ليبيا

“الغرياني والدبيبة.. وجهان لعملة الفوضى في مشهد ليبي يئن تحت وطأة التناحر”

المفتي المعزول وحكومة العجز.. صراع النفوذ على حساب الدم الليبي وسيادة الدولة

الغرياني يلوّن السياسة بالدين والدبيبة يكرّس الانقسام.. والشعب الليبي يدفع الثمن

ليبيا 24

في مشهد يعكس تعقيدات الأزمة الليبية، يتنافس رجلان على استغلال مقدرات الوطن ومصير المواطنين، كلٌّ بأدواته وغطائه. فالمفتي المعزول الصادق الغرياني يزيّن السياسة بثوب الدين، ويصدر فتاوى تحريضية تبرر العنف وتقسّم المجتمع، فيما ينشغل رئيس الحكومة المنتهية ولايته عبدالحميد الدبيبة بتثبيت أقدامه على كرسي السلطة، مُكرّساً بذلك حالة الانقسام المؤسسي والفساد المالي، متناسياً أن المواطن الليبي يعيش أوضاعاً معيشية متردية وأمنياً متدهوراً.

الغرياني.. خطاب ديني بأجندة سياسية هدامة

يصر المفتي المعزول على تقديم قراءاته للأحداث باعتبارها “أحكاماً شرعية” تلزم الجميع، في محاولة لإعادة إنتاج دور مركزي له بعد إقالته.

غير أن خطابه يخلو من أي رؤية بناءة، ويركز على تهويل الأوضاع وتحميل المؤسسات الرسمية مسؤولية كل شيء، بينما يتغاضى عن حقيقة أنه هو نفسه جزء من منظومة الفتاوى التي أسهمت في تأجيج الصراع المسلح وإغراق ليبيا في دوامة العنف خلال السنوات الماضية.

فالغرياني الذي يتحدث اليوم عن “انتقاص السيادة” و”زوال المُلك”، كان بالأمس يفتي بشرعية حمل السلاح ضد الدولة، ويبرر الخروج على المؤسسات الشرعية، مما جعله شريكاً رئيسياً في خلق البيئة الحاضنة للميليشيات والإرهاب.

محاولاته اليوم لتقديم نفسه كناصح أمين تصطدم بسجله الحافل بالفتاوى المتطرفة التي لا تزال أصداؤها تعصف بليبيا.

الدبيبة.. حكومة عاجزة عن الحماية وإدارة الأزمات

في الجانب الآخر، يواصل الدبيبة التمسك بمنصبه رغم انتهاء ولايته، متذرعاً بحجج واهية، فيما تتفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية تحت إدارته.

فالأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة له تتضخم أعدادها دون أن تتمكن من حماية محطة كهرباء أو مصفاة نفط من اعتداءات المتخربين، في مشهد يفضح عجزاً استراتيجياً لا يمكن تبريره بأي حال.

فقد شهدنا جميعاً كيف جرّأت سياسة التسويات العاجزة التي ينتهجها الدبيبة الخارجين عن القانون على استهداف مصفاة الزاوية بطائرات مسيرة، وكيف تحولت مؤسسات الدولة إلى غنيمة تتقاسمها الميليشيات الموالية له، فيما تُترك المرافق الحيوية فريسة للإهمال والتخريب.

هذا العجز الممنهج ليس مجرد تقصير، بل هو نتيجة طبيعية لإدارة تستخدم مؤسسات الدولة كأداة لتعزيز النفوذ الشخصي، لا لحماية السيادة الوطنية.

الصراع على النفوذ يخدم الأجندات الخارجية

الملفت أن كلاً من الغرياني والدبيبة يستفيد من حالة التشرذم والانقسام؛ فالأول يجد في الفوضى غطاءً لخطابه التحريضي، والثاني يراها فرصة لإطالة أمد بقائه في السلطة. وهذه الثنائية المريبة تخدم بالأساس الأجندات الخارجية التي تريد إبقاء ليبيا حديقة خلفية لمشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية.

فالمفتي المعزول الذي يهاجم التدخل الأجنبي، يمارس في الوقت نفسه ترويجاً لأفكار تخدم الجماعات المتطرفة التي تستغلها القوى الخارجية كورقة ضغط. أما الدبيبة، فيبدو مستعداً لتقديم تنازلات سيادية للمجتمع الدولي نظير بقائه في الحكم، مما يضع السيادة الوطنية في مهب الريح، ويجعل ليبيا رهينة للإملاءات الخارجية.

الإدارة المالية الفاسدة تنذر بالإفلاس

وفي الملف الاقتصادي، يلتقي الرجلان عند نقطة واحدة هي المسؤولية عن إهدار المال العام. فالغرياني وإن كان يهاجم سياسات مصرف ليبيا المركزي ويتحدث عن المعاملات الربوية والإنفاق الموازي، إلا أنه كان جزءاً من الفضاء الفكري الذي أضفى الشرعية على الفوضى المالية ونهب مقدرات الدولة.

أما الدبيبة، فإن حكومته هي التي أذنت بتحويل مليارات الدينارات دون رقابة، وسمحت بتمرير صفقات مشبوهة تحت غطاء الإنفاق التنموي، فيما تُترك الجمعيات الخيرية التي تُغيث الفقراء للمضايقة والإغلاق.

إن ما يسمى بـ”الإنفاق الموازي” الذي تجاوز 69 مليار دينار، ليس إلا قطرة في بحر الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، والذي يستفيد منه مقربون من الدبيبة وجماعات مسلحة على ولاء له.

وفي المقابل، يصر الغرياني على التغاضي عن دور حكومة الدبيبة في نهب المال العام، مكتفياً بتوجيه أصابع الاتهام إلى المصرف المركزي، وكأن الأموال المنهوبة تطير وحدها دون أوامر من السلطة التنفيذية.

القطاع الصحي.. ضحية الفساد وتناحر الرجلين

صورة القطاع الصحي في ليبيا تعكس بوضوح حجم الكارثة التي تسببها هذه الثنائية المدمرة.

فالمرضى والعجزة والمصابون بالأمراض المزمنة يعانون من نقص الدواء وانقطاع الخدمات، بينما تُنهب المليارات المخصصة للصحة في صفقات فاسدة يرعاها الدبيبة ويصمت عنها الغرياني، الذي يكتفي باستغلال معاناتهم كورقة سياسية لاستنهاض العواطف، دون أن يقدم حلاً واحداً لإنقاذ القطاع الصحي من براثن الفساد.

فأجهزة التشخيص متوقفة عن العمل، ومرضى التليف الكيسي والأورام يعانون معاناة لا تطاق، وكثير منهم يموتون بصمت بينما يتناحر الرجلان على منصب لا يمثل هموم المواطن الحقيقية، ويتسابقان في إلقاء التهم على المؤسسات دون تحمل أي مسؤولية أخلاقية أو وطنية.

الموقف الوطني يرفض التناحر ويدعم الحلول السيادية

إن المتتبع لمشهد الصراع بين الغرياني والدبيبة يدرك أن ليبيا ليست بحاجة إلى مفتٍ يوزع صكوك الغفران على الإرهابيين، ولا إلى حكومة عاجزة تتاجر بالأزمات وتُبقي البلاد في حالة انقسام مقصود.

فالمواطن الليبي المكلوم الذي أنهكته الحروب وضاع مستقبله، ينظر إلى هذا التناحر بازدراء، ويرفض أن يكون رهينة لمشاريع سياسية ودينية لا تهدف سوى إلى البقاء في دائرة الضوء والحفاظ على المكتسبات الشخصية.

ليبيا التي تتطلع إلى بناء دولة مؤسسات قوية، تحتاج إلى قيادة وطنية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وتعمل على استعادة السيادة وحماية الثروات، وإعادة الإعمار في كل ربوع البلاد.

وهذا يتطلب تجاوز دور الغرياني كمرجعية دينية متطرفة، وإنهاء حالة العجز التي تمثلها حكومة الدبيبة، والانطلاق نحو مسار سياسي يضع المواطن في قلب الأولويات، لا على هامش صراعات النفوذ والفساد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى