“أي ليبيا هي الحقيقية؟”.. تساؤلات حارقة من قلب الشارع الليبي تفضح فجوة “الابتسامات الرسمية” وواقع الأزمات المتراكمة
ليبيا 24
في خضم أزمة ثقة متفاقمة بين الشارع الليبي والنخبة الحاكمة، خرج الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى بتحليل لاذع يجسد الهوة العميقة بين واقع المواطن المنهك وصورة المسؤول المنعزلة.
في عدة منشورات عبر صفحته على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، لم يكتفِ عيسى بتشخيص الأعراض اليومية للأزمة، بل تعمق في تشريح بنية الجمود السياسي والمؤسسي، مستلهماً من حكاية طفلة بريئة أطلقت حكمة عفوية لخصت المأساة الليبية برمتها.
المعاناة اليومية: من انقطاع الكهرباء إلى “استهتار” الدولة
استهل الدبلوماسي الأسبق رسالته من نقطة التماس الأكثر إيلاماً مع المواطن: انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في حر وصفه بـ”الخانق”. وتساءل عيسى عن غياب أي تعبير رسمي عن الأسف، معتبراً أن صمت المسؤولين ليس مجرد تقصير، بل “استهتار بمعاناة الناس”، مضيفاً أن “الاعتذار لا يحل الأزمة، لكنه أقل واجب أخلاقي تجاه شعب يدفع ثمن هذا الفشل كل يوم”.
ورأى أن هذا الصمت المتعمد يمثل في جوهره “رسالة مؤلمة مفادها أن معاناة المواطنين لا تستحق حتى كلمة احترام”.
وفي أكثر لحظات التحليل تعبيراً عن المأساة، روى عيسى حكاية حفيدة أستاذه التي سألت جدها ببراءة: “ليش الكهرباء تنقطع وترجع ثم تنقطع وترجع طوال اليوم؟ كأن في صغار يتحكموا في المفتاح!”.
استخدم الدبلوماسي هذه الاستعارة الموجعة ليؤكد أن “من براءة الأطفال خرجت الحقيقة”، مطلقاً سيلاً من الأسئلة الوجودية التي تؤرق الليبيين: “أين فرص العمل التي تحفظ كرامة الشباب؟ وأين الدولة الموحدة؟ وأين المؤسسات التي تجمع بدل أن تفرق؟”.
وبلغ السخط ذروته بالتساؤل المرير: “هل يعقل أن نبقى متفرجين إلى حين يأتي غريب من مسافة سبعة آلاف كيلومتر ليوحدنا ويبني لنا دولة؟”.
ليبيا الرسمية وليبيا الشارع: فصام المشهد الوطني
لم تقف زاوية التحليل عند الأزمة الخدمية، بل انتقلت لتفكيك التناقض الصارخ بين صورتين متنافرتين لليبيا. فرسم عيسى مشهداً “رسمياً” تبدو فيه الأمور “ممتازة”، حيث يتنقل المسؤولون في “جولات خارجية وتوقيع مذكرات تعاون وتفاهم وابتسامات أمام الكاميرات، وكأن كل شيء على أفضل ما يرام”.
وفي مقابل ذلك، يرسم الواقع اليومي صورة لمواطن لا يحتاج “إلى فيسبوك ولا إلى مؤتمر صحفي حتى يعرف الحقيقة… يكفيه يفتح باب بيته ويخرج للشارع!”.
وعاد الدبلوماسي الأسبق ليطرح السؤال المركزي الذي يحير الجميع: “أي ليبيا هي الحقيقية؟”، ليجيب ضمناً بأن الليبيين “عالقون بين الواقع والصورة الرسمية، والأمور كلها ماشية بالبركة”.
هذه المفارقة لم تقتصر على الخدمات، إذ أشار إلى تنامي مخاوف جدية تتعلق بـ”الملفات المرتبطة بالأمن القومي، والانقسامات في أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي”، إلى جانب أزمات الصحة والتعليم ونقص مياه الشرب والهجرة غير النظامية.
مفاتيح منسوخة وخرائط نفوذ متغيرة في طرابلس
في تحليل معمق لديناميكيات السلطة في العاصمة، حذر عيسى من أن “مفاتيح الدولة قد نسخت، ولم تعد في يد واحدة كما كانت”، لتدخل طرابلس وفق توصيفه “مرحلة سياسية أكثر تعقيداً والشارع يرفع سقف الضغط”.
وتساءل إن كانت الاعتصامات وإغلاق المؤسسات الحكومية ستنهي “مرحلة المماطلة في تنفيذ مبادرة بولس”، وتدفع رئيس الحكومة منتهية الولاية”مجبراً إلى تقديم تنازلات كان يؤجلها”. كما طرح سؤالاً استراتيجياً حول ما إذا كان التقارب مع جهاز الردع يعكس “محاولة لخلط الأوراق وإعادة رسم خريطة النفوذ داخل العاصمة وسحب البساط من قوى دينية وفكرية وأمنية أخرى”.
أما السؤال الأكثر حسماً والذي قال إنه “سيحدد مسار المرحلة المقبلة”، فهو: “هل يقبل الشارع الغاضب في طرابلس وضواحيها بأي تسوية تبقي حكومة الوحدة الوطنية في المشهد، أم أن الاحتجاجات دخلت مرحلة يصعب معها احتواء الغضب الشعبي؟”.
المأزق الدستوري وإعادة تدوير الأزمات
وامتد التشريح ليشمل بنية الجمود الدستوري، حيث قال عيسى إنه حاول الاطلاع على إجراءات إنهاء ولاية مجلسي النواب والدولة، ليجد أنه في الحالة الليبية “لا يبدو أن هناك أي جهة تملك صلاحية إيقاف أو تجميد عمل المجلسين”. وأشار إلى أن الإعلان الدستوري لم ينص على آلية لمعالجة الوضع، مما يسمح لهما بالاستمرار “دون سقف زمني فعال”.
وانتقد بشدة عملية انتخاب رئاسة المجلس الأعلى للدولة، التي وصفها مستخدماً المثل الشعبي “يا موسى يا حاج موسى!” بأنها “إعادة تدوير للأسماء وإعادة إنتاج للمشهد نفسه”، معتبراً أنها تنقل رسالة واضحة مفادها: “لا إصلاح، لا تغيير، فقط دوران في الحلقة نفسها!”.
وفي هذا السياق، علق الدبلوماسي الأسبق على وصف رئيس الحزب الديمقراطي محمد صوان للانتخابات بأنها “استحقاق وطني بالغ الأهمية”، قائلاً: “مع احترامي، وصف هذا الاستحقاق بأنه وطني يظل محل جدل؛ فالمجلس الأعلى للدولة ليس مؤسسة منتخبة، وإنما جسم نشأ بموجب اتفاق الصخيرات، وفي نظر كثيرين، لم يكن جزءاً من الحل بقدر ما كان جزءاً من الأزمة”.
شجاعة التواصل وخطاب المسؤولية
وفي ختام رسالته التي قال إنها “ليست موجهة ضد أحد ولا تحمل أجندة أو خصومة”، شدد عيسى على ضرورة تحرك مؤسسات الدولة بـ”خطاب واضح وصادق يطمئن المواطنين”.
مؤكداً أن “احترام المواطن يبدأ بالاستماع إليه، ومخاطبة عقله قبل مطالبته بالهدوء، فالشعوب لا تخرج إلى الشوارع عبثاً”. واختتم بنصيحة تلخص المخرج الممكن من الأزمة، مفادها أن “بناء الاستقرار يبدأ بحل الأسباب، لا بالاكتفاء بملاحقة النتائج”، وأن “التاريخ لا يذكر إلا من عمل بإخلاص وترك أثراً حقيقياً”.



