استهداف منشآت النفط في ليبيا.. صراع على الموارد أم على النفوذ السياسي؟
اضطرابات الزاوية تهدد الاستثمارات وخطط زيادة الإنتاج

تواجه صناعة النفط الليبية اختبارًا جديدًا في ظل التوترات الأمنية في منطقة الزاوية واستهداف منشآت النفط والطاقة، في وقت تسعى فيه المؤسسة الوطنية للنفط إلى جذب استثمارات ضخمة لتطوير الاحتياطيات ورفع الإنتاج.
وبينما تمثل المنشآت النفطية هدفًا مباشرًا للصراع الأمني، فإن التطورات تعكس في جانب أوسع تنافسًا على الموارد والنفوذ السياسي في بلد يعتمد اقتصاده بصورة شبه كاملة على قطاع النفط.
40 مليار دولار لإنقاذ فرص التطوير
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، أكد أن ليبيا تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير موارد النفط والغاز، مشيرًا إلى أن نقص رأس المال يمثل أحد أبرز العوائق أمام إحراز تقدم في القطاع.
وتكتسب الحاجة إلى التمويل أهمية أكبر في ظل وجود أكثر من 60 اكتشافًا للنفط والغاز لم تدخل بعد مراحل التنمية، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الثروة النفطية الليبية لا يزال خارج دائرة الاستثمار والإنتاج.
الزاوية.. النفط في قلب صراع متعدد الأبعاد
تأتي اضطرابات الزاوية لتكشف هشاشة البيئة التي تتحرك فيها صناعة النفط الليبية، فاستهداف منشآت الطاقة لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثًا أمنيًا معزولًا، إذ يرتبط بتنافس أطراف محلية على الجغرافيا والموارد ومواقع النفوذ، بالتزامن مع الاستعداد لمرحلة سياسية ومفاوضات محتملة حول مستقبل السلطة وترتيباتها.
وتبرز مصفاة الزاوية باعتبارها واحدة من أهم نقاط التداخل بين الاقتصاد والأمن والسياسة، نظرًا إلى قيمتها المالية والاستراتيجية، وهو ما يجعل السيطرة على محيطها جزءًا من صراع أوسع على الموارد ومقدرات الدولة.
المصالح الاقتصادية تعقّد المشهد الأمني
ولا يقتصر الصراع على القوى السياسية والعسكرية المحلية، إذ تتداخل معه أدوار ومصالح خارجية، إلى جانب أنشطة الجريمة المنظمة المرتبطة بتهريب الوقود والبشر والاستفادة غير المشروعة من الموارد.
ويؤدي هذا التداخل إلى تحويل المنشآت النفطية من أصول اقتصادية يفترض أن تكون محمية من التجاذبات السياسية إلى نقاط ضغط تستخدمها أطراف متعددة لتعزيز النفوذ وفرض الحضور على الأرض.
أمن النفط شرط لجذب الاستثمارات
المفارقة أن ليبيا تمتلك فرصة كبيرة لزيادة إنتاجها والاستفادة من اكتشافات غير مطورة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديًا يتمثل في حماية الأصول التي يفترض أن تمول عملية التنمية.
فالنفط يمثل أكثر من 90 في المئة من موارد الدولة، ولذلك فإن أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير لا يتوقف أثره عند قطاع الطاقة، بل يمتد مباشرة إلى المالية العامة، وقدرة الدولة على تمويل الخدمات والمشروعات والتنمية.
وبالتالي، فإن استهداف منشآت النفط لا يمثل تهديدًا أمنيًا فقط، بل يضرب أساس الاستقرار الاقتصادي نفسه، ويضعف قدرة ليبيا على جذب الاستثمارات التي تحتاج إليها لتطوير مواردها.
صراع الموارد يسبق صراع السياسة
تكشف تطورات الزاوية أن معركة النفط في ليبيا تتجاوز مسألة الإنتاج والتصدير إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يملك القدرة على التحكم في الموارد ومفاتيح الاقتصاد.
وبينما تحتاج المؤسسة الوطنية للنفط إلى عشرات المليارات لتطوير القطاع وتحقيق هدف مليوني برميل يوميًا، فإن استمرار الانقسام الأمني والسياسي قد يجعل حماية الاستثمارات أكثر إلحاحًا من استقطابها، فالمشكلة الليبية لم تعد في حجم الثروة المتاحة بقدر ما أصبحت في قدرة الدولة على تأمينها وإدارتها بعيدًا عن صراع النفوذ.
ومن هنا، فإن استمرار استهداف المنشآت النفطية قد يحوّل الثروة التي يفترض أن تكون رافعة للاستقرار والتنمية إلى أداة إضافية للصراع، ما يهدد ليس فقط خطط زيادة الإنتاج، وإنما مستقبل الاقتصاد الليبي وقدرته على الخروج من دائرة الاعتماد على النفط دون استقرار سياسي وأمني مستدام.



