خبراء: ضخ الدولار لا يعالج جذور أزمة سعر الصرف في ليبيا
تحذيرات من تهدئة مؤقتة للسوق واستنزاف الاحتياطي الأجنبي

تتجه أزمة سعر الصرف في ليبيا إلى اختبار جديد لفاعلية السياسة النقدية، مع مساعي مصرف ليبيا المركزي لزيادة المعروض من النقد الأجنبي وتهدئة السوق الموازية، وسط تحذيرات اقتصادية من أن ضخ الدولار قد يحقق استقرارا مؤقتا إذا لم يتزامن مع معالجة مصادر الطلب والاختلالات المالية والنقدية.
ويرى المحلل الاقتصادي طارق الصرماني أن جوهر المشكلة لا يرتبط بمجرد توفير الدولار للمواطنين، وإنما بطبيعة السياسة النقدية التي ركزت بدرجة كبيرة على زيادة المعروض من العملة الأجنبية، دون معالجة كافية للأسباب التي تدفع إلى ارتفاع الطلب عليها.
ويشير الصرماني إلى أن بيع الدولار نقدا قد يؤدي إلى خروج جزء من النقد الأجنبي الذي يدخل النظام المصرفي إلى التداول خارج المصارف، موضحا أن إعادة بيع هذه الأموال في السوق الموازية يمكن أن تضيف مصدرا جديدا للعرض هناك.
الحاجة إلى تتبع حركة الدولار
وفي المقابل، يلفت الصرماني إلى ضرورة التعامل بحذر مع فرضية انتقال الدولارات المباعة رسميا إلى السوق الموازية، مؤكدا أن إثبات هذا المسار يحتاج إلى بيانات واضحة تسمح بتتبع حركة الأموال، ولا يمكن الاستناد فقط إلى ارتفاع المعروض في السوق الموازية باعتباره دليلا على مصدره.
وتكشف هذه النقطة عن جانب أساسي في أزمة النقد الأجنبي، يتمثل في محدودية فاعلية الإجراءات التي تستهدف السوق من جانب العرض فقط، ما لم تكن مصحوبة بآليات رقابة قادرة على تحديد مسارات الأموال بعد دخولها إلى النظام المصرفي.
3 مليارات دولار.. تهدئة مؤقتة؟
من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي علي الشريف من أن خطة مصرف ليبيا المركزي لضخ نحو 3 مليارات دولار والسعي إلى توحيد المرتبات قد تنجح في تهدئة السوق الموازية لفترة محدودة، لكنها لن تضمن معالجة مستدامة للضغوط على سعر الصرف إذا بقيت الاختلالات المالية والنقدية دون معالجة.
ويرى الشريف أن استقرار سعر الصرف لا يرتبط بحجم التدخل في السوق وحده، وإنما بمدى قدرة السلطات على ضبط مصادر الطلب على العملة الأجنبية والسيطرة على الإنفاق العام وتعزيز وصول الإيرادات إلى القنوات الرسمية.
الاعتمادات والإنفاق تحت الرقابة
ويطرح الشريف مجموعة من المسارات المتزامنة للتعامل مع الأزمة، في مقدمتها ضبط الاعتمادات وقصرها على السلع الأساسية بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، وتشديد الرقابة على المصارف المخالفة، إلى جانب كشف الإنفاق الحكومي أمام الأجهزة الرقابية وتحديد أوجه التجاوز.
كما يشدد على ضرورة ضمان وصول جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى القنوات الرسمية، مع مراجعة حجم التمثيل الدبلوماسي بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية وقدرة الدولة المالية.
الاحتياطي أمام اختبار أسعار النفط
وتكتسب التحذيرات أهمية إضافية مع استمرار الضغوط على الاحتياطي الأجنبي، وفقا لما أورده الشريف، رغم بقاء أسعار النفط فوق مستوى 80 دولارا للبرميل.
ويطرح ذلك تحديا أمام السياسة النقدية الليبية، إذ إن استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية لتوفير النقد الأجنبي يجعل قدرة السلطات على الدفاع عن سعر الصرف مرتبطة بدرجة كبيرة بأداء أسواق النفط.
ويحذر الشريف من أن انخفاض أسعار النفط إلى مستويات تقارب 60 دولارا للبرميل قد يزيد الضغوط على الاحتياطي، في ظل استمرار الاختلالات المالية والنقدية.
معالجة مصدر الأزمة لا أعراضها
وبينما يمكن لضخ الدولار أن يوفر مساحة مؤقتة لتهدئة السوق، فإن استدامة الاستقرار تتطلب معالجة العوامل التي تولد الطلب على العملة الأجنبية وتضغط على الدينار.
ومن ثم فإن التحدي أمام السياسة النقدية الليبية لا يقتصر على توفير الدولار، وإنما يمتد إلى ضبط مسارات الإنفاق والاعتمادات وتعزيز الرقابة على القطاع المصرفي وضمان دخول الإيرادات إلى النظام الرسمي.
وبحسب الخبراء، فإن استمرار التدخلات المؤقتة دون إصلاح الاختلالات الأساسية قد يبقي الاقتصاد أمام خيارين صعبين: استنزاف الاحتياطي الأجنبي أو العودة إلى إجراءات تمس قيمة الدينار، بينما يبقى استقرار سعر الصرف مرتبطا بقدرة السلطات على معالجة مصادر الضغط وليس فقط احتواء نتائجها.



