ليبيا

اشتباكات الزاوية تعيد ملف الميليشيات إلى واجهة المشهد الأمني في غرب ليبيا

انتقادات لعجز الحكومة عن احتواء التشكيلات المسلحة وفرض سلطة الدولة

تفتح الاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينة الزاوية، غربي ليبيا، مجدداً ملف انتشار التشكيلات المسلحة وطبيعة المعالجة الحكومية للاضطرابات الأمنية، في ظل تصاعد الانتقادات بشأن استمرار نفوذ المجموعات المسلحة وعجز المؤسسات الرسمية عن وضع حد لحالة الانفلات الأمني في واحدة من أكثر مدن المنطقة الغربية حساسية.

وتعيد التطورات الأمنية في الزاوية طرح تساؤلات بشأن جدوى النهج الذي اتبعته حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في التعامل مع التشكيلات المسلحة، ومدى قدرتها على الانتقال من إدارة التوترات الأمنية عبر التفاهمات والوساطات إلى بناء منظومة أمنية موحدة تخضع لسلطة الدولة والقانون.

وفي مقابل تصاعد حدة المواجهات، لم يصدر عن الحكومة تعليق مباشر على الاشتباكات، في وقت أعلنت فيه عن لقاء رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة مع وفد من مجلس التخصصات الطبية، حيث جرى التأكيد على دعم المجلس وتعزيز قدراته. ويعيد هذا التباين بين حجم التطورات الأمنية ومستوى التواصل الرسمي طرح أسئلة حول طبيعة أولويات الحكومة وآليات تعاملها مع الأزمات المتكررة في مدن الغرب الليبي.

غضب متزايد وانتقادات لاستمرار نفوذ التشكيلات المسلحة

ويرصد الناشط السياسي الليبي عبد الرحمن شعيب، أحد أبناء مدينة الزاوية، تصاعد حالة الغضب داخل قطاعات واسعة من سكان المدينة، على خلفية تنامي نفوذ المجموعات المسلحة وتكرار المواجهات التي باتت تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار والأمن والحياة اليومية للسكان.

ويشير شعيب إلى أن حالة الاستياء لا تقتصر على نتائج الاشتباكات الأخيرة، وإنما ترتبط بتراكمات أمنية وسياسية طويلة، في ظل اعتقاد لدى قطاعات من السكان بأن استمرار التعامل مع التشكيلات المسلحة من دون معالجة جذور المشكلة ساهم في إطالة أمد حالة عدم الاستقرار.

ويرى أن الانتقادات تتجه كذلك إلى أداء الحكومة وقدرتها على فرض سلطة الدولة، في ظل استمرار وجود مجموعات مسلحة تتمتع بنفوذ واسع داخل المشهد الأمني، الأمر الذي يضع المؤسسات الرسمية أمام اختبار متكرر بشأن قدرتها على حماية المدنيين وضمان انتظام الحياة العامة.

ويحذر شعيب من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الأمني، ويعمق حالة فقدان الثقة في المؤسسات القائمة، خصوصاً مع تكرار الاشتباكات وتزايد المخاوف من تحولها إلى نمط دائم من إدارة الصراع داخل المدينة.

خمس سنوات من الترتيبات المؤقتة دون بناء أمني موحد

وفي تقييمه لأداء الحكومة في الملف الأمني، يرى عضو مجلس النواب سعيد مغيب أن السنوات الخمس الماضية لم تشهد نجاحاً في بسط نفوذ الدولة أو بناء مؤسسات أمنية وعسكرية نظامية قادرة على فرض القانون بصورة مستقرة.

ويشير مغيب، في منشور عبر حسابه على موقع فيسبوك، إلى أن الاعتماد على تفاهمات مؤقتة مع جماعات مسلحة أضعف قدرة الحكومة على ممارسة وظائفها الأمنية، وأبقى مسألة حماية المواطنين وفرض سيادة القانون مرتبطة بتوازنات بين قوى مسلحة متعددة.

ويعكس هذا الطرح جانباً من الجدل السياسي الأوسع بشأن طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والتشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، حيث لم تؤد الترتيبات الأمنية المتعاقبة إلى إنهاء نفوذ المجموعات المسلحة أو دمجها ضمن مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وفق قواعد واضحة.

ويبرز استمرار هذه الترتيبات بوصفه أحد أبرز التحديات أمام بناء مؤسسات الدولة، خصوصاً عندما تتحول التفاهمات المؤقتة إلى آلية مستمرة لإدارة الأزمات، بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية نحو معالجة شاملة للترتيبات الأمنية.

الزاوية في قلب معادلة أمنية أكثر تعقيداً

ويذهب المحلل السياسي الليبي عبد الله الديباني إلى أن مسؤولية تفاقم نفوذ التشكيلات المسلحة في الزاوية والمنطقة الغربية ترتبط بصورة وثيقة بالسياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة في إدارة الملف الأمني.

ويرى الديباني أن أحد أبرز مكامن الخلل يتمثل في منح تشكيلات مسلحة أدواراً أمنية وعسكرية تحت مظلات رسمية، من دون استكمال مسار واضح لتفكيكها وإعادة دمج عناصرها ضمن مؤسسات نظامية، وهو ما أبقى الحدود بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة غير واضحة.

وبحسب هذا التقييم، فإن استمرار توفير الغطاء المالي والرسمي لبعض التشكيلات ساهم في تكريس نفوذها داخل عدد من المناطق الحيوية، ومنحها قدرة أكبر على التأثير في المشهد الأمني والسياسي، بما في ذلك السيطرة على مرافق وخطوط ذات أهمية اقتصادية وأمنية.

ويرى الديباني أن اعتماد الحلول السياسية والوساطات المحلية في معالجة الانتهاكات الأمنية الخطيرة، بدلاً من تطبيق القانون بصورة حاسمة، أدى إلى تكريس ما وصفه بسياسة الإفلات من العقاب، وهو ما قد يشجع على استمرار أنشطة الجريمة المنظمة وتكرار المواجهات المسلحة.

ويضع هذا التقييم ملف الزاوية ضمن مشكلة أوسع تتعلق بغياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، ويشير إلى أن معالجة مظاهر الانفلات الأمني لا يمكن أن تقتصر على احتواء كل مواجهة بصورة منفردة، وإنما تتطلب معالجة البنية التي تسمح بتكرارها.

غياب الإرادة السياسية يفاقم أزمة الأمن

من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد محفوظ أن تعقيدات المشهد الأمني لا يمكن أن تشكل مبرراً دائماً لاستمرار نفوذ التشكيلات المسلحة، مشيراً إلى أن الحكومات الانتقالية خلال السنوات الماضية امتلكت أدوات وصلاحيات وإمكانات واسعة كان يمكن توظيفها لإعادة تنظيم القطاع الأمني.

ويعتبر محفوظ أن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بنقص الإمكانات، وإنما بغياب الإرادة السياسية الكافية لتغيير واقع المشهد المسلح، مؤكداً أن استمرار الأوضاع الراهنة يعكس تعقيدات تتجاوز الجانب الأمني إلى طبيعة إدارة السلطة في المرحلة الانتقالية.

وينتقد محفوظ غياب تحرك حكومي واضح تجاه التطورات الأمنية الأخيرة، إلى جانب عدم صدور موقف رسمي يشرح للرأي العام طبيعة ما يجري أو يحدد إجراءات التعامل مع تداعياته.

ويشير إلى أن تكرار الصمت الرسمي عند وقوع أزمات أمنية يوسع الفجوة بين المؤسسات والمجتمع، ويعزز الانطباع بأن التعامل مع هذه الأزمات يقتصر على احتوائها مؤقتاً، بدلاً من وضع خطة معلنة لمعالجة أسبابها.

إدارة الأزمة أم معالجة جذورها؟

وتكشف التطورات المتكررة في الزاوية أن الإشكالية الأمنية في غرب ليبيا لا تتعلق فقط باندلاع اشتباكات متفرقة، وإنما ترتبط ببنية أمنية معقدة تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع تشكيلات مسلحة ذات نفوذ محلي، إلى جانب المصالح الاقتصادية والسياسية المرتبطة بمراكز القوة.

ويضع استمرار هذا الواقع الحكومة أمام اختبار يتجاوز احتواء المواجهات الآنية، إذ إن نجاح أي مقاربة أمنية يتطلب معالجة أسباب الصراع، وتحديد أدوار المؤسسات الرسمية، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة للقانون، إلى جانب وضع مسار عملي لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس موحدة.

كما أن استمرار معالجة الأزمات من خلال الوساطات والتفاهمات المؤقتة قد يوفر تهدئة قصيرة الأجل، لكنه لا يضمن منع تجدد المواجهات، خصوصاً في ظل غياب آليات واضحة للمساءلة وعدم وجود ترتيبات أمنية مستقرة تحظى بقبول مؤسسات الدولة والمجتمع.

وتشير الانتقادات المتداولة إلى أن استمرار هذا النهج يترك المدن الأكثر هشاشة أمنياً عرضة لدورات متكررة من العنف، ويحد من قدرة الدولة على فرض القانون، كما يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية.

وتبقى الزاوية، في ضوء هذه التطورات، نموذجاً بارزاً للتحديات التي تواجه عملية توحيد المؤسسات الأمنية في ليبيا. فالمعالجة المستدامة لا تبدو مرتبطة بوقف الاشتباكات وحده، وإنما بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة التوازنات بين القوى المسلحة إلى بناء منظومة أمنية مؤسسية تفرض القانون بصورة متساوية، وتمنع تحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم.

وفي ظل استمرار غياب موقف حكومي واضح بشأن التطورات الأمنية الأخيرة، يظل السؤال الأبرز مرتبطاً بقدرة المؤسسات الرسمية على تحويل ملف التشكيلات المسلحة من أزمة متكررة إلى أولوية وطنية لمعالجة جذورها، بما يضمن حماية المدنيين واستعادة هيبة القانون وتعزيز الاستقرار في المنطقة الغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى