ليبيا

تطورات أمنية تعرقل المسار السياسي في ليبيا وتعيد ملف توحيد المؤسسات إلى الواجهة

تحذيرات من توظيف النفط والفوضى الأمنية لعرقلة المبادرات الدولية

تشهد ليبيا مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية، في وقت تتزايد فيه التحركات الرامية إلى إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.

ويرى محللون سياسيون أن الهجمات التي طالت منشآت حيوية، بالتزامن مع تطورات أمنية في شرق البلاد وغربها، تعكس حجم التحديات التي تواجه أي مسار سياسي يسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى وإنهاء حالة الانقسام.

وبحسب المحلل السياسي إبراهيم بلقاسم، فإن التطورات الأخيرة واستهداف مصفاة الزاوية قد تعكس وجود أطراف داخلية وخارجية ترى في مسار التقارب السياسي تهديداً لمصالحها، وتسعى إلى إرباكه عبر أزمات أمنية واقتصادية وسياسية. ويضع بلقاسم المال والنفط والأمن ضمن أبرز أدوات الضغط التي يمكن استخدامها للتأثير في مسار توحيد السلطة والمؤسسات.

في المقابل، يرى المحلل السياسي سالم بوخزام أن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس تمثل، في تقديره، أحد أكثر المسارات قابلية لتحقيق تقدم سياسي، خصوصاً مع ما يراه من قدرة المبادرة على تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب ودعم مسار توحيد مؤسسات الدولة.

استهداف المنشآت الحيوية يرفع مستوى المخاطر

يمثل استهداف مصفاة الزاوية ومحطات الكهرباء والمياه تطوراً يتجاوز البعد الأمني المباشر، بالنظر إلى ارتباط هذه المنشآت بالحياة اليومية والاقتصاد الوطني وأمن الطاقة.

ويعتبر بلقاسم أن استخدام الطائرات المسيرة ضد منشآت حيوية يفتح باباً أمام نمط جديد من التهديدات، خصوصاً في ظل عدم الإعلان حتى الآن عن الجهة المسؤولة عن الهجمات.

وتثير طبيعة الطائرات المستخدمة، وفق ما طرحه بلقاسم، تساؤلات حول مصادرها والجهات التي وفرتها وشغلتها، إلا أن هذه المعطيات تظل بحاجة إلى أدلة وتحقيقات رسمية قبل تحميل أي جهة مسؤولية مباشرة.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية مؤسسات الدولة عن حماية المنشآت الاستراتيجية ومنع تحول الخلافات السياسية إلى صراع أمني مفتوح، خصوصاً أن تكرار استهداف البنية التحتية قد يؤدي إلى توسيع دائرة المخاطر ويضع الاقتصاد والخدمات الأساسية أمام تهديدات متزايدة.

المبادرة السياسية أمام اختبار الأمن وتوحيد المؤسسات

من جانبه يرى بوخزام أن التطورات السياسية، وفي مقدمتها المبادرة الأميركية، يمكن أن تشكل مدخلاً لتوحيد الرؤى الليبية وإنهاء حالة التفرق المؤسسي. ويعزز هذا المسار، وفق رؤيته، التحرك التركي بين الأطراف الليبية في الشرق والغرب، إلى جانب التقدم في المسارات الأمنية والعسكرية.

كما يبرز ملف مجموعة 4+4 باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة بين المؤسسات والتشكيلات العسكرية في شرق البلاد وغربها، خاصة مع استمرار النقاش حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والملف الرئاسي والقوانين المنظمة للاستحقاقات المقبلة.

لكن الرهان على أي مبادرة سياسية يظل مرتبطاً بقدرتها على تجاوز واقع الانقسام الأمني والاقتصادي. فغياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة يجعل أي اتفاق سياسي عرضة للضغط من القوى المسلحة ومراكز النفوذ، بينما يؤدي استمرار الانقسام المالي والنفطي إلى إضعاف قدرة الدولة على فرض قراراتها.

ومن زاوية نقدية، تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف على شكل السلطة أو موعد الانتخابات، وإنما باتت مرتبطة بصورة أوسع بتوزيع النفوذ والسيطرة على الموارد والمؤسسات الأمنية. ولذلك فإن معالجة الهجمات الأخيرة بمعزل عن جذور الانقسام قد تؤدي إلى احتواء مؤقت للأزمة دون معالجة أسبابها.

كما أن توجيه الاتهامات السياسية قبل اكتمال التحقيقات قد يزيد الاستقطاب، ويحول العمليات الأمنية إلى أدوات لتصفية الحسابات، وهو ما يحذر منه بلقاسم عند حديثه عن ضرورة تحديد المسؤولين الفعليين عن الهجمات ومحاسبتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية.

في المحصلة، تبدو ليبيا أمام اختبار مزدوج: قدرة المسار السياسي على إنتاج توافق حقيقي، وقدرة المؤسسات القائمة على منع التدهور الأمني وحماية المنشآت الحيوية. وبينما تفتح المبادرات الدولية والإقليمية نافذة جديدة أمام التسوية، فإن استمرار الانقسام الأمني والمؤسسي يبقى العقبة الأبرز أمام تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مستقر وقابل للاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى