التصعيد الأمريكي الإيراني يربك خطط التكرير ويهدد بإطالة أزمة الوقود العالمية
تعطل مسارات الإمدادات عبر هرمز وباب المندب يرفع مخاطر نقص الوقود ويضغط على الأسعار

أعاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران رسم ملامح سوق الطاقة العالمية، بعدما تسبب في اضطراب تدفقات النفط الخام من منطقة الخليج، وألقى بظلاله على خطط شركات التكرير الآسيوية لزيادة الإنتاج خلال أغسطس، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار نقص إمدادات الوقود وارتفاع الأسعار العالمية لفترة أطول.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الرهان على انتعاش إنتاج الوقود في آسيا خلال الربع الثالث أصبح أكثر هشاشة، بعدما أدت المخاطر الأمنية في مضيق هرمز وباب المندب إلى إرباك حركة الشحنات النفطية، وإطالة زمن وصول الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية، في وقت تعمل فيه المصافي الأمريكية والأوروبية بالفعل بالقرب من طاقتها الإنتاجية القصوى.
اختناقات الإمدادات تعيد تشكيل سوق الطاقة
قبل اندلاع التصعيد، كانت شركات التكرير الآسيوية تستعد لرفع معدلات التشغيل اعتمادًا على توقعات باستقرار إمدادات النفط الخام، إلا أن الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تهديدات الحوثيين باستهداف حركة الصادرات السعودية عبر البحر الأحمر، فرضت واقعًا جديدًا على حركة التجارة النفطية.
وأجبرت هذه التطورات بعض ناقلات النفط السعودية المتجهة إلى الصين والهند على تغيير مساراتها، بينما حذرت مؤسسات بحثية من أن تحويل جزء كبير من الصادرات السعودية إلى طرق بحرية أطول سيؤدي إلى تأخير وصول الشحنات وارتفاع تكاليف النقل، بما يزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
وتزامن ذلك مع استمرار القيود الروسية على صادرات الديزل نتيجة الهجمات الأوكرانية على المصافي، وهو ما ضاعف الضغوط على سوق المنتجات النفطية، خاصة البنزين والديزل ووقود الطائرات، ودفع هوامش أرباح المصافي إلى مستويات قياسية في الولايات المتحدة وأوروبا، وإلى أعلى مستوياتها في شهرين داخل آسيا.
الصين أمام اختبار تعويض النقص العالمي
ورغم أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى ارتفاع إنتاج المصافي الآسيوية خلال الربع الثالث، فإن استمرار تعطل الإمدادات قد يعرقل هذا المسار، خصوصًا إذا استمرت التأخيرات في وصول النفط القادم من الشرق الأوسط.
وتبرز الصين باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على تعويض جزء من النقص المحتمل، بفضل انخفاض معدلات تشغيل مصافيها مقارنة ببقية آسيا، وامتلاكها مخزونات كبيرة من النفط الخام، إضافة إلى مرونة أكبر في زيادة الإنتاج إذا استمرت بكين في تخفيف قيود تصدير الوقود.
في المقابل، تبدو خيارات الأسواق الأخرى أكثر محدودية، إذ تعمل المصافي في الولايات المتحدة وأوروبا عند مستويات تشغيل مرتفعة بالفعل، ما يقلص قدرتها على زيادة الإنتاج بصورة مؤثرة لمواجهة أي نقص إضافي في الإمدادات.
ويعكس المشهد الحالي هشاشة التوازن في سوق الطاقة العالمية، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار مرتبطًا فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضًا بسلامة الممرات البحرية وسرعة وصول الإمدادات.
كما أن الاعتماد الكبير على عدد محدود من طرق العبور الاستراتيجية يجعل أي تصعيد جيوسياسي قادرًا على إحداث اضطرابات واسعة تتجاوز حدود المنطقة، وهو ما يعزز احتمالات استمرار الضغوط على أسواق الوقود العالمية خلال الأشهر المقبلة ما لم تستقر حركة الإمدادات أو تنجح الصين في سد جزء من فجوة الإنتاج.



