ميليشيات السلطة تستبيح الزاوية وصرمان وحكومة الدبيبة تتفرج على المأساة
اشتباكات قبلية تدفع غرب ليبيا للانهيار وسجناء يفرون وسط الفوضى
ليبيا 24:
الزاوية وصرمان تختنقان بالرصاص: فصل جديد من انهيار الدولة يدفع ثمنه المواطن وحده
لا تكاد تهدأ مدينة غرب طرابلس حتى تشتعل أخرى، في مشهد يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة باتت مفهوماً غائباً، وأن المواطن الليبي المكلوم يُترك وحده في مواجهة رصاص الميليشيات وغياب من يفترض أنهم أوصياء على الأمن.
منذ ساعات الفجر الأولى، تحولت مدينتا الزاوية وصرمان إلى ساحة حرب مفتوحة، حيث تدور اشتباكات ضارية بين مجموعات مسلحة تدين بالولاء لذات السلطة التي تدّعي زوراً بسط سيطرتها على الأرض، مخلفة وراءها دماءً ودماراً وصمتاً رسمياً أقرب إلى التواطؤ منه إلى العجز.
صمت رسمي وحصيلة ضحايا مجهولة
في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الرصاص والقذائف، يلف الصمت المريب أروقة حكومة الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي الغائب عن المشهد.
لم تصدر أي حصيلة رسمية للضحايا، بينما تؤكد مصادر محلية سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الفشل الذريع.
المواطن الليبي لم يعد ينتظر بيان استنكار أو لجنة تقصي حقائق تنتهي تقاريرها في أدراج المكاتب المكيفة، بل ينتظر من يحمي عرضه ودمه من تغول الميليشيات التي وجدت في الانقسام غطاءً مثالياً لتصفية حساباتها على حساب أرواح الأبرياء.
سجن صرمان: جريمة كاملة الأركان
المشهد الأكثر إيلاماً وألماً تجسد في سجن صرمان، حيث أقدمت إحدى المجموعات المسلحة، في محاولة يائسة لإثارة الفوضى، على فتح الزنازين وتهريب السجناء، لتتحول المدينة إلى ثكنة عسكرية يصول فيها الخارجون عن القانون ويجولون.
وبينما أعلن جهاز التهديدات الأمنية عن إلقاء القبض على 30 هارباً، فإن ذلك لا يمحو حقيقة أن جريمة تهديد السلم الأهلي قد وقعت تحت سمع وبصر سلطة لا تملك من أمرها شيئاً، تاركة الأهالي في حالة من الذعر والخوف من وجود مئات المجرمين الطلقاء بينهم.
الزاوية تنزف: القذائف تسقط على منازل المدنيين
في مدينة الزاوية، وصلت الفوضى إلى ذروتها بسقوط قذائف الهاون على منازل المواطنين في منطقة الحرشة. لم يسلم منزل المواطن مازن رمضان الجبو من الاستهداف، كما أصيب اثنان من أفراد عائلة المواطن البشير زنبيل جراء سقوط قذيفة على منزلهم.
هذه ليست اشتباكات بين قوات نظامية، بل هي حرب شوارع تدور في قلب الأحياء السكنية، بين عمارات المواطنين، حيث صرخ أحدهم مستغيثاً: “الوضع خرج عن السيطرة، حياة الناس في خطر، نرجو التحرك فوراً”.
لكن، لمن يوجه هذا النداء؟ لحكومة أثبتت الأيام أنها مجرد هيكل إداري لا حول له ولا قوة، أم لمجلس رئاسي منشغل بترتيب صفوفه في أبراج عاجية بعيدة عن معاناة الناس؟
انهيار القطاعات الحيوية: المصفاة والطريق الساحلي تحت النار
التكلفة الاقتصادية لهذه الفوضى لا تقل فداحة عن الخسائر البشرية. مدينة الزاوية التي تحتضن أهم منشأة نفطية في الغرب الليبي، مصفاة الزاوية لتكرير النفط، أصبحت شبه مشلولة، حيث اضطرت الشركة إلى منح موظفيها إجازة طارئة وتحذيرهم من التوجه إلى مقار عملهم تجنباً للموت المحقق. الطريق الساحلي، شريان الحياة الرابط بين طرابلس والحدود التونسية، بات “غير آمن” بحسب تحذيرات جهاز الإسعاف والطوارئ.
هذه ليست مجرد “توترات أمنية” كما تحاول البيانات الرسمية المقتضبة أن تصورها، بل هي عملية تخريب ممنهجة لآخر أوصال الاقتصاد الوطني الذي يئن تحت وطأة الإهمال والفشل، حيث تسيطر الميليشيات على مقدرات البلاد وتستخدمها كأوراق ضغط وابتزاز، ضاربة بعرض الحائط بمعاناة المواطن الباحث عن وقود أو كهرباء.
تحليلات: السياسة العقيمة تلد العنف المزمن
بعيداً عن لغة البيانات الخشبية، يضع المراقبون والمحللون أصابعهم على مكمن الداء. رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد حمزة، كان واضحاً وقاطعاً حين أكد أن تكرار هذه المشاهد الدموية هو نتاج “فشل سياسة دمج المجموعات المسلحة”، محملاً حكومة الدبيبة وباقي المؤسسات الرسمية “مسؤولية تاريخية وقانونية جسيمة” لاستمرارها في تمويل كيانات خارجة عن القانون وإضفاء الشرعية عليها.
إنها الشهادة الأوضح على أن النهج المتبع في التعامل مع الميليشيات لم يكن يوماً بناءً أو إصلاحياً، بل كان استرضاءً وتمكيناً لها، ليتحول كل منها إلى دويلة صغيرة تدير شؤونها بقوة السلاح، والنتيجة هي هذا النزيف المتجدد للدماء.
وفي السياق ذاته، يلخص المحلل السياسي عبد الله ميلاد المقري مأساة المشهد السياسي بقوله إن البلاد تعيش “فوضى مستمرة” بسبب تراكمات ما بعد 2011، وإن المبادرات السياسية التي تقدمها البعثة الأممية، بما فيها الحوار المهيكل، تظل حبراً على ورق لأنها “تفتقر لآليات تنفيذية واضحة”.
نداء المقري لإنهاء عمل الأجسام السياسية القائمة وتشكيل حكومة مصغرة للإشراف على الانتخابات، هو صدى لصرخة المواطن الذي سئم العيش تحت رحمة سلطة منقسمة لا شرعية لها.
ويزيد الباحث إدريس أحميد الجرح إيضاحاً بتأكيده أن “المواطن الليبي لم يعد منشغلاً بالجدل السياسي بقدر انشغاله بتحديات الحياة اليومية؛ من الأمن والخدمات، إلى التعليم والصحة”، مشدداً على أن السلاح تحول من أداة للدفاع إلى وسيلة نفوذ اقتصادي وسياسي دائم، وهو تشخيص دقيق لواقع مرير تقف فيه قوى الأمر الواقع حاجزاً بين الليبي وحلمه في دولة طبيعية.
الحل المفقود: بين إدارة الأزمات وغريزة البقاء
في ظل هذا الخراب، تبرز دعوات العقلاء التي تذهب أدراج الرياح. الباحث فيصل أبوالرايقة يشدد على الحاجة الماسة لـ “ترسيخ ثقافة إدارة المخاطر والتخطيط الاستراتيجي” داخل مؤسسات الدولة، محذراً من أن الاستجابة اليومية للأزمات تستنزف الموارد.
لكن السؤال الأكبر: كيف يمكن بناء استراتيجية وطنية في بلد اختطفته الميليشيات ورهنته لصراعاتها؟ كيف يمكن الحديث عن تخطيط استراتيجي بينما قذائف الهاون تسقط على رؤوس الأطفال في الحرشة؟
الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى وجه نداءً مؤثراً إلى محمد المنفي وعبدالحميد الدبيبة وكل من يمسك بقرار، مستحلفاً إياهم بدماء الأبرياء، قائلاً: “ليبيا تستحق السلام، وأهل الزاوية يستحقون الأمن والاستقرار. نأمل تحركًا عاجلًا لوقف نزيف الدم”.
لكن هذا النداء، كغيره من نداءات الضمير، يرتطم بجدار الصمت والخذلان الرسمي. وفي غياب أي رد فعل حقيقي، تبقى غريزة البقاء والتضامن الأهلي هي خط الدفاع الأخير، فقد أعلنت بلدية صرمان الثلاثاء عطلة استثنائية، وناشد الهلال الأحمر فتح ممرات إنسانية، في مشهد يذكرنا بأن الدولة التي يفترض أن ترعى مواطنيها غائبة، وأن المجتمع هو من يحاول سد الفراغ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن ما يحدث اليوم في الزاوية وصرمان ليس مجرد اشتباك عابر، بل هو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من تمكين الميليشيات على حساب هيبة الدولة، وتغذية الانقسام السياسي على حساب حياة المواطن الليبي.
إنها حلقة جديدة في مسلسل تفكيك الوطن، عنوانها العريض: دولة غائبة، وسلطة عاجزة، ودماء تسيل بلا ثمن.



