ليبيا

69 مليار دينار إنفاقًا موازيًا في ليبيا.. أزمة مالية تتجاوز حدود الموازنة

انقسام مؤسسي يضاعف الإنفاق ويضغط على الدينار وسط مطالب بموازنة موحدة ورقابة أكثر فاعلية

يثير تقدير حجم الإنفاق الموازي في ليبيا بنحو 69 مليار دينار،تساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا الإنفاق ومصادر تمويله ومدى إدراجه ضمن الأطر المالية الرسمية، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه انقسامًا مؤسسيًا وتعددًا في مراكز اتخاذ القرار والإنفاق.

ولا تبدو المشكلة في حجم الرقم وحده، بقدر ما تكشفه هذه الأرقام عن اتساع الفجوة بين إدارة الموارد العامة وبين قدرة الدولة على توحيد الموازنة وتتبع حركة الأموال وقياس أثرها الاقتصادي، وسط تحذيرات من أن استمرار الإنفاق المرتفع قد يفاقم الضغوط على سعر صرف الدينار واحتياطيات النقد الأجنبي.

وتكشف بنود الانفاق عن مشكلة هيكلية في المالية العامة، إذ يذهب الجزء الأكبر من الموارد النفطية وإيرادات الدولة إلى الإنفاق الجاري بدلًا من توجيهه إلى مشروعات إنتاجية قادرة على توليد قيمة مضافة وتعزيز الإيرادات وتقليل الاعتماد على الواردات.

ويحذر محللون من أن استمرار هذا المسار يقلص قدرة الدولة على تمويل التنمية ويضعف فرص تحقيق استقرار مالي واقتصادي مستدام، خصوصًا مع ارتباط جزء من الإنفاق بسلع مستوردة تستنزف النقد الأجنبي وتزيد الطلب على الدولار.

قراءة نقدية للـ69 مليارًا.. الرقم لا يروي القصة كاملة

ويرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور أبو سيف أغنية أن التعامل مع رقم 69 مليار دينار يحتاج إلى قدر من الدقة، موضحًا أن الرقم لا يعني بالضرورة، من الناحية المحاسبية، أن كامل المبلغ يمثل إنفاقًا خارج الموازنة.

وتكمن أهمية هذه القراءة في ضرورة التمييز بين الإنفاق الموازي بمعناه المحاسبي والإنفاق الذي يتم خارج منظومة مالية موحدة، إذ إن الخلط بين المفهومين قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لحجم الاختلال الحقيقي في المالية العامة.

الانقسام المؤسسي.. أصل المشكلة المالية

ويضع أغنية الأزمة في سياق أوسع، موضحًا أن الانقسام المؤسسي خلال السنوات الماضية أدى إلى تعدد مراكز الإنفاق وظهور صناديق وحسابات ومشروعات وترتيبات مالية لا تظهر دائمًا ضمن منظومة مالية موحدة.

ويؤكد أن المشكلة لا تتعلق بقيمة الإنفاق فقط، وإنما بطبيعته ومصادر تمويله وتوقيته وآليات الرقابة عليه، مستشهدًا ببيانات مصرف ليبيا المركزي لعام 2024 التي أظهرت إنفاقًا مزدوجًا بلغ نحو 224 مليار دينار، بما يعني أن رقم 69 مليارًا يمثل جزءًا من صورة مالية أوسع وأكثر تعقيدًا.

ومن هذه الزاوية، فإن الجدل حول الـ69 مليار دينار ينبغي ألا يتحول إلى نقاش رقمي مجرد، بل إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يقرر الإنفاق، ومن يراقبه، وكيف يتم تمويله، وما العائد الاقتصادي الذي يتحقق في المقابل.

الإنفاق المرتفع يضغط على الدينار

ويحذر أغنية من أن زيادة الإنفاق والسيولة ترفع الطلب على الواردات والعملات الأجنبية، وهو ما يضاعف الضغوط على الدينار ويغذي التضخم وارتفاع الأسعار.

لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن تقييم الإنفاق لا ينبغي أن يستند إلى حجمه فقط، وإنما إلى النتائج التي يحققها. فالإنفاق على مشروع إنتاجي يرفع القدرة المحلية على الإنتاج أو يقلل فاتورة الاستيراد يختلف اقتصاديًا عن الإنفاق الجاري الذي ينتهي أثره بانتهاء الصرف.

أزمة الـ69 مليارًا تكشف خللًا أعمق

وتكشف قضية الإنفاق الموازي عن أزمة تتجاوز قيمة الـ69 مليار دينار، لتلامس جوهر إدارة المال العام في ليبيا، حيث يؤدي تعدد مراكز الإنفاق وضعف التنسيق المؤسسي إلى صعوبة تكوين صورة مالية موحدة ودقيقة للدولة.

وبينما تبدو السيطرة على الإنفاق ضرورة للحفاظ على استقرار الدينار والحد من استنزاف النقد الأجنبي، فإن خفض الإنفاق بصورة عشوائية قد لا يكون الحل الأمثل؛ فالمطلوب هو إعادة توجيهه من الإنفاق الاستهلاكي والجاري إلى الاستثمار والإنتاج، مع إخضاعه لمنظومة واضحة من الرقابة والمساءلة.

وفي المحصلة، فإن رقم الـ69 مليار دينار لا يمثل وحده جوهر المشكلة، بل يسلط الضوء على الحاجة إلى إصلاح أوسع للمالية العامة، يبدأ بتوحيد الموازنة والحسابات الحكومية، ويمر بضبط المحروقات والاستيراد والمرتبات، وينتهي بربط كل دينار يُنفق بنتيجة اقتصادية واضحة يمكن قياسها ومساءلة المسؤولين عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى