“إضراب المعلمين المفتوح يشل مدارس ليبيا ويفجّر أزمة شرعية في وجه حكومة الدبيبة منتهية الولاية”
"1.6 مليون تلميذ خارج المقاعد الدراسية.. والمعلمون يرفضون الوعود ويتمسكون بجدول مرتبات موحد"
ليبيا 24
من قلب الأزمة.. معلمو ليبيا يفتحون النار على حكومة “الوعود الزائفة“
في مشهد غير مسبوق يعكس هشاشة الدولة الليبية وعمق الأزمة المعيشية التي يعيشها المواطن البسيط، دخلت أزمة المعلمين في ليبيا منعطفاً حرجاً مع تحوّل تحرّكهم الاحتجاجي من اعتصام سلمي رافق انطلاق العام الدراسي إلى إضراب عام مفتوح شلّ المدارس الحكومية في مختلف أنحاء البلاد اعتباراً من 27 سبتمبر الماضي.
ولم يكن هذا التصعيد قراراً متسرعاً، بل جاء تتويجاً لسلسلة مطالب لم تجد آذاناً صاغية لدى حكومة الوحدة المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تمسّكت بمنصبها رغم انتهاء ولايتها، وواصلت سياسة “الوعود المؤجلة” التي لم تثمر عن أي قرارات نافذة على أرض الواقع.
جدول المرتبات الموحد.. مطلب سيادي تتنصل منه الحكومة
في قلب الأزمة، يقف مطلب اعتماد جدول مرتبات موحد على مستوى الدولة الليبية، وهو مطلب وصفه نقيب معلمي طرابلس الكبرى، أشرف بوراوي، بأنه “المطلب العاجل” لنقابة المعلمين.
وقال بوراوي، في مقابلة عبر قناة فرانس 24: “ليبيا لا يوجد بها حالياً جدول مرتبات موحد، فهناك قطاعات مرتباتها مرتفعة، وقطاعات أخرى بقيت مرتباتها على القيمة نفسها منذ سنوات“.
ويكشف بوراوي عن مفارقة صارخة، حيث يشير إلى أن “أغلب القطاعات لدينا تتبع أربعة أبواب، من بينها باب المرتبات، وهو أكبر باب يُنفق عليه من الميزانية أو من المصرف المركزي”، لكن هذا الإنفاق الضخم لا يصل إلى المعلم الذي “لم يعد مرتبه يواكب مستوى المعيشة الحالي“.
ويعكس هذا الواقع المأساوي ما نقلته وكالة “رويترز” عن تقرير حديث، حيث يشكو المعلمون من “تدني المرتبات التي لا تتجاوز في حالات كثيرة نحو 2000 دينار شهرياً”، وهو مبلغ لا يكفي – بحسب بوراوي – “حتى لتلبية أبسط متطلبات الحياة اليومية من مأكل ومشرب، ناهيك عن وجود حالات مرضية أو ظروف طارئة“.
التأمين الصحي وعلاوة الحصة.. استحقاقات مغيبة
لم يقتصر الأمر على المرتبات، بل يمتد إلى استحقاقات أخرى ظلت حبيسة الأدراج.
ويؤكد بوراوي أن “المطلب العاجل هو اعتماد جدول مرتبات موحد، بالإضافة إلى بعض الاستحقاقات عن السنوات الماضية، مثل علاوة الحصة والفروقات، والمطالبة بالتأمين الصحي، وهذا أيضاً مطلب لم تتم الاستجابة له حتى الآن“.
وقد حاولت الحكومة استرضاء المعلمين عبر إعلانات متتالية، منها ما أعلنه ديوان رئاسة الوزراء عن “مناقشة آلية تطبيق برنامج التأمين الصحي لفائدة موظفي قطاعي الصحة والتعليم”، غير أن هذه الاجتماعات لم تترجم إلى قرارات فعلية.
وفي هذا السياق، كشفت نقابة معلمي طرابلس أن “الحكومة لم تنفذ حتى الآن عدداً من حقوق المطالب الأساسية، من بينها علاوة الحصة والتأمين الصحي“.
وقال رئيس نقابة المعلمين في بنغازي، محمد الجهوي، إن الإضرابات “جاءت مدفوعة بالارتفاع الكبير في أسعار الغذاء وغيرها من التكاليف، مما جعل كثيراً من المعلمين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية“.
وفي تأكيد على أن الأزمة مرشحة للتفاقم، أعلنت النقابات العامة في ليبيا عن توجيه ضربة موجعة للحكومة، حيث أمهلتها 48 ساعة فقط للاستجابة لمطالبها، محذرة من “إعلان إضراب عام وشامل وتصعيد نقابي مفتوح” في حال عدم الاستجابة.
وأوضح البيان النقابي أن “الإعلان الدستوري المؤقت ألزم الدولة بضمان مستوى معيشي لائق وعدالة توزيع الثروة الوطنية”، مشيراً إلى “تآكل دخول العاملين” وتراجع القدرة الشرائية في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار.
المعلمون يتصدون لـ”الوعود الزائفة”.. وحكومة الدبيبة في موقف حرج
لا يخفي المعلمون سخطهم على أداء حكومة الدبيبة، حيث قال حمزة الفرجاني، أحد المعلمين المضربين، بصراحة لافتة: “يتلقون وعوداً، لكنها جميعاً وعود كاذبة“.
ويأتي هذا الغضب في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار، بينما تتقاعس الحكومة عن اتخاذ خطوات جادة لمعالجة الأوضاع المعيشية.
وقد وجّهت النقابة العامة للمعلمين رسالة مباشرة إلى الدبيبة، طالبته فيها بـ”التطبيق الفوري لمطالبهم وتنفيذ الوعود المؤجلة”، مؤكدة أن “حقوق المعلمين لا تقبل التأجيل، ولا ينبغي أن تبقى رهينة التسويف“.
وحمّلت الرسالة الحكومة مسؤولية “الوعود العامة والخطابات التي لا يترتب عليها أثر ملموس”، مطالبة بـ”إجراءات واضحة، وقرارات نافذة، وجداول زمنية محددة للتنفيذ“.
الطلاب في مرمى النار.. ومخاوف من سنة دراسية ضائعة
في خضم هذا الصراع، يدفع الطلاب الثمن الأكبر فقد حُرم نحو 1.6 مليون تلميذ في المرحلتين الابتدائية والثانوية من الالتحاق بمقاعد الدراسة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ضياع عام دراسي كامل.
ورغم إقرار بوراوي بأن “أبناء الأسر محدودة الدخل هم بالفعل الأكثر تضرراً من توقف الدراسة”، إلا أنه شدد على أن “هذا الضرر لا ينبغي أن يُحمّل للمعلم وحده”، معتبراً أن “استمرار تدهور أوضاع المعلمين ينعكس على المدرسة العامة نفسها، وقد يدفع الكفاءات إلى مغادرة المهنة“.
وأكد أن النقابة “مستعدة، فور استئناف الدراسة، للمشاركة في أي خطة تعويضية مكثفة، بما في ذلك تكثيف الحصص وتمديد الفصل الدراسي وبرامج دعم مركزة لتلاميذ الشهادات“.
المشهد النقابي يتسع.. ونقابة حي الأندلس ترفع سقف التحدي
في تطور لافت يعكس تماسك الصف النقابي، أعلنت نقابة معلمي حي الأندلس رفضها القاطع لاستمرار العمل في المدارس الخاصة خلال فترة الاعتصام والإضراب، مهددة باتخاذ إجراءات صارمة.
وجاء في بيان النقابة أن “التخلف عن الموقف النقابي والاستمرار في العمل بما يضعف الإضراب يُعد إخلالاً بواجب التضامن مع الزملاء وقضاياهم العادلة”، مؤكدة أنها “ستتابع هذه الحالات، وستتخذ بشأن ما يثبت منها الإجراءات النقابية والقانونية المناسبة“.
إن هذا الموقف يعكس رغبة النقابات في الحفاظ على وحدة الصف، وعدم السماح لأي ثغرة تضعف من قوة الإضراب.
كما يأتي في وقت تشهد فيه بعض النقابات الأخرى، مثل نقابتي بلدية الزاوية وصرمان، تمسكاً بمطالبها، معتبرةً أن “المعلمين يواجهون ظروفاً قاسية وتحديات مستمرة، ومطالبنا حقوق مشروعة وعادلة ولن نتنازل عنها“.
أزمة تتجاوز التعليم إلى شرعية الدولة
ما يجري في ليبيا اليوم ليس مجرد إضراب نقابي حول الأجور، بل هو مؤشر عميق على أزمة شرعية تعيشها حكومة الدبيبة، التي فشلت في تلبية أبسط حقوق مواطنيها.
فالمعلم، الذي يُفترض أن يكون حجر الزاوية في بناء أي مجتمع، يجد نفسه مضطراً للعمل في وظائف إضافية لتأمين قوت يومه، بينما تتقاعس الحكومة عن إقرار جدول مرتبات موحد يضمن العدالة الاجتماعية.
ومع استمرار الإضراب المفتوح، وتهديد النقابات بإضراب عام شامل، يبدو أن الدبيبة أمام اختبار حقيقي: إما الاستجابة لمطالب المعلمين، أو مواجهة تصعيد نقابي غير مسبوق قد يعصف بآخر ما تبقى من هدنة اجتماعية في بلد أنهكته الصراعات.
وفي كل الأحوال، يبقى المعلم الليبي هو الرابح الأكبر إذا نجح في انتزاع حقوقه، والمشهد السياسي الليبي على موعد مع تحولات كبرى قد تتجاوز حدود التعليم إلى مستقبل السلطة ذاتها.



