غير مصنف

فضيحة دستورية تهزّ طرابلس.. «المنفي» يتحصن بـ«تعديل وهمي» و«عقيلة» يواجه مصير الغموض وسط صمت دولي

ليبيا 24

مجلس النواب يشلّ هيئة الرئاسة بـ98 صوتاً.. والرئاسي يتمسك بـ”نصاب دستوري” لمجلس لم يعد له وجود قانوني

من يحمي المواطن الليبي؟ صراع الشرعيات بين المنفي وعقيلة صالح يغرق الاقتصاد ويهدد الأمن القومي

حين يصبح الدستور سلاحاً في يد الانتهازيين

في مشهد يعيد إلى الأذهان مسرحيات العبث السياسي التي أكلت الأخضر واليابس في ليبيا منذ 2011، يطل علينا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بخطاب لا يختلف في جوهره عن خطابات من سبقه: خطاب يحتمي بشرعية دستورية مهترئة، ويتحدث عن “دولة القانون والمؤسسات” بينما المؤسسات نفسها غارقة في مستنقع التنازع على الشرعية.

المنفي، الذي صعد إلى المشهد عبر اتفاق سياسي هش، يجد نفسه اليوم في مواجهة حقيقية مع مجلس النواب الذي لا يزال يتمسك بشرعية قانونية لم يسقطها القضاء بعد، وإن سقطت في نظر الشارع الليبي منذ زمن.

الأزمة: قانون رقم 4 لسنة 2014.. النص الذي يريده الجميع أن ينساه

تتويجاً للفوضى التي ضربت مؤسسة التشريع الليبي، عقد مجلس النواب جلسة برئاسة النائب الثاني مصباح دومة، غاب عنها رئيس المجلس عقيلة صالح، وصوّت خلالها 98 نائباً من أصل 102 حاضرين لصالح اعتماد دورة برلمانية جديدة لهيئة الرئاسة، في خطوة اعتبرها المراقبون “كسر عظم” حقيقي في معركة الرئاسة. هذا التطور لم يكن ليحدث لولا الإخفاقات المتكررة لهيئة الرئاسة برئاسة عقيلة صالح، الذي يتولى المنصب منذ عام 2014، ووصوله إلى مرحلة “عدم القدرة على الاحتواء” وفقاً لما وصفه محللون.

لكن القضية أعمق من مجرد صراع على كرسي رئاسة. إنها أزمة قانون رقم 4 لسنة 2014، النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي يحدد هيكليته التنظيمية وآليات العمل التشريعي واللجان الدائمة وحقوق وواجبات الأعضاء. هذا القانون، الذي أقره المجلس نفسه، ولم ينقض دستورياً ولم يلغَ من السلطة التشريعية التي أصدرته، يظل ملزماً للمجلس وأعضائه ورئاسته. ومن ثم، فإن أي إجراء يخالفه يفتقد الشرعية القانونية.

المنفي: شرعية على أساس هش

يظهر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في هذا المشهد كطرف يزعم أنه يريد حماية الدستور، لكنه في واقع الأمر يدافع عن موقعه. في منشور عبر حسابه على منصة إكس، حثّ المنفي أعضاء مجلس النواب على “الالتزام بدولة القانون والمؤسسات والمرجعيات الحاكمة، وفي مقدمتها الإعلان الدستوري وتعديلاته”، مشيراً إلى المادة السادسة الفقرة “د” من التعديل الدستوري السادس، بشأن النصاب الدستوري لإقالة رئيس مجلس النواب، ومؤكداً أنه “لا يجوز مخالفة النص الدستوري ما دام رئيس المجلس لم يقدم استقالته”.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي دستورية يتحدث عنها المنفي؟ الدبلوماسي الأسبق حسن الصغير، في منشور عبر فيسبوك، وصف هذا الخطاب بأنه “من المخجل والمخزي”، مضيفاً أن المنفي “يتحدث عن قانونية ودستورية ما يدور بمجلس النواب وهو من ضمن ثلة ادعت بحل مجلس النواب بحكم محكمة دهان المرتشي”. والأشد إثارة، حسب الصغير، أن المنفي “يشير للتعديل السادس الذي لا وجود إطلاقاً لمجلس النواب فيه لا صراحة ولا ضمناً، لا كمسمى ولا ككيان”.

ما لا يريد المنفي أن تسمعه

يفسر الصغير الموقف القانوني بوضوح: “الساري قانوناً هو القانون رقم 4 لسنة 2014 الذي أقره مجلس النواب نفسه، ولم ينقض دستورياً ولم يلغ من السلطة التشريعية التي أصدرته، فهو ملزم للمجلس وأعضائه ورئاسته وحجة في مواجهتهم جميعاً”. ويضيف أن الدساتير والإعلانات الدستورية لا تنفذ من تلقاء نفسها، بل تنفذ بقوانين ولوائح وقرارات، وتظل هذه التشريعات موسومة بصفة الشرعية والمشروعية ما لم تلغ قضائياً أو تشريعياً.

والنقطة الجوهرية التي يطرحها الصغير: “ما تم لم يكن إقالة قانوناً بالمسمى القانوني للإقالة، بل هو إقرار لدورة انتخابية لم تكن موجودة أساساً بالقانون رقم 4 لسنة 2014″، مما يعني أن “ما تم إقراره مركز قانوني جديد جعل من هيئة رئاسة مجلس النواب شاغرة ومطروحة للترشح لجميع أعضائه بما فيهم الرئاسة الحالية”. وهذه الترشيحات، بحسب الصغير، “تخضع للمعايير العامة للنصاب القانوني غير المنصوص عليها لا في الإعلان الدستوري ولا في القانون رقم 4 سالف الذكر”.

الدبيبة: حكومة منتهية الولاية تغرق البلاد

في خضم هذا الصراع، يظل عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عاملاً معقداً. حكومته، التي كان من المفترض أن تمهد للانتخابات، تحولت إلى أداة للبقاء في السلطة. المحلل السياسي سليمان البيوضي وصف التعديلات الوزارية التي أجراها الدبيبة بأنها “دليل قاطع على انتهاء ما تبقى من شرعية وطنية وأخلاقية يمكن أن تستند إليها الحكومة للبقاء في السلطة”. ويشير تقرير آخر إلى أن حكومة الدبيبة “تعتبر منتهية الولاية، وتُتهم بالتحالف مع التشكيلات المسلحة من أجل نهب المال العام”.

المواطن الليبي: الضحية الصامتة

في كل هذا العراك السياسي، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الحقيقية. بينما يتنازع المنفي وعقيلة صالح والدبيبة على “الشرعية الدستورية”، تغرق البلاد في أزمة اقتصادية متفاقمة، وانقطاع متكرر للكهرباء، وانعدام للخدمات الأساسية. وفي ظل هذا الصراع، يجد المواطن نفسه ضائعاً بين خطابات تحتمي بـ”التعديل الدستوري السادس” وتارة أخرى بـ”القانون رقم 4 لسنة 2014″، بينما لا يجد من يسمع صوته.

أزمة شرعية بلا نهاية

المشهد الليبي اليوم هو مشهد أزمة شرعية متعددة الأوجه. مجلس النواب يعقد جلسة برئاسة نائب ثانٍ ويصوت على اعتماد دورة برلمانية جديدة، والرئاسي يتحدث عن “نصاب دستوري” غير موجود في أي نص قانوني، والحكومة منتهية الولاية تتشبث بالسلطة بكل ما أوتيت من قوة. وفي كل هذا، يغيب السؤال الأهم: من يحمي المواطن الليبي؟ من يعيد له كرامته وحقوقه؟ من يوقف هذا العبث الدستوري الذي لا ينتج سوى الفوضى والخراب؟ الأجوبة، حتى الآن، غائبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى