الغرياني.. مفتي الفوضى يلوّن السياسة برداء الدين ويُسقط في شرك التخوين
المفتي المعزول يتحدى السيادة الليبية بخطاب تحريضي.. ويدافع عن الإرهاب بصكوك الغفران
ليبيا 24:
تصريحات الغرياني.. تغطية دينية لأجندة هدامة وتمهيد لتمرير الهيمنة الخارجية على حساب الدم الليبي
المفتي المعزول يتحدى سيادة ليبيا بخطاب مسيس.. وتحذيرات من انهيار مالي وشيك
في مشهد يعيد إنتاج أزمات ليبيا المعقدة، أطلق المفتي المعزول الصادق الغرياني، في حلقة “الإسلام والحياة” الأخيرة، وابلاً من التصريحات المتناقضة التي تزيّن السياسة بثوب الدين، وتسوّق لأجندات مشبوهة تحت غطاء شرعي، في محاولة يائسة لإعادة إنتاج دوره كأب روحي للتيارات المتطرفة، وسط صمت رسمي ورهان على استمرار الفوضى.
خطاب ديني ببواعث سياسية.. وتسييس للفتوى
الغرياني الذي يعيش في عزلة سياسية بعد إقالته من منصبه, يصر على تقديم قراءاته للأحداث الليبية باعتبارها “أحكاماً شرعية لها ما بعدها”، في محاولة لتحويل منبره الديني إلى سلطة موازية تمارس الضغط على الحكومة والمجلس الرئاسي.
غير أن الملاحظ أن خطابه يخلو من أي طرح بناء للأزمة، ويكتفي برسم صورة كارثية للواقع دون تقديم حلول، مكرّساً بذلك دوراً هداماً يغذّي الانقسام ويشرعن التمرد على مؤسسات الدولة.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه الغرياني عن “انتقاص السيادة” الذي يؤذن بزوال الملك، نجده يمارس هو نفسه انتقاصاً للسيادة الوطنية بتحريضه ضد القيادة العامة للقوات المسلحة وإصدار فتاوى تحرم زيارتها، وكأنه يريد أن يكون المرجعية الوحيدة التي تُشرعن وتُحرّم، متجاهلاً أن الشرعية في ليبيا تصدر عن مؤسسات الدولة، وليس عن فتاوى مفتي معزول يعيش في غرفة مغلقة على نفسه.
واقعة اختطاف المحامي المصري.. سلاح لتجييش الرأي العام
لم يفت الغرياني أن يستغل واقعة اختفاء المحامي المصري محمود فتحي وزوجته في طرابلس، ليُحمّل الحكومة مسؤولية ما حدث، محذراً إياها من “وعيد الله” إن هي قصّرت في حمايته.
لكن الملاحظ أن المفتي المعزول أغفل في خطابه أن فتحي كان مطلوباً للسلطات المصرية، وأن واقعة اختطافه تحمل أبعاداً إقليمية معقدة تتجاوز حدود ليبيا، كما أنه تغاضى عن حقيقة أن من يدخل ليبيا بتأشيرة رسمية يحظى بالحماية، لكنه لم يشر إلى أن بعض الأطراف المتطرفة التي يُشاع عنه ارتباطه بها هي من تعمل على تقويض الأمن واختطاف الأبرياء.
فالغرياني الذي يوزع “صكوك الشهادة” ويبرر للإرهاب، وجد في واقعة فتحي فرصة لإعادة إنتاج خطابه التحريضي ضد الحكومة، متناسياً أن مسؤولية حماية الأمن في ليبيا تقع على عاتق مؤسسات الدولة، وأن ما يحتاجه المواطن الليبي اليوم هو إجراءات أمنية رادعة، لا فتاوى تثير الذعر وتضرب في استقرار البلاد.
سياسة التسويات العاجزة.. وإرهاب المسيرات
وركز الغرياني في خطابه على ما وصفه ب”سياسة التسويات العاجزة”، متحدثاً عن الهجمات التي طالت مصفاة الزاوية بالطيران المسير، محملاً الحكومة مسؤولية ما حدث باعتبارها عاجزة عن حماية مؤسساتها الحيوية.
غير أن المفتي المعزول يغفل في تحليله أن هذه الهجمات تأتي في سياق صراع النفوذ بين الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، والتي وجد بعضها في الخطاب الديني المتطرف غطاءً لشرعنة أعمالها.
فالغرياني الذي يستنكر اليوم استهداف مصفاة الزاوية، كان بالأمس يفتي بشرعية حمل السلاح وسفك الدماء، مما جعل من خطابه أرضاً خصبة لتكاثر الجماعات المسلحة التي لا تعترف إلا بمنطق القوة.
لذا فإن تحميله الحكومة وحدها مسؤولية ما يجري هو تجاهل متعمد لحقيقة أن الإرهاب الذي يضرب ليبيا اليوم هو نتاج طبيعي لفتاوى التكفير والتحريض التي روج لها هو وأمثاله طوال السنوات الماضية.
البعثة الأممية ولجنة 4+4.. مسلسل العبث السياسي
وفي إطار هجومه على المسار السياسي، انتقد الغرياني ما وصفه بتدخل البعثة الأممية في الشأن الليبي، واعتبر لجنة “4+4” التي ترعاها البعثة مجرد “تمخض الجبل فولد فأراً”، معتبراً أن مخرجاتها لم تأت بجديد عما سبقها من لجان 6+6 و5+5. غير أن المفتي المعزول الذي يهاجم التدخل الدولي، ينسى أنه هو نفسه كان جزءاً من المشهد السياسي الذي أوصل ليبيا إلى ما هي عليه اليوم، وأن فتاواه التحريضية كانت عاملاً رئيسياً في إجهاض جهود التوافق الوطني.
صحيح أن لجنة 4+4 تثير انتقادات داخلية، وأن الترحيب الدولي بها لا يمنحها شرعية دستورية، لكن الغرياني يخطئ عندما يتجاهل أن البديل عن الحوار الوطني هو المزيد من الفوضى والدمار.
فالانتقاد الذي يقدمه لا يحمل أي رؤية بديلة، بل هو مجرد محاولة لتكريس حالة العبث السياسي التي يستفيد منها هو شخصياً ليبقى في دائرة الضوء.
إنفاق موازٍ ومخاطر إفلاس.. المصرف المركزي في مرمى النيران
ولم يقتصر هجوم الغرياني على الجانب السياسي والأمني، بل امتد إلى الملف الاقتصادي، حيث هاجم سياسات مصرف ليبيا المركزي، متحدثاً عن تحويل 69 مليار دينار إلى المنطقة الشرقية والجنوبية ضمن ما وصفه بالإنفاق الموازي، محذراً من أن المرتبات ستصل إلى 100 مليار دينار بنهاية العام، ومتهماً المصرف بإهدار المال العام من خلال معاملات ربوية ومضاربات مالية.
غير أن الغرياني الذي يتحدث عن “إهدار المليارات” يغفل حقيقة أن هذه الأموال هي جزء من ميزانية الدولة التي تهدف إلى تغطية احتياجات المواطنين في جميع المناطق الليبية، وأن ما يسمى بالإنفاق الموازي ليس إلا محاولة لتجاوز الجمود المؤسسي الذي تعاني منه البلاد.
والأغرب من ذلك أن الغرياني يهاجم صندوق التنمية وإعادة الإعمار، واصفاً إياه بصندوق “دمار”، متجاهلاً أن هذا الصندوق هو أحد الأدوات الرئيسية لإعادة بناء ليبيا، وأن مشاريعه التنموية تهدف إلى تحسين حياة المواطنين بعد سنوات من الدمار والتهميش.
أما عن اتهامه للمصرف المركزي بالخضوع لإملاءات الشركات والمؤسسات الأمريكية، فهي محاولة أخرى لتجييش الرأي العام ضد أي إصلاح مالي، وكأن المفتي المعزول يريد إبقاء ليبيا في حالة من الفوضى المالية ليستمر في استغلال الأزمات لصالح أجندته الخاصة.
القطاع الصحي.. فساد ونهب تحت أنظار المفتي
وفي لفتة تهدف إلى إثارة العواطف، تحدث الغرياني عن معاناة القطاع الصحي، واصفاً إياه بأنه “القطاع الرخو” الأكثر فساداً، ومشيراً إلى معاناة مرضى التليف الكيسي والأورام الذين يحتاج الواحد منهم إلى آلاف الدنانير شهرياً لتخفيف آلامه.
غير أن المفتي المعزول يغفل في تحليله أن هذا الفساد الممنهج لم ينشأ من فراغ، بل هو نتاج للفوضى التي تغذيها الخطابات المتطرفة والميليشيات المسلحة التي يعتبر هو أحد رموزها.
فبدلاً من أن يكون الغرياني صوتاً يدعو إلى حماية مؤسسات الدولة وتفعيل الرقابة عليها، نجده يستخدم معاناة المرضى كورقة سياسية لتمرير أجندته الخاصة، متجاهلاً أن الحل الحقيقي لأزمة القطاع الصحي يكمن في توحيد المؤسسات وتفعيل دور الدولة، وليس في إصدار فتاوى تزيد الوضع تعقيداً وتعمق الانقسام.
خلاصة الموقف.. مفتي الفوضى يبحث عن دور
في المحصلة، يظل الغرياني ذلك الرجل الذي راهن على الفوضى ليصنع لنفسه دوراً، فكلما اشتدت الأزمات في ليبيا، خرج بتصريحات مسيسة تحمل في طياتها تغطية دينية لأجندات هدامة.
إن ما يقدمه من فتاوى وتحليلات ليس إلا محاولة لإعادة إنتاج نفسه كمرجعية دينية وسياسية في وقت فقد فيه كل شرعية.
فالمفتي المعزول الذي يتحدث عن “السيادة الوطنية” و”انتقاص المُلك”، هو نفسه من شرعن العنف وحلل الدماء وأفتى بتكفير الخصوم، مما جعله شريكاً في إراقة الدم الليبي وإطالة أمد الأزمة. أما اليوم، فيحاول أن يظهر بمظهر الناصح الأمين، بينما هو في الحقيقة جزء من المشكلة، وليس جزءاً من الحل.
ليبيا التي أنهكتها الحروب والانقسامات، ليست بحاجة إلى فتاوى تحرض على الفتنة، ولا إلى خطابات تبرر الإرهاب وتوزع صكوك الغفران على من قتلوا وأفسدوا. إنها بحاجة إلى توافق وطني حقيقي، وإلى مؤسسات دولة قادرة على حماية سيادتها وثرواتها، وإلى إرادة سياسية تجمع ولا تفرق، وتعمر ولا تدمر.



