
ليبيا 24
انهيار شامل للكهرباء يغرق ليبيا في الظلام والغضب الشعبي
في مشهد يجسد المأساة اليومية للمواطن الليبي المطحون، انهارت منظومة الكهرباء الوطنية بشكل كامل في إظلام تام جديد، لتغرق مناطق شاسعة من شرق البلاد وغربها في ظلام دامس، وذلك بعد 144 ساعة فقط من خطاب ناري أطلقه عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة منتهية الولاية، وعد فيه بمحاسبة الفاسدين وتبشير المواطنين بـ”أخبار طيبة”.
لكن ما وصل إلى بيوت الليبيين لم يكن سوى مزيد من الانقطاعات، ومزيد من الوعود التي تذروها الرياح، في بلد يطفو على بحيرات من النفط والغاز، بينما يغرق أبناؤه في بحر من الظلام والإهمال.
هذا الانهيار الجديد، الذي وصفه مراقبون بأنه اختبار صيفي أول سقطت فيه حكومة الدبيبة، لم يكن حدثاً عابراً، بل تتويجاً لمسار طويل من الفشل المؤسسي، حيث تكررت انقطاعات شاملة للتيار الكهربائي (إظلام تام) أربع مرات في أقل من أسبوعين، كان أبرزها إظلامان في مدينة مصراتة وثلاثة في الشبكة الشرقية، بالتزامن مع خروج متكرر لوحدات التوليد عن الخدمة وزيادة مطردة في ساعات طرح الأحمال.
وفي تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي، لم تشهد البلاد أي انعقاد للجمعية العمومية للشركة، ولا لمجلس الإدارة، ولم تُشكل أي لجنة تحقيق ذات مصداقية، ولم يصدر أي توضيح رسمي مقنع لأسباب الانقطاعات، ناهيك عن أي تحسن ملموس في الخدمة. لقد تأكد للمواطن، بما لا يدع مجالاً للشك، أن إدارة الأزمة هي مجرد إدارة للأعذار.
هيكل إداري مصمم للفشل واقتصاد الريع المستنزف
تكشف الأزمة الحالية عن حقيقة مرة، وهي أن المشكلة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة حتمية لنموذج إداري واقتصادي ريعي مصمم لكي لا يعمل بكفاءة.
ففي تحليل معمق، أوضح رجل الأعمال حسني بي أن جمع أنشطة التوليد والنقل والتوزيع والشراء والصيانة داخل هيكل واحد، دون فصل مالي وتشغيلي واضح، يجعل من الصعب، بل من المستحيل، قياس الأداء والمحاسبة.
وفي غياب بيانات واضحة حول تكلفة الإنتاج الحقيقية، وحجم الفاقد الفني وغير الفني، وكفاءة المحطات، يصبح الحديث عن حلول جذرية مجرد عبث.
ويزداد المشهد قتامة عند إدراك الأرقام الحقيقية للإنفاق. فبينما يتحدث البعض عن 27 مليار دينار تم صرفها في سبعة أشهر فقط، وأكثر من 90 مليار دينار منذ عام 2021، يؤكد حسني بي أن تكلفة الكهرباء الحقيقية في ليبيا تتجاوز 60 إلى 65 مليار دينار سنوياً، عند احتساب المحروقات والغاز والتكاليف التسييرية، وليس فقط الإنفاق التنموي الظاهر في الميزانيات.
هذه المليارات التي تتبخر سنوياً، في بلد يعتمد اقتصاده كلياً على النفط ويتحول إلى اقتصاد ريعي غير منتج، كان يمكن لها أن تبني منظومة كهربائية متكاملة، لولا أن المشكلة، كما يصفها المحلل السياسي خالد الحجازي، ليست في نقص المال، بل في عجز الإدارة الذي يضرب الكهرباء والوقود معاً وسط اتهامات متبادلة بالفشل.
لصوص المال العام ومصانع الظلام: الاقتصاد الخفي يلتهم الشبكة
في خضم هذا العجز، تبرز أصابع الاتهام نحو اقتصاد خفي يلتهم مقدرات الليبيين بصمت.
لقد كشف نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عن حقيقة صادمة، وهي أن ليبيا تحتل المرتبة الأولى عربياً في التعدين الرقمي للعملات المشفرة، وأن السبب الرئيسي في انقطاع الكهرباء وطرح الأحمال ليس نقصاً في التوليد أو الوقود كما تزعم الجهات الرسمية، بل هو فقد وتسريب هائل للطاقة عبر مقرات ومصانع ومزارع تعدين رقمية تدار من قبل أجانب تحت حماية شركات وميليشيات ليبية.
هذه المزارع التي تستهلك ما يعادل استهلاك أحياء سكنية كاملة، تعمل على مدار الساعة دون حسيب أو رقيب.
وهنا يبرز السؤال الذي وجّهه الطبيب عامر التواتي: أين ذهبت الأموال؟ محذراً من أن “لصوص المال العام” سيخرجون علينا ليصفوا الشركة العامة للكهرباء بالفشل لأنها عامة، تمهيداً لدعوات “الخصخصة” التي يروج لها “سماسرة الكمبرادو” و”ليبراليو الخراب”.
هذا التحذير يلقى صداه في تساؤلات عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، الذي ربط بين ثراء بعض المسؤولين ومعاناة المواطن، متسائلاً: “كيف تزداد ثروات بعض المسؤولين في الوقت الذي تزداد فيه معاناة المواطن، وتتراجع الخدمات الأساسية؟”.
إن المطالبة بالشفافية والإفصاح والمساءلة، كما يؤكد بن شرادة، ليست ترفاً، بل حق أصيل لكل مواطن كادح يرى المليارات تُنفق دون نتيجة، بينما يطلب منه الصبر كل يوم.
“فشل قيادي نخبوي” ومواطن يخفض سقف طموحاته
المواطن الليبي، الذي أنهكته الوعود الكاذبة والخطابات النارية، بات ينظر بعين الريبة إلى كل ما يصدر عن السلطة. المحلل السياسي محمد قشوط عبّر عن هذه الحالة بدقة حين قال إن “الأوضاع المعيشية دفعت المواطن الليبي إلى خفض سقف تطلعاته، حتى أصبح الحصول على ساعات أقل من انقطاع الكهرباء، أو التمكن من سحب مبالغ نقدية من المصارف، أو التزود بالوقود، يُنظر إليها باعتبارها إنجازات”.
هذه العبارة تجسد المأساة الحقيقية لشعب حوّلته حكومة الدبيبة، على حد وصف الطاهر الغرابلي، إلى “مضحكة” لا يملك ما يواجه به العالم.
الكاتب السياسي جبريل العبيدي ذهب إلى أعمق من ذلك، واصفاً الحال بأن ليبيا ابتليت بـ”فشل سياسي نخبوي”، جعلها تقف عاجزة أمام توفير أبسط الخدمات رغم ثرواتها المهولة، تماماً كما يفشل السودان الشقيق في إطعام نفسه رغم خيراته.
وأكد العبيدي أن “الشيء الوحيد القادر على قهر الحظ العاثر هو العمل الجاد، الأمر المفقود في ليبيا”.
عضو لجنة الحوار المهيكل، د. منال أبوعميد، لخصت الأزمة بسؤال مرير: “كيف تفتحوا كل أبواب الإنفاق، بينما أهم ملف يمس حياة الليبيين ما زال غارق في الفشل؟ نحن في دولة منقسمة، ومؤسساتها مختلف عليها، ومع هذا تلقوا الوقت والفلوس لكل شيء… إلا الكهرباء”.
وأكدت أن الأولوية اليوم ليست للمشاريع الاستعراضية أو صناعة الإنجازات الوهمية، بل للكهرباء والصحة والأمن، لكنها استنتجت أن “الملف الوحيد اللي يتحرك بسرعة هو الملف اللي فيه عقود، ومناقصات، ومصالح”.
المحاسبة الغائبة وصوت الشارع الذي يغلي
المطالبة بالمحاسبة لم تعد تقتصر على النشطاء والمحللين، بل أصبحت مطلباً عاماً. الكاتب الصحفي بشير زعبية تساءل بمرارة مقارناً الوضع بتونس المجاورة: “ألا تعد شكاوى الناس في ليبيا ومناشداتهم ومطالبهم المستمرة بلاغًا إلى النائب العام لفتح ملف تحقيق موسع وشفاف ومعلن مع المسؤولين؟”.
وحذر من أن “الضغط يولد الانفجار”، وهو تحذير يلقى صداه في احتجاجات شهدتها مناطق مثل تاجوراء، حيث أضرم مواطنون غاضبون النار في الإطارات تنديداً بـ”عدم العدالة” في طرح الأحمال.
التجمع الوطني للأحزاب الليبية حمّل حكومة الدبيبة والجهات التنفيذية المسؤولية السياسية والإدارية الكاملة عن الإخفاق، مطالباً هيئات الرقابة والنيابة العامة بفتح تحقيق عاجل وشامل في النفقات والعقود والمشروعات المتعثرة، وإعلان النتائج للرأي العام.
وأكد التجمع أن “الحصول على خدمة كهربائية مستقرة وآمنة يعد حقًا أساسيًا لجميع المواطنين، ولا يجوز أن يكون محل مساومة أو تأخير”.
هذا الموقف الرسمي تزامن مع موقف المجلس الأعلى للدولة الذي أعرب عن “بالغ القلق” وحمّل الحكومة المسؤولية كاملة، في إشارة إلى تصاعد الخلاف بين رئيسه محمد تكالة والدبيبة حول إدارة هذا الملف الحيوي.
حلول ترقيعية في مواجهة أزمة هيكلية
في ظل هذه الفوضى، تبقى الحلول المطروحة من قبل الحكومة مجرد مسكنات مؤقتة، وهو ما يرفضه خبراء ومحللون. حقيقة أن الشبكة فقدت نحو 1350 ميغاواط بينما لا يتجاوز إنتاج المحطات المتهالكة 7500 ميغاواط في وقت يتجاوز فيه الطلب 10 آلاف ميغاواط، تجعل من الطبيعي استمرار العجز والانقطاعات.
ولكن الأزمة، كما يشرح المتخصص بالشؤون الليبية سعد الدينالي، هي نتاج تراكم مشكلات فنية وإدارية وسياسية وأمنية منذ عام 2011، من تقادم المعدات وغياب الصيانة، إلى غياب استراتيجية تخطيط طويل الأجل، وتأخر تنفيذ المشاريع بسبب الانقسام السياسي.
وأكد أن توفير الكهرباء يتطلب استقراراً مؤسساتياً، وهو أمر غائب تماماً.
حسني بي قدم وصفة إصلاحية متكاملة تتجاوز فكرة بناء محطات جديدة فقط، مؤكداً أن “أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة نقص محطات، بل أزمة استهلاك مفرط وإدارة وتخطيط وحوكمة”.
ودعا إلى إصلاح شامل يبدأ بتغيير منظومة الدعم من سعري إلى نقدي لترشيد الاستهلاك، وإعادة تأهيل وحدات التوليد القائمة، وضمان توفير الغاز الطبيعي للمحطات والوقف عن التشغيل المكلف بالديزل، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتطبيق العدادات الذكية. ودعا مهندسون إلى ضرورة فصل الشبكة الشرقية عن الغربية كإجراء مؤقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإلى الاعتماد على الطاقة البديلة.
كما اقترح وزير الاقتصاد السابق منير علي عصر فكرة استشرافية بإنشاء “مرصد وطني للمخاطر الاقتصادية” للتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها، مؤكداً أن “إدارة الأزمات تبدأ قبل الأزمة لا بعدها”.
عتمة تسبق الانفجار
بين انقطاع التيار الذي يضرب المستشفيات والمصارف والاتصالات ويُتلف الغذاء والدواء، وبين حرارة تقترب من 50 درجة مئوية، وبين مليارات تبخرت في غياب تام للشفافية والمحاسبة، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الوحيدة.
إنه يدفع الثمن من جيبه ومن أعصابه، محاصراً بين فشل حكومة الدبيبة التي وصفها المحلل السياسي خالد الحجازي بأنها “تنهار في أول اختبار صيفي”، وبين اقتصاد خفي تديره الميليشيات، ونخبة سياسية منشغلة بالتناطح والتشظي.
إن السخرية التي يتداولها الليبيون عن أن بلادهم ما زالت “تكرم” مخترع الكهرباء بإطفائها كل يوم، هي أقسى تعبير عن يأس شعب يرى أن معركته القادمة لن تكون من أجل التنمية، بل من أجل استعادة حقه المسلوب في خدمة أساسية لا تستقيم الحياة بدونها.
وكما حذر بشير زعبية، فإن استمرار هذا الوضع هو إجراء غير استباقي أمام احتمالات الانفجار، في بلد يدفع فيه الجميع ثمن فشل الجميع، بينما يزداد اللصوص ثراءً.



