ليبيا

جدل “النسوية” يفجّر تناقضات المجتمع الليبي… حرب روايات بين “وصاية القيم” و”التمكين المغيب”

منصات التواصل ساحة صراع حول المرأة الليبية... اتهامات بـ"تغريب العفاف" وردود بـ"قناع الفساد

ليبيا 24

ليبيا ومعركة الهوية على جسد المرأة: بين خطاب “حماية الأسرة” و”شريك في القرار”

في انزياح لافت لدور منصات التواصل الاجتماعي من فضاء للتعبير الفردي إلى ساحة معركة أيديولوجية كبرى، يتصاعد في ليبيا جدل محتدم لم يعد خافياً على أحد، تعيد صياغته حسابات جديدة تنشط بشكل ملحوظ تحت مظلة ما يُعرف بـ”النسوية”.

هذا الجدل لا يدور فقط حول حقوق المرأة، بل يغوص عميقاً في بنية المجتمع الليبي وهويته، متخذاً من قضايا التعليم والعمل والحرية الشخصية وقائع يستند إليها فريقان، يرى كل منهما في موقف الآخر تهديداً وجودياً لنموذج الدولة والمجتمع الذي يسعى لبنائه.

الوقائع على الأرض تقدم صورة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع النصوص القانونية مع واقع أمني واقتصادي هش، وتتصادم فيها خطابات دينية وقبلية مع نزوع نحو فردانية معولمة.

معركة “الحرمان” والأرقام: سجال بين القانون والواقع

في قلب الحملة الناشطة على تطبيق “تيك توك”، يتبلور سؤال مركزي لدى أطراف عديدة: “المرأة الليبية محرومة.. محرومة من شنو؟”. ينطلق هذا التيار من مسلّمات قانونية راسخة، مؤكداً أن “القانون الليبي لا يمنع المرأة الليبية لا من شغل ولا من تعليم ولا من قيادة سيارة، ولا حتى في لبسها ما يتدخلش أصلا، والقانون واقف مع المرأة 100/100، حتى في حالات الطلاق لو ثبت الضرر”.

وبناءً على هذه القاعدة، تتجه أصابع الاتهام إلى الحملة الجديدة بأنها تخلق عدواً وهمياً، متسائلة: “الحملة نُطالب تطالبوا في من بالزبط؟”.

ويرفض هذا التيار بشدة ما يعتبره تعميماً ممنهجاً، معتبراً أن “حالات فردية” لجرائم قتل نساء على يد أقاربهن يجري توظيفها لرسم صورة قاتمة. ويقول أحد الأصوات في هذا السياق: “جايبين حالات ‘فردية’ لبنات رحمة الله عليهم قتلها خوها او بوها، هذه حالات فردية وما تتعداش 1% ولا الليبيات كلهم هكي؟”. ويزداد الموقف تعقيداً بتذكيرهم بأن “القاتل عايش لان ولي الدم عفى، والقصص هذه تكرر حتى بين الخوت”، في إشارة إلى أن آليات العفو والتسامح الاجتماعي ليست موجهة ضد المرأة حصراً، بل هي جزء من نسيج اجتماعي أوسع.

كما يُعاد سياق جرائم القتل الأخرى إلى فوضى زمن الحرب، “الفترة هديكا الشباب كل يوم يصفو واحد خيره ماطلعوش”، مع الإشارة إلى أن استعادة الدولة لقدراتها الأمنية بدأت تُثمر، مستدلين بأنه “توا القانون رجع يخدم وناس تصفت من 2012 شدو القاتل توا، والبنات اللي تحكو عليهم تو يجي حقهم يوماً ما ولو بعد ثلاثين عام”.

التعليم والمنحة وسؤال “التمشي ليلاً”

يتخذ المدافعون عن النموذج الاجتماعي القائم من قطاعي التعليم والدعم الحكومي حججاً دامغة، في إشارة إلى أن “تعليمنا مجاني لعند الجامعة، والدولة عاطياتك منحة، وعاطية للارملة معاش”.

ويتم تفكيك مطلب الحرية في الحركة ليلاً عبر مقاربة عملية ترى أن المسألة ليست قانونية بقدر ما هي متعلقة بطبيعة الحياة العامة، “شفت وحدة منزلة علاش مانقدرش نطلع بعد الساعة 12 نتمشى، اطلعي تمشي ياستي من شادك؟”.

ويضيف التحليل أن المشكلة في البنية التحتية للحياة الليلية وليس في قيود اجتماعية، “الحياة في ليبيا عندنا من 10 تسكر المحلات والشوارع تظلم وين بتتمشي يا حبة عيني؟”، مع مقارنة مع دول مثل تركيا ومصر حيث “ناسها ماترقدش وشوارعها ديما عامرة”. ويختتم هذا الخطاب بتحذير من مغبة تصدير صورة مشوهة عن البلاد، “قلبتوها نسوية وذكورية وحاجات غريبة جداً وتبينو للعالم ان ليبيا زي افغانستان طيح سعدكم وخلاص”.

المرأة والوطن: من مقاعد المتفرجين إلى شريك في القرار
في مقابل ذلك، يبرز خطاب معاكس ومتصل، لا ينفي القوانين القائمة بقدر ما يشكك في قدرتها على خلق تمكين حقيقي في ظل انهيار مؤسسات الدولة واستشراء الفساد. يوجه هذا التيار نداءه إلى “المرأة الليبية” مباشرة: “توقفي عن تصديق من يقنعك أن مكانك الوحيد هو مقاعد المتفرجين”. ولا يفصل هذا الخطاب بين قضية المرأة وأزمة الحكم الوطنية، بل يدمجهما عضوياً، متسائلاً بمرارة: “يحدثونك كثيرًا عن كيف يجب أن تكون المرأة… لكنهم نادرًا ما يحدثون المسؤول عن كيف يجب أن يكون مسؤولًا. يريدون منك أن تخافي من الاختلاط، بينما لا يخافون من اختلاط السلطة بالفساد”. الجوهر هنا هو اعتبار أن إقصاء المرأة هو وجه آخر لإقصاء الكفاءة، محذراً “لا تخافوا من امرأة تدخل الجامعة، أو المحكمة، أو البرلمان… بل خافوا من وطن تُقصى فيه الكفاءات ويُكافأ فيه الفساد”. الرسالة الختامية لا تقبل المساومة: “الوطن الذي تسير فيه المرأة إلى جانب الرجل… أسرع نهوضًا من وطنٍ يُطلب فيه من نصف المجتمع أن يظل صامتًا”.

“تاورغاء” وبيان حماية الأخلاق: “المرأة تاج على الراس”
يتخذ الجدل بعداً أكثر حدة بتنزيله في سياق الصراع بين المحلي والأجنبي. ففي بيان حاد اللهجة صادر عن “شباب تاورغاء” تحت شعار “حماية أخلاق الأسرة الليبية”، يُفتح جبهة جديدة ضد ما يوصف بـ”بعض المنظمات الممولة من الخارج”. البيان يستند إلى آية قرآنية ليؤسس لموقف رافض لما أسماه “استهداف أخلاق المرأة الليبية العفيفة ومحاولة سلخها عن دينها وعاداتها وأعراف قبيلتها”. ويعدد البيان مخاوفه من “نشر مفاهيم غريبة” و”العبث بالمناهج والإعلام” و”استغلال الفقر والحاجة”. لكنه يحرص على تمييز موقفه، مؤكداً: “المرأة الليبية تاج على الراس. كرامتها في حجابها، في عفتها، في بيتها، في كونها أم ومربية أجيال. نحن لا نرفض تعليمها وعملها وحقوقها التي كفلها لها الإسلام… لكننا نرفض المساس بثوابتنا”. البيان يطالب الدولة بالتحقيق في تمويل المنظمات، ويدعو العلماء إلى التصدي الفكري، ويحذر الإعلام، موجهاً كلمته الأخيرة بأن “الحرب اليوم حرب قيم وأخلاق” وأن “طرابلس وبنغازي وتاورغاء كلها خط أحمر”.

“شماعة العجز”: اتهام مضاد باستغلال قضية المرأة
يقابل هذا الخطاب رد فعل مضاد لا يقل حدة، يرى في الحملة ضد المرأة “شماعة” تُعلق عليها إخفاقات النخب في مواجهة الفساد الحقيقي. يقول أحد النصوص الرافضة: “حين خرسَت الألسنة أمام الفساد وارتجفت أمام من أفسد البلاد استيقظت فجأة لتستعرض بطولتها على المرأة الليبية… لم نسمع بيانًا يهزّ أركان الظالمين ولم نرَ موقفًا يزلزل الفاسدين لكننا رأينا حماسًا عجيبًا عندما تعلق الأمر بالطعن في شرف نصف المجتمع”. ويستخدم هذا التيار قلباً منطقياً على خصومه، معتبراً أن “فساد الذمم ونهب المال العام وتجويع الناس وإذلالهم أولى بأن ترتفع له الأصوات”، محذراً من “خطاب يصنع للناس عدوًا وهميا ويترك العدو الحقيقي آمنًا بلا مساءلة”. ويصل الاتهام إلى ذروته بالقول إن “الكلمة التي لا تُقال في وجه الجائر لا تصبح شجاعة إذا قيلت في وجه امرأة”. ولا يرفض هذا الفريق أصل النقاش حول المنظمات، لكنه ينتقد التوقيت والأسلوب، معتبراً أن هذه المنظمات “لم تُثبت أنها قدمت حلولًا حقيقية للأزمات… بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات فاشلة تزيد المشهد تشتيتًا”.

عزيزة حسين: في عمق الأزمة.. الوعي المفقود والريع المُقعِد
تقدم الصحفية عزيزة حسين مقاربة تحليلية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتضع الإصبع على مكمن الداء كما تراه: ضعف فاعلية المرأة نفسها. بمقارنة إقليمية، تشير إلى أنه “في تونس والمغرب خرجت النساء إلى فضاء الفعل، بينما بقيت المرأة الليبية في دائرة الانتظار”. ورغم إقرارها بوجود “نصوص قانونية تبدو متقدمة”، إلا أنها تحلل بدقة كيف أن “الاقتصاد الريعي خلق رفاهية نسبية خفّضت الحاجة الملحّة لعمل المرأة، فترسّخ تبعيتها المنزلية” و”قتل الدافع نحو المبادرة”. وتضيف أن “البنية القبلية أعادت إنتاج قيودها على المرأة، فجعلت قيمتها مرتبطة بالزواج والطاعة والإنجاب”. لكنها في تحول جوهري تحمّل المرأة جزءاً من المسؤولية، قائلة إنها “كثيرًا ما ارتضت الانتظار، وأهملت تطوير ذاتها معرفيًا وثقافيًا، ولم تُحوّل التعليم إلى قوة فكرية وتنظيمية”. وتخلص في دعوتها الإصلاحية إلى أن ما ينقص لإحداث التغيير ليس فقط “تشريعات بقوانين وعقوبات رادعة، بل الوعي والتنظيم والجرأة”.

دعوة إلى القضاء: “شرف الليبيات خط أحمر”

في أعلى درجات التصعيد، تدخل النخبة القانونية والحقوقية على الخط. آسيا الشويهدي، عضو لجنة الحوار المهيكل، تطرح مقاربة قانونية-جنائية للموضوع، واصفة إياه بأنه “زمن انتحار القيم وتغوّل الذئاب البشرية”. إنها توجه دعوة واضحة إلى “جميع المحامين والمحاميات، والمنظمات الحقوقية… وكافة شرفاء ليبيا، إلى توحيد الجهود والتقدم ببلاغات وشكاوى إلى الجهات القضائية المختصة”. وتصنف الشويهدي ما يحدث بأنه “تصريحات متعددة وممنهجة ضد المرأة الليبية الغرض منها تشويه المرأة الليبية امام العالم وبشكل علني ومتعمد، واظهار الرجل الليبي بمظهر الديوث”. إنها تدعو إلى التحقيق فيما تعتبره “جرائم سب وقذف المحصنات وتشهير بالمرأة الليبية والطعن في شرف الليبيات”. مطالبتها حاسمة بـ”ترتيب المسؤولية القانونية عنها وفقًا لأحكام القانون الليبي”، مختتمة بأن “كرامة الرجل الليبي وشرف المرأة الليبية، ليستا محلًا للمساس أو التعميم أو الإساءة، او التوظيف السياسي، والقضاء هو الجهة المختصة”.

هكذا، لا تظهر معركة “النسوية” في ليبيا كصراع بين رجال ونساء، بل كحلبة تتصارع عليها مشاريع سياسية واجتماعية متضاربة، تستخدم المرأة كرأس حربة في معركة أوسع حول شكل الدولة، وحدود الحريات، ومكانة الدين، ودور العرف، في أرض لا تزال تبحث عن تعريفها النهائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى