ليبيا تفقد مئات الهكتارات من غطائها الشجري وسط تصاعد الضغوط البيئية
تراجع الغطاء النباتي يهدد التربة والتنوع الحيوي ويزيد مخاطر التصحر

تواجه ليبيا تحدياً بيئياً متصاعداً مع استمرار تراجع الغطاء النباتي في بلد لا تتجاوز فيه المساحات الخضراء نسبة محدودة من إجمالي مساحته، وسط ضغوط متزامنة تشمل التصحر والجفاف والحرائق وتدهور الموارد المائية والأنشطة البشرية. وتكشف بيانات المرصد العالمي للغابات عن فقدان نحو 390 هكتاراً من الغطاء الشجري بين عامي 2001 و2025، بما يعادل نحو 6% من مساحة الغطاء الغابي المسجلة عام 2000.
الجبل الأخضر في صدارة المناطق المتضررة
يتركز الجزء الأكبر من الخسائر في المناطق التي تمثل المخزون الطبيعي المحدود للغطاء الأخضر في ليبيا، إذ سجل الجبل الأخضر فقدان نحو 250 هكتاراً، يليه المرج بنحو 52 هكتاراً، ثم درنة بنحو 39 هكتاراً. كما فقدت البلاد خلال عام 2025 وحده نحو 36 هكتاراً من الغابات الطبيعية.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تراجع في المساحات الخضراء، بل تكشف عن ضغوط متزايدة على نظم بيئية محدودة وقابلة للتجدد ببطء، خصوصاً في المناطق الجبلية والزراعية والواحات.
عوامل بشرية وطبيعية تضاعف الخسائر
تشير البيانات إلى أن إزالة الغابات شكلت عاملاً رئيسياً في خسارة 51% من المساحات المتراجعة خلال الفترة بين 2001 و2025، بالتزامن مع تأثيرات التصحر والجفاف وتدهور الأراضي.
وتفاقمت الضغوط بفعل الحرائق التي طاولت غابات الجبل الأخضر خلال السنوات الأخيرة، وألحقت أضراراً بالغطاء النباتي والحياة البرية، بينما تواجه مناطق الجنوب تحديات مرتبطة بتدهور الأراضي وتراجع التنوع الحيوي.
وتزداد خطورة هذه العوامل في ظل حقيقة أن الصحراء تشغل نحو 95% من مساحة ليبيا، ما يجعل أي تراجع إضافي في المناطق الخضراء ذات تأثير يتجاوز حجمها الجغرافي.
خسائر بيئية تتجاوز فقدان الأشجار
يحذر أكاديميون من التعامل مع فقدان الغطاء النباتي باعتباره مجرد تراجع في عدد الأشجار، إذ يؤدي الغطاء الشجري وظائف أساسية في تثبيت التربة والحد من انجرافها، والحفاظ على الرطوبة، وحماية التنوع الحيوي، وتنظيم درجات الحرارة والرطوبة محلياً.
ويرى أستاذ الدراسات المناخية سليمان الزحاف أن خطورة فقدان نحو 390 هكتاراً تزداد عند وضع الرقم في سياق محدودية الغطاء النباتي الليبي أصلاً، مؤكداً أن استمرار التراجع يفتح المجال أمام تمدد التصحر وتدهور الموائل الطبيعية، ويجعل استعادة الأراضي المتدهورة أكثر كلفة وبطئاً.
التشجير وحده لا يكفي
شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية حملات أهلية ورسمية للتشجير، من بينها مبادرات تستهدف زراعة ملايين الأشجار، إلى جانب جهود لإعادة تأهيل بعض المناطق المتضررة في الجبل الأخضر وإنعاش المحميات الطبيعية.
كما وافق مرفق البيئة العالمي في ديسمبر 2025 على تمويل بقيمة 5.8 ملايين دولار لمبادرة تنفذها وزارة البيئة الليبية في مناطق عدة، بينها حوض بحيرات أوباري، بهدف الحد من تدهور الأراضي وحماية التنوع الحيوي وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
لكن هذه المبادرات تظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى سياسة بيئية طويلة الأجل، وفق رؤية الزحاف، الذي يشدد على ضرورة أن تكون مواجهة انحسار الغطاء النباتي مسؤولية رسمية مدعومة بخطط واضحة وتمويل مستدام، تشمل حماية المناطق الحرجية وتنظيم استخدامات الأراضي والحد من الحرائق.
الأمن البيئي يبدأ بحماية الغطاء الأخضر
تكشف أزمة الغطاء النباتي في ليبيا عن فجوة بين حجم المخاطر البيئية وحجم الاستجابة لها. فالتشجير قد يعوض جزءاً من الخسائر، لكنه لا يعالج وحده أسباب إزالة الغابات وتدهور الأراضي وشح المياه والحرائق.
ومن ثم، فإن حماية الغطاء النباتي ينبغي أن تتحول من حملات موسمية إلى جزء من سياسة متكاملة للأمن البيئي والمائي والغذائي، خصوصاً أن فقدان الأشجار في بلد صحراوي لا يعني خسارة مساحات خضراء فحسب، بل تراجع قدرة النظم الطبيعية على حماية التربة والتنوع الحيوي ومواجهة آثار تغير المناخ.



