اقتصاد بلا تنويع.. ليبيا الثانية عربياً في البطالة وغياب البيانات يلقي ظلالاً من الشك على الأرقام الرسمية
جدل أكاديمي حول مشروعية الحديث في الاقتصاد.. بين شهادة جامعية وفكر اقتصادي تأسيسي

ليبيا 24
الاقتصاد الليبي بين إنجازات المركزي وأزمات الريعية: قراءة في ملفات الشمول المالي وسعر الصرف والبطالة
في مشهد اقتصادي ليبي تتقاطع فيه إنجازات مصرفية لافتة مع أزمات هيكلية متراكمة، يبرز نقاش عميق بين أوساط الأكاديميين والخبراء حول مستقبل السياسات النقدية والمالية في البلاد.
فبينما يسجل ملف الشمول المالي تقدماً ملموساً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تظل ملفات سعر الصرف والبطالة والاعتماد الريعي على النفط تشكّل عقبات جوهرية تعيق تحويل وفرة الموارد إلى نمو مستدام وشامل.
الشمول المالي: قفزة نوعية تُحسب للمصرف المركزي
يشهد القطاع المصرفي الليبي تحولاً غير مسبوق في ملف الشمول المالي، إذ يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف أن السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما عامي 2025 و2026، شهدت تطوراً واضحاً في هذا المجال، يُحسب للمصرف المركزي نجاحه فيه باعتباره من الملفات التي تقع ضمن نطاق عمله الأساسي.
فبعد أن كان الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على التعاملات النقدية خلال الفترة من 2014 إلى 2016، بدأت بوادر الشمول المالي تظهر تدريجياً وبصورة متواضعة في البداية.
غير أن عام 2024 شهد تسارعاً في هذا التطور، خاصة مع التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الحديثة. وخلال عامي 2025 و2026، شهدت المدفوعات المصرفية نمواً ملحوظاً، وأصبح المواطن والمؤسسات أكثر استخداماً للوسائل الإلكترونية بدلاً من الاعتماد الكامل على النقد.
وتؤكد المعطيات الرسمية هذا التوجه، ففي يونيو 2025 أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي للفترة 2025-2029، التي تهدف إلى توفير خدمات مالية آمنة وسهلة الوصول لجميع فئات المجتمع مع حماية البيانات الشخصية.
وتضمنت الاستراتيجية مشروع حسابات الشمول المالي التي تستهدف الفئات المستبعدة ماليةً، ودعم التحول الرقمي، وإطلاق الهوية الرقمية المصرفية لتسهيل المعاملات الإلكترونية، وتوفير الحوالات المالية الداخلية عبر منصة وطنية دون الحاجة لحساب مصرفي.
ويؤكد المصرف المركزي مواصلته تنفيذ استراتيجيته لتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات المالية وتعزيز الشفافية والشمول المالي.
ومن المتوقع أن تستمر قيمة المدفوعات الإلكترونية في الارتفاع، وربما تصل إلى نحو تريليون دينار بنهاية عام 2026 إذا استمر النمو بالمعدلات الحالية، وهو ما يعتبره الدكتور الشريف من أهم التطورات التي تحققت في القطاع المصرفي خلال السنوات الأخيرة، ويجب المحافظة عليها وتطويرها أكثر.
سعر الصرف بين نجاح المركزي وضغوط المالية العامة
غير أن ملف سعر الصرف يبدو أكثر تعقيداً، إذ يقر الدكتور الشريف بأن نجاح المصرف المركزي في المحافظة على الاستقرار كان أكثر صعوبة، لأن هناك عوامل كثيرة خارج نطاق سلطاته المباشرة. ومن أهم هذه العوامل الارتفاع الكبير في الإنفاق العام، وتراكم الدين العام، وشح الإيرادات، إضافة إلى عدم استقرار المالية العامة، وهي عوامل تضع ضغوطاً مستمرة على سعر الصرف.
وتؤكد الأرقام حجم التحدي، إذ تشير التقارير إلى أن الإنفاق العام سجل قفزة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بزيادة تجاوزت 85 مليار دينار، ليصل إلى نحو 137 مليار دينار في عام 2025. وتضاعف الدين العام ليبلغ 146% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تسجيل عجز مالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في العام ذاته.
وفي هذا السياق، يحذر صندوق النقد الدولي من أن مسار السياسة المالية الليبي “غير مستدام” بسبب العجز المرتفع المستمر والضغوط المتزايدة على سعر الصرف، مؤكداً أن تأخر تعديل السياسات المالية سيؤدي إلى تآكل الاحتياطيات إلى مستويات منخفضة للغاية على المدى المتوسط.
ويشدد الدكتور الشريف على أهمية التفريق بين الملفات التي يستطيع المصرف المركزي التأثير فيها بشكل مباشر، مثل الشمول المالي والمدفوعات، وبين ملفات تحتاج إلى معالجة مالية واقتصادية أوسع حتى تكون نتائجها أكثر استدامة.
كما يؤكد على ضرورة تركيز المركزي على موضوع الاعتمادات ومتابعتها بشكل دقيق، لتحديد الاعتمادات الفاسدة وتلك التي تأخذ نصيب الأسد على حساب آخرين ربما يكونوا أصحاب حق ولديهم نشاط حقيقي.
قطاع مصرفي دون المستوى.. انتقادات الخبراء
غير أن الخبير الاقتصادي محمد درميش يبدي تحفظاً على التقييم المتفائل، مؤكداً أن البنك المركزي ما زال دون المستوى في تطور القطاع البنكي وإبراز دوره في التمويل والاستثمار وإدارة السيولة وسعر الصرف الصحيح الذي يجب أن يكون عليه الدينار الليبي.
ويرد عليه الدكتور الشريف معترفاً بأن “مازال الكثير”، مشيراً إلى أن المركزي خلال السنوات الماضية كان يلاحق السيولة وسعر الصرف دون التركيز على التطوير في المجالات الأخرى.
الريعية والبطالة: اقتصاد يعاني من عدم التنويع
في ملف آخر لا يقل أهمية، يعود الدكتور الشريف ليطرح إشكالية جوهرية، مؤكداً أن الريعية وعدم التنوع هما السبب الرئيسي لارتفاع معدل البطالة، مشيراً إلى أن ليبيا تحتل المرتبة الثانية عربياً من حيث ارتفاع معدلات البطالة.
وتؤكد البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن معدل البطالة بين الشباب الليبي (15-24 سنة) يتجاوز 50%، وهي نسبة تعد من الأعلى في المنطقة.
ويعلق عميد كلية الاقتصاد ورئيس تحرير مجلة المختار للعلوم الاقتصادية بجامعة عمر المختار بالبيضاء، امحمد عبدالله المنصوري، موضحاً أن “في ليبيا، الذي لا يعمل في قطاع حكومي يعتبر بطالة. ومن جهة أخرى المعينون في الحكومة لا يقدمون أي خدمة (يعني بطالة مقنعة)”.
ويضيف أنه في ظل انعدام قواعد البيانات، تبقى الأرقام الواردة في الإحصائيات سواء محلية أم دولية المتعلقة بالشأن الليبي محل شك وليس هناك مصداقية.
ويشير خبراء إلى أن استمرار ارتباط الاقتصاد الليبي بأسواق النفط العالمية يستدعي تبني سياسات اقتصادية تهدف إلى تنويع القاعدة الإنتاجية، وتحسين إدارة الإيرادات، وترشيد الإنفاق العام.
وقد نظم مجلس النواب مؤتمراً حول التنويع الاقتصادي ناقش الإطار العام للتنويع في ليبيا، والدبلوماسية الاقتصادية وبناء الشراكات الدولية، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وإصلاح القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والخدمات.
جدل المشروعية: هل الاقتصاد حكر على حملة الشهادات؟
على صعيد آخر، يطرح الدكتور علي الشريف تساؤلاً حول ما إذا كان علم الاقتصاد قد أصبح “مشاعاً كالسياسة، يتحدث فيه الكثيرون دون معرفة أبجدياته وخلفياته وآثار القرارات الاقتصادية”، مشيراً إلى أن البعض يتحدث عن سعر الصرف، وآخر عن الاعتمادات، وغيرهم عن السياسة المالية أو التجارية، وكأن كل قضية منفصلة عن الأخرى، بينما الاقتصاد منظومة مترابطة، وأي قرار فيها له آثار مباشرة وغير مباشرة قد تمس حياة المواطن وقوته الشرائية ومستوى معيشته.
ويعلق الخبير الاقتصادي إدريس الشريف على هذا الطرح، محذراً من ظاهرة استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات الاقتصادية، مشيراً إلى أن “البعض كان لا يجيد كتابة سطر واحد دون أخطاء لغوية وإملائية، ناهيك عن توليد الأفكار وتحليل النظريات، أصبح يدبج مقالات مطولة ويعلق على مقالات لكبار الاقتصاديين”.
ويؤكد أن “الذكاء الاصطناعي لا يولد أفكاراً جديدة، هو تجميع وصياغة لما هو موجود ومنشور على الشبكة الدولية والتي كتبها ونشرها أفراد أو جهات متخصصة”. ويضيف أنه لو اقتصر الأمر على تجميع معلومات عن موضوع معين لدعم الفكرة لكان الأمر مقبولاً، لكن “أن يتم قص ولصق مقال كامل صاغه الذكاء الاصطناعي دون أن يكلف الشخص نفسه حتى عناء قراءته في بعض الأحايين ثم ينسبه لنفسه فكرة وصياغة وأسلوباً، فهذه مشكلة”.
ويرد عليه الدكتور علي الشريف بالإشارة إلى أن هؤلاء يستخدمون “الصور والأشكال البيانية وبعض المصطلحات الأجنبية التي ربما لا يعرف حتى نطقها”.
من جهته، يطرح رجل الأعمال حسني بي منظوراً تاريخياً مختلفاً، مشيراً إلى أن “أحد أكثر الاقتصاديين تأثيراً في التاريخ لم يتلقَّ تعليماً أكاديمياً رسمياً في علم الاقتصاد بالمعنى الحديث القائم على الحصول على شهادة جامعية متخصصة في الاقتصاد”. ويسأل: “متى أصبح الاقتصاد علماً مستقلاً في الجامعات؟”
ويستعرض حسني بي التطور التاريخي لعلم الاقتصاد، مشيراً إلى أنه قبل القرن الثامن عشر كانت المسائل المتعلقة بالاقتصاد تُدرس ضمن الفلسفة والأخلاق والقانون واللاهوت والسياسة. وفي عام 1754 أنشأت جامعة نابولي في إيطاليا ما يُعتبر من أوائل الكراسي الجامعية المخصصة للاقتصاد السياسي.
وفي عام 1776 نشر آدم سميث كتابه “ثروة الأمم”، الذي كان له دور أساسي في تأسيس الاقتصاد السياسي كحقل معرفي منظم، مع الإشارة إلى أن سميث نفسه لم يكن يحمل شهادة في الاقتصاد، بل كان أستاذاً للفلسفة الأخلاقية.
ويخلص إلى أن هناك فرقاً جوهرياً بين “الفكر الاقتصادي” و”الشهادة الأكاديمية في الاقتصاد”، فالاقتصاد كفكر ومعرفة سبق بكثير ظهور شهادة جامعية مستقلة، وعدد من الذين أسسوا علم الاقتصاد لم يكونوا خريجي كليات اقتصاد، مثل آدم سميث وديفيد ريكاردو الذي لم يحصل على شهادة جامعية وتوماس مالتوس.
ويؤكد أن “الجامعة تستطيع أن تمنح شهادة في علم الاقتصاد، لكنها لم تكن هي التي أنشأت التفكير الاقتصادي؛ بل إن الفكر الاقتصادي سبق التخصص الأكاديمي، ومنه وُلد التخصص الجامعي لاحقاً”.
خلاصة
في مشهد اقتصادي ليبي معقد، تتقاطع إنجازات مصرفية نوعية في ملف الشمول المالي مع أزمات هيكلية متراكمة في ملفات سعر الصرف والإنفاق العام والبطالة.
وتظل التحديات الأكبر متمثلة في تحرير الاقتصاد من ربقة الريعية النفطية، وتنويع القاعدة الإنتاجية، وإصلاح المالية العامة، مع ضرورة التمييز بين المعرفة الاقتصادية الراسخة والاجتهادات العابرة، والإبقاء على النقاش العلمي مفتوحاً بعيداً عن الانطباعات والاجتهادات غير المؤسسة.



