ليبيا

انتقادات حادة من منبر بنغازي تكشف تعسف الحبس الاحتياطي وتدعو لفلترة القضايا

إعلان بنغازي يحذر من انتقائية إنفاذ القانون ويطالب بضمانات دولية للمحتجزين

ليبيا 24

سلطت أعمال المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح، الذي اختتم أعماله في بنغازي، الضوء على اختلالات جوهرية تعصف بمنظومة العدالة الجنائية في ليبيا، في جلسات اتسمت بمكاشفة غير مسبوقة لواقع العمل القضائي والأمني.

وشكلت مداخلات قضاة وخبراء قانونيين ونشطاء مادة دسمة لتحليل الأزمة من جذورها، متجاوزة التوصيف السطحي لأزمة المؤسسات الإصلاحية إلى تفكيك آليات عمل النيابة العامة وسياسات إنفاذ القانون في دولة تعاني من الانقسام.

الحبس الاحتياطي.. استثناء تحول إلى عقوبة مطلقة

في قلب العاصفة التحليلية، وقفت المستشارة فاطمة عمر المصري، رئيسة الدائرة الثامنة في محكمة استئناف بنغازي، لتضع إصبعها على المسبب الأول لاكتظاظ السجون. وأكدت أن الأزمة لا تكمن في عدد المباني الإصلاحية، بل في ثقافة التوسع المبالغ فيه في إجراء الحبس الاحتياطي.

ووجهت نقداً مباشراً إلى أداء بعض وكلاء النيابة، مشيرة إلى أن قرارات الحبس تصدر في أبسط القضايا وأتفهها، في حين تظل أدوات قانونية أكثر حكمة معطلة.وقالت المصري إن القانون منح النيابة العامة صلاحية “حفظ الأوراق لعدم الأهمية”، وهو إجراء لو طبق بحزم، لأسقط آلاف القضايا من جداول المحاكم المثقلة.

واستعرضت نماذج واقعية صادمة لقضايا منظورة لا تستند إلى أي معين موضوعي، منها دعاوى تحال إلى المحكمة رغم أن التقارير الطبية الرسمية “سلبية”، وأخرى تتعلق بأسلحة يشير تقرير الخبرة الفنية إلى أنها “غير صالحة للاستعمال”، ومع ذلك تجد طريقها إلى أروقة المحاكم لتبقى سنوات بانتظار الفصل.وخلصت إلى أن غياب الرقابة على مسوغات الحبس يمثل جوهر المشكلة، متسائلة: “إذا كان المواطن يحمل جنسية معروفة وله محل إقامة ثابت، فما المبرر الحقيقي لسلب حريته؟”.

شهادة ميدانية: خمس سنوات خلف القضبان بتهمة الخمر

ولم تكن مداخلة المستشارة المصري نظرية، إذ سرعان ما عززها المستشار أحمد الضراط بشهادة ميدانية مستقاة من تجربته العملية. وروى الضراط أنه أثناء عمله بالنيابة، وخلال زيارة تفتيشية لأحد السجون، فوجئ الفريق الرقابي بوجود سجين محبوس احتياطياً لمدة خمس سنوات كاملة بتهمة شرب الخمر، من دون أن تحدد المحكمة جلسة لنظر دعواه.وأوضح الضراط أنه في خطوة تصحيحية، اتفق مع زملائه على الإفراج الفوري عن كل من توجه إليه تهمة تعاطي مواد مخدرة أو شرب الخمر بوصفها التهمة الوحيدة، بعد استكمال التحقيق، مع تحديد جلسة عاجلة. إلا أن المبادرة اصطدمت بمعارضة أحد رؤساء النيابات، الذي وصفه الضراط بأنه “جُبل على الانتقام من المتهم مهما كانت ظروفه”، رافضاً المساس بإجراءات الحبس، ومتذرعاً بأن من يريد التعاطي “عليه القيام بذلك داخل اختصاص النيابة”.

ما وراء الإجراءات: عدالة الانقسام والإنفاذ الانتقائي

غير أن النقاش لم يتوقف عند حدود انتقاد إجراءات الحبس، بل انتقل إلى مربع أعمق طرحته الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل. وفي معرض تعقيبها، أكدت أبوعميد أن الإصلاح القضائي لا يمكن اختزاله في مراجعة أوامر الحبس الاحتياطي فقط، بل يجب أن يبدأ بمواجهة الحقيقة الكاملة: “لا يمكن الحديث عن عدالة ناجزة في ظل دولة تعاني من الانقسام المؤسسي، وتفاوت القدرة على إنفاذ القانون”.

وأشارت أبوعميد إلى أن أخطر ما يهدد هيبة القضاء هو شعور المواطن بأن القانون لا يطبق إلا حيث توجد قدرة فعلية للدولة، بينما يتراجع ويصمت حيث توجد مراكز نفوذ أو تحديات أمنية تحول دون تنفيذ الأوامر. واعتبرت أن انصراف الجهد القضائي والأمني إلى ملاحقة قضايا بسيطة ومخالفات محدودة، في وقت تبقى فيه الجرائم الأشد خطورة دون حسم، يفرض مراجعة جذرية لأولويات السياسة الجنائية. وشددت على أن “دولة القانون لا تبنى بملاحقة من يسهل الوصول إليهم، وإنما بالقدرة على إخضاع الجميع لسلطانه، مع احترام الضمانات الدستورية وحقوق الإنسان”.المنظور الدولي: الضمانات الإنسانية في النزاعات وبالتوازي مع توصيف الأزمة المحلية، استعرضت المستشارة القانونية ببعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هاجر الكافي، الإطار القانوني الدولي الناظم للحرمان من الحرية. وقدمت ورقة عمل متخصصة أكدت فيها أن احترام الضمانات الأساسية للمحتجزين، حتى في سياقات النزاعات المسلحة غير الدولية، يشكل التزاماً مطلقاً تفرضه المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني العرفي.

وشددت الورقة على ضرورة التمييز بين الاحتجاز الجنائي والاحتجاز الإداري، وأن اختلاف الأساس القانوني لا ينتقص من وجوب توفير المعاملة الإنسانية وظروف الاحتجاز اللائقة والضمانات القضائية للجميع. وهو ما عززه “إعلان بنغازي لإنفاذ سيادة القانون”، الصادر عن المؤتمر، داعياً إلى احترام حقوق النزلاء وإخضاع كامل إجراءات الحرمان من الحرية لرقابة صارمة تمنع التعسف.

صدمة إيجابية: كسر الصمت أول الإصلاح

وفي خضم هذا الجدل، أجمعت الأصوات على أن الأهمية الاستثنائية للمؤتمر لا تكمن فقط في محتوى المداخلات، بل في قدرته على كسر حاجز ما وُصف بـ “السكوت المؤسسي الطويل”. فقد اعتبر المحامي والخبير القانوني أحمد المكي أن القاضي الحقيقي هو “إنسان اكتملت إنسانيته أولاً، وفقيه يبصر مواطن الخلل في النص والتطبيق”، مشدداً على أن هذه المحطات الجريئة هي الخطوة الأولى نحو إصلاح لا يعالج الأعراض بل يستأصل العلل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى