنيف، أي عبر إجماع يوثق في محضر لا يقبل الاجتهاد، ومن جهة أخرى تفضح هشاشة الكيان التنفيذي الذي يبدو عاجزاً عن توليد قرارات يمتثل لها الجميع طواعية.
وبينما تغرق ليبيا في انهيار الخدمات وتمدد النفوذ المسلح، يعود النقاش مجدداً إلى السؤال المؤسسي الأول: هل المجلس الرئاسي سلطة جماعية فعلية، أم مجرد ديكور لتقنين قرارات سبق أن اتخذها أصحاب المصلحة الحقيقيون خارج أسواره؟



