اتفاق «4+4».. فرصة لكسر الجمود في الأزمة الليبية
إدريس احميد – ليبيا 24:
تأتي مراسم التوقيع على اتفاق اللجنة السياسية «4+4» في ليبيا بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعمق منذ عام 2015، وأنتج حكومتين متنافستين، وعطّل الانتخابات، وأبقى المسار الدستوري والسياسي في حالة جمود، رغم تعدد المبادرات والاتفاقات التي رعتها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
ولم تعد المشكلة في غياب المبادرات، بقدر ما أصبحت في قدرة الأطراف الليبية على الالتزام والتنفيذ فقد استغرقت المسارات الأممية وقتاً طويلاً من دون الوصول إلى تسوية تنهي الانقسام، الأمر الذي أفقد قطاعات من الليبيين الثقة في جدوى هذه المسارات، وخلق انطباعاً بأن إدارة الأزمة أصبحت أسهل من إنهائها.
ومع ذلك، فإن استمرار الأزمة لا تتحمله البعثة الأممية وحدها؛ فالعجز الليبي عن إنتاج توافق ليبي ـ ليبي، إلى جانب الانقسام الإقليمي والدولي وتضارب المصالح داخل مجلس الأمن، أسهم في إطالة الأزمة.
فالمجتمع الدولي الذي توافق على التدخل في ليبيا عام 2011، لم يستطع لاحقاً الحفاظ على التوافق المطلوب لاستكمال مسار الاستقرار وبناء الدولة.
ومن هنا يمكن فهم التحرك الأميركي الأخير باعتباره محاولة للبحث عن «أفضل الممكن»، عبر التواصل مع الأطراف الأكثر تأثيراً وفتح مسار عملي يمكن أن يكسر الجمود، بدلاً من الاستمرار في إنتاج حلول نظرية جُربت لسنوات ولم تحقق النتيجة المطلوبة.
وتأتي أهمية «4+4» من هذه الزاوية؛ فهو ليس حلاً نهائياً للأزمة، وإنما خطوة يمكن البناء عليها، خصوصاً مع الاتفاق على تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما قد يساعد على إعادة تحريك المسار الانتخابي وتهيئة الظروف لاستحقاقات طال انتظارها.
فالانتخابات تظل المدخل الأساسي لإنهاء المراحل الانتقالية، لكنها تحتاج إلى توافق على القواعد الدستورية والقانونية، ومؤسسات انتخابية موحدة وذات مصداقية، وبيئة سياسية وأمنية تسمح للناخب والمرشح بممارسة حقوقهما بحرية، بعيداً عن التهديد أو الضغط أو تأثير السلاح.
وهنا يبرز الملف الأمني باعتباره أحد أهم الاختبارات. فاستمرار السلاح خارج الأطر الشرعية يمثل خطراً على أي عملية سياسية، لكن مخرجات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، إلى جانب اللقاءات والمناورات المشتركة بين عناصر المؤسسة العسكرية من الشرق والغرب والجنوب، تؤكد أن هناك إمكانية للبناء على العمل المشترك وتوحيد المؤسسة العسكرية، بما يجعلها مؤسسة لحماية الدولة وتأمين العملية السياسية، لا طرفاً فيها.
ولا يمكن فصل ذلك عن الأزمة الاقتصادية التي أصبحت عبئاً إضافياً على المواطن الليبي، في ظل الفساد وتعطل التنمية وتراجع الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية.
ولذلك فإن توحيد المؤسسات المالية والميزانية يمثل ضرورة لمعالجة الاقتصاد، وتوجيه موارد الدولة نحو التنمية والخدمات، بدلاً من استمرار الانقسام في إدارة مقدرات البلاد.
لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا بعد التوقيع؟
هنا تكمن قيمة الاتفاق الحقيقية. فليبيا لا تحتاج إلى اتفاق جديد يضاف إلى قائمة الاتفاقات السابقة، وإنما تحتاج إلى اتفاق يتم تنفيذه.
ولهذا فإن «4+4» يحتاج إلى ضمانات محلية واضحة وقوة تنفيذ حقيقية، تلتزم بموجبها الأطراف بما تم التوافق عليه، كما يحتاج إلى ضمانات أميركية ودولية، خصوصاً بعد ترحيب الدول الكبرى به.
وهذه الدول مطالبة اليوم بالاستفادة من أخطاء الماضي؛ إذ لا يكفي أن ترحب بالاتفاق ثم تترك الأطراف أمام خلافاتها. المطلوب هو تحويل الترحيب إلى متابعة وضمانات وضغط سياسي على أي طرف يحاول تعطيل التنفيذ، من دون أن يعني ذلك فرض وصاية خارجية على القرار الليبي.
وبمعنى آخر، المطلوب قرار ليبي وتنفيذ ليبي، بضمان دولي يمنع العودة إلى نقطة الصفر.
أما اعتراض بعض الأطراف والمؤسسات السياسية على الاتفاق، فهو حق مشروع، لكن الاعتراض لا يكفي ما لم يصاحبه بديل عملي. فقد جُربت خلال سنوات الأزمة مسارات عديدة، وتغيرت حكومات ومؤسسات، بينما بقيت الأزمة تراوح مكانها. ولذلك فإن العودة إلى الصيغ التي أثبتت محدودية نتائجها لن تكون حلاً.
في المحصلة، لا يمثل «4+4» نهاية الأزمة الليبية، لكنه قد يكون فرصة مهمة لكسر الجمود وفتح طريق جديد نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات واستكمال المسار الدستوري ومعالجة الملفات الاقتصادية والأمنية.
وتبقى العبرة في التنفيذ.
فإذا التزمت الأطراف الليبية، ووفرت القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، الضمانات والدعم اللازمين، فقد يتحول الاتفاق إلى نقطة بداية لمسار أكثر جدية.
أما إذا بقي مجرد توقيع جديد بلا تنفيذ، فسوف ينضم إلى سلسلة طويلة من الاتفاقات التي لم تستطع ليبيا أن تحولها إلى واقع.
ليبيا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من إدارة الأزمة، بل إلى بداية عملية للخروج منها. وربما يكون «4+4» أفضل الممكن لكسر هذا الجمود، شريطة ألا يتوقف الأمر عند التوقيع.



