ليبيا

وهم المليارات.. كيف يلتهم دعم المحروقات 45% من ميزانية الليبيين تحت أنظار حكومة منتهية الولاية؟

غيث يكشف فساد دعم الوقود ويهدد بـ"الوهم المالي".. والحكومة تواصل تغذية شبكات التهريب بقلم رصاصة

ليبيا 24

وهم المليارات.. قراءة في جريمة استنزاف ممنهجة باسم “الدعم”

في مشهد يعيد إلى الأذهان تناقضات دولة النفط الغنية بشعبها الفقير، يطل ملف دعم المحروقات من جديد ليكشف عن واحدة من أكبر عمليات نزيف المال العام في تاريخ ليبيا المعاصر.

فبينما يقف المواطن الليبي في طوابير تمتد لأميال للحصول على لتر بنزين لا يكاد يعادل ثمن لتر ماء، تنهش شبكات التهريب المدعومة بنفوذ سياسي وعسكري خزينة الدولة بنحو 40% من الوقود المستورد، في وقت تبلغ فيه فاتورة الاستيراد أكثر من مليار دولار شهرياً.

في منشور جديد على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي، كشف الدكتور امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، الستار عن أبعاد خطيرة لما وصفه بـ”الوهم المالي” الذي تعيشه الدولة الليبية، مشيراً إلى أن منظومة دعم المحروقات الحالية تحولت إلى “أكبر مصدر للفساد وإهدار موارد الدولة”.

وأوضح غيث أن قيمة الوقود المستورد في عام 2023 وحده بلغت حوالي 41 مليار دينار (نحو 8.5 مليار دولار)، في حين بلغت القيمة الإجمالية للوقود المستهلك بالكامل قرابة 76 مليار دينار (نحو 15.5 مليار دولار)، مؤكداً أن هذا البند بات يعادل نحو 45% من قيمة الموازنة العامة الموحدة للبلاد.

بين الوهم والحقيقة.. قراءة في أرقام النهب

ما يطرحه غيث يتجاوز بكثير مجرد نقاش تقني حول آليات الدعم، ليصل إلى قلب التناقض البنيوي في إدارة الدولة. ففي الوقت الذي تستهلك فيه ليبيا – وفق تقديرات البنك المركزي – وقوداً بقيمة 60 مليار دينار سنوياً، يشير غيث إلى أن الواقع الفعلي للاستهلاك لا يبرر هذه المبالغ الطائلة، متسائلاً عما إذا كانت الدولة تستهلك بالفعل هذه الكميات الهائلة أم أن ثمة يداً خفية تعمل على نهب هذه الثروة تحت غطاء الدعم.

وهنا يبرز ما أسماه غيث بـ”الوهم المالي” في أبعاده الأخطر، حيث تتضخم تقديرات الإيرادات في الموازنة بشكل مبالغ فيه، ليولد هذا التضخم وهماً بالقدرة على الإنفاق، ما يفتح الباب على مصراعيه لعمليات صرف وهدر لا حدود لها.

فموازنة عام 2026 المقترحة تسجل زيادة تقارب 49 مليار دينار (7.6 مليار دولار)، أي نحو 30%، مما يعكس اتساعاً ملحوظاً في حجم الإنفاق العام، في وقت تبلغ فيه قيمة الإنفاق الموازي وحده نحو 69 مليار دينار، أي ما يعادل 41% من إجمالي قيمة الموازنة الموحدة. وبينما تقدر الإيرادات النفطية بنحو 38.9 مليار دولار، فإنه بعد خصم الاستهلاك المحلي وحصة الشركاء، لا يتبقى سوى 21.4 مليار دولار لتمويل الميزانية، ما يخلق فجوة تمويلية واضحة.

ويذهب غيث إلى ما هو أبعد من ذلك، محذراً من أن “الاكتفاء فقط بتخويف الناس من الاستبدال” هو هروب من مواجهة معضلة الدعم، في إشارة إلى التخويف الذي تمارسه حكومة الدبيبة بحجة أن أي إصلاح سيفاقم معاناة المواطنين، بينما يشتري المواطن في الجنوب لتر البنزين بثلاثة دنانير على الأقل، ولتر الديزل بستة دنانير على الأقل، بسبب التهريب الذي يستغل هذا الدعم، والذي أوصل لتر البنزين إلى أن يكون أرخص من لتر الماء بأضعاف مضاعفة.

الحكومة منتهية الولاية.. سلطة بلا شرعية وفساد بلا رادع

في سياق متصل، يطرح غيث إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة علاقة الحاكم بالشعب، مؤكداً أن هذه العلاقة في الدول المتقدمة اجتماعياً لم تعد علاقة سلطة بل علاقة مشاركة في كل القرارات، وليس من حق الحاكم اتخاذ قرارات تضر بمصلحة الشعب لأغراضه الشخصية أو مصالح انتخابية أو إنفاق أموال للدعاية على حساب الخزانة العامة.

وهو ما يضع حكومة عبد الحميد الدبيبة – المنتهية ولايتها قانونياً – في موقع الاتهام المباشر، حيث تتهمها أصوات سياسية واقتصادية متزايدة بالتحالف مع التشكيلات المسلحة من أجل نهب المال العام، وبأنها تحولت إلى شبكة مصالح مغلقة تدير موارد الدولة بعيداً عن أي مساءلة حقيقية.

فالمشهد الذي يرسمه الواقع الليبي اليوم، يكشف عن سلطة تعيش على وهم الإيرادات وتنفق على وهم التنمية، بينما يعاني المواطن من تدهور متسارع في القوة الشرائية، وسط تضخم بلغ أرقاماً مزدوجة ودين عام تضاعف تقريباً في عامين ليصل إلى 146% من الناتج المحلي الإجمالي.

الفيدرالية.. خوف المصالح لا خوف التقسيم

وفي محاولة لكشف الأبعاد الحقيقية للأزمة، يتناول غيث ملفاً شائكاً آخر، يتعلق بالنظام الفيدرالي، مؤكداً أن “أقوى الدول المستقرة هي الدول الفيدرالية وأضعف الدول وغير المستقرة هي الدول المركزية”.

ويذهب إلى أن “التخوف من النظام الفيدرالي، والذي يتمثل في حكم محلي قوي، هو تخوف من ضياع المكاسب الشخصية والمصالح وفقدان السيطرة على الموارد والتحكم فيها لاستخدامها في تحقيق مآرب شخصية، لا علاقة له بالتخوف من تقسيم الدولة أو أي عذر آخر”.

وهو ما يكشف عن جوهر الأزمة الليبية، حيث تتحكم المصالح الضيقة لمجموعة من المستفيدين من الفوضى في مصير 8.6 مليون مواطن ليبي، وتدفع بليبيا نحو مزيد من التدهور، في وقت يصر فيه بعض الليبيين – على حد تعبير غيث – على “خصومة فاجرة لا تقف عند حد”، متناسين دروس التاريخ من صلح الحديبية إلى الحرب العالمية الثانية، وكيف أصبح أعداء وخصوم الأمس متحالفين في حلف واحد.

دعوة لإصلاح جذري.. لا للهروب إلى الأمام

ويؤكد غيث في منشوره أن “الفرق في مواجهة المشكلات ليس بين المتخصص وغير المتخصص، بل بين من يبحث عن كيفية إحداث التغيير وبين من يشغل نفسه بإثبات أسباب استحالته”، مشدداً على أن ربط أي تفكير في إصلاح دعم الوقود بتحقق شروط لا يمكن أن تتحقق مع بعضها البعض، هو نوع من التعجيز أو الهروب من مواجهة معضلة الدعم والتفكير في إصلاحه.

ويدعو غيث إلى التفكير الجدي في كيفية إصلاح هذا الدعم بخطوات أولية قد تأخذ سنوات، لكنها ضرورية لوقف نزيف المال العام وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد وطني يئن تحت وطأة الفساد وسوء الإدارة.

وهو ما يتسق مع ما يطرحه خبراء اقتصاديون من ضرورة التحول من منظومة الدعم العيني للمحروقات إلى نظام التحويلات النقدية المباشرة للأسر، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه فعلياً، ويوقف تهريب الوقود الذي يستنزف أكثر من 550 مليون دولار شهرياً، ويحمي الموارد من شبكات الفساد التي تستفيد من الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي.

في النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه غيث وبشكل ضمني على كل ليبي: هل نستمر في العيش تحت وهم المالي الذي يغذيه سياسيون يسعون لتحقيق مكاسب شخصية على حساب مستقبل الأجيال؟ أم نبدأ رحلة التغيير الحقيقي التي تبدأ بمواجهة الفساد، وتستمر بإصلاح شامل يضع مصلحة المواطن الليبي فوق كل اعتبار؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن ثمن التأخير يدفعه اليوم مواطن ليبي ينتظر في طابور بنزين لا يكاد يصل إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى