بنغازي تمد جسور الدبلوماسية إلى موسكو.. والكرملين يستقبل نائب القائد العام في لقاء يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية
صدام حفتر في قلب العاصمة الروسية.. بوتين يؤكد دعمه لوحدة ليبيا واستقرارها في خطوة تعزز الوزن السياسي للقيادة العامة
ليبيا 24
دبلوماسية بنغازي تعبر القارات.. من موسكو إلى واشنطن
في مشهد دبلوماسي يعكس تحولاً نوعياً في مسار السياسة الخارجية الليبية، يواصل نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر جولاته الدولية المكثفة، التي حملت رسائل واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن ليبيا لم تعد ساحة للصراع بقدر ما هي صانعة لتوازنات جديدة ترتكز إلى مصالحها الوطنية العليا.
فبعد لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في أثينا، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة، ورئيس الأركان الباكستاني في إسلام آباد، حلّ الفريق صدام حفتر ضيفاً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين، في زيارة وصفها مراقبون بأنها “لا تخلو من أبعاد استراتيجية ورسائل سياسية مهمة”.
الكرملين يفتح أبوابه لقيادة وطنية
اللقاء الذي جمع الفريق صدام حفتر بالرئيس بوتين لم يكن مجرد استقبال بروتوكولي أو صورة عابرة، بل حمل في طياته دلالات سياسية عميقة تعكس الصعود المتنامي لشخصية قيادية شابة باتت تمثل رقماً مهماً في معادلة المشهد الليبي.
فقد أكد الرئيس بوتين، وفق بيان صادر عن القيادة العامة للجيش، “دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات في ليبيا، وتعزيز استقرارها، والحفاظ على وحدة أراضيها، كما نقل البيان عن الرئيس الروسي “تقديره الكبير للقائد العام المشير خليفة حفتر، ولدور القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار في ليبيا”، وتثمينه “جهود نائب القائد العام في تطوير ورفع كفاءة القوات المسلحة”.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي عمر بوسعدة أن الزيارة تُعد “شرعنة للقيادة المستقبلية”، مشيراً إلى أن “اللقاء المباشر مع رئيس دولة بحجم روسيا هو بمثابة اعتراف رسمي ودولي بموقع الفريق صدام بصفته فاعلاً استراتيجياً وقائداً محورياً مستقبلياً؛ مما يعزز وزنه السياسي على الساحة الدولية”.
توازن دولي يخدم المصلحة الوطنية
ما يميز الحراك الدبلوماسي الذي يقوده الفريق صدام حفتر هو قدرته على المناورة بين القوى الدولية المتصارعة على النفوذ في ليبيا، دون أن يقفل الأبواب أمام أي من الأطراف الفاعلة.
ففي وقت التقى فيه الرئيس الروسي، التقي أيضاً المسؤولون الأميركيون في واشنطن، والفرنسيون في الإليزيه، والأتراك في أنقرة، في رسالة مفادها أن ليبيا قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق رؤية وطنية لا تنتقص من سيادتها ولا ترهن قرارها لأي طرف خارجي.
ويرى المحلل السياسي بوسعدة أن “العلاقة مع كل من روسيا وأميركا يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع”، مبرزاً أن ليبيا “تقف اليوم عند نقطة تقاطع جيواستراتيجي بين قوى دولية متعددة، والذكاء السياسي هنا يكمن في عدم الانحياز الكامل لطرف على حساب آخر؛ بل في إدارة توازن مصالح يحفظ ليبيا هامش المناورة”.
وهذا النهج البراغماتي في التعاطي مع الملف الخارجي لم يقتصر على الجانب السياسي، بل امتد ليشمل التعاون العسكري والأمني، حيث سبق أن أجرى الفريق صدام حفتر زيارة إلى موسكو في مايو الماضي، التقى خلالها نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية سيرغي كيريينكو ووزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، واستهدفت الزيارة بحث سبل تعزيز التعاون العسكري في مجالات التدريب والتأهيل وبرامج رفع الكفاءة والجاهزية.
المشروع الوطني.. رؤية ثابتة لا تتزعزع
في خضم هذا الحراك الدبلوماسي المكثف، يبقى المشروع الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر واضح المعالم، قوي البنيان، متماسك الأركان، لم تؤثر فيه عواصف الاقتلاع ولن تتأثر بتسفيهات المدونين أو تشكيك المشككين.
فالقرار الوطني نهائي، والخيار محسوم، والعمل مستمر ومتواصل، سبيله السياسة والحوار، وهدفه إنهاء الانقسام وجمع شتات الوطن، وغايته بناء الدولة الوطنية المنشودة والموعودة.
وفي هذا الإطار، ثمّن الفريق صدام حفتر في تصريح له إشادة الرئيس بوتين بدور القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار في ليبيا، وأكد “أهمية مواصلة تعزيز التعاون الليبي – الروسي في مختلف المجالات، بما يمهد لشراكة استراتيجية بين البلدين، ويخدم المصالح المشتركة، ويدعم جهود حفظ الأمن والاستقرار الإقليميين”.
إشادات واسعة بدبلوماسية بنغازي
لم تمرّ هذه الجولة الدبلوماسية دون أن تثير إشادات واسعة من قبل الناشطين والمحللين السياسيين، الذين رأوا فيها نقلة نوعية في التعاطي مع الملف الليبي دولياً. فقد اعتبر الناشط السياسي محمد قشوط أن لقاء الكرملين “لم يكن استقبالاً أو مجرد لقاء بروتوكولي أو صورة عابرة؛ بل عكس خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة”، مشيراً إلى أن الفريق صدام حفتر “استطاع أن يسير بخطى ثابتة في سياسة تصفير العداوات، واحتواء الخصوم للقيادة العامة، ويصنع حالة من توازن القوى في ظل التشابك والتداخل الدولي الذي يتصارع حول ليبيا”.
من جانبه، أكد المحلل السياسي إدريس احميد أن لقاء الرئيس بوتين مع نائب القائد العام، وقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، “يؤكد على الاهتمام الدولي بدوره في ليبيا”.
أما مسجل عام الأكاديمية العسكرية للعلوم الأمنية والاستراتيجية مرعي الظريف، فأشار إلى أن “الانفتاح على الآخرين لا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا”، معتبراً أن الفريق صدام خليفة حفتر “خيار جدير بالدعم”، وأن حضوره في أي ترتيبات قادمة “يستند إلى ما يمتلكه من مقومات وقدرة على التعاطي مع تعقيدات المشهد الليبي”. وأكد الظريف أن “مصلحة ليبيا هي البوصلة، لا أسماء الأشخاص”.
ليبيا في قلب التوازنات الدولية
إن استقبال رئيسين لدولتين قويتين – الرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة للمشير خليفة حفتر، والرئيس فلاديمير بوتين في موسكو للفريق صدام حفتر – في توقيت متزامن، يحمل دلالات بالغة الأهمية، فهو دليل على أن العالم يعرف من هم رجال ليبيا الحقيقيين الفاعلين الذين يملكون ثنائية القرار والقوة.
فالمسار الذي ترسمه القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، بقيادة المشير خليفة حفتر ونائبه الفريق صدام حفتر، هو مسار يعزز الاستقرار ويبني الدولة على أسس متينة، بعيداً عن الفوضى والانقسام.
وما التحولات الدبلوماسية التي تشهدها الساحة الليبية اليوم إلا ثمرة لهذه الرؤية الوطنية الثاقبة التي تضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار.



