ليبيا على طاولة النقاش.. اتفاق “4+4” بين التأييد النيابي والتحذيرات من عرقلة التنفيذ
الاتفاق الذي هز عرش الانقسام.. 4+4 يضع الدبيبة أمام اختبار التسليم أو المواجهة.. والقيادة العامة تؤكد دعمها للمسار
ليبيا 24
ليبيا على أعتاب تحول سياسي تاريخي.. اتفاق “4+4” يضع الانقسام أمام اختبار التنفيذ
في مشهد سياسي يعكس حالة من الجدل والترقب، يبدو أن اتفاق لجنة الحوار المصغرة “4+4” قد فتح باباً واسعاً للنقاش بين الأوساط السياسية الليبية، حيث تتداخل الآراء بين مؤيد يراه مخرجاً من عنق الزجاجة، ومحذر يرى أن العقبة الحقيقية ليست في النصوص بل في إرادة التنفيذ، وكل الأطراف تجمع على حقيقة واحدة: المواطن الليبي هو الضحية الأكبر لسنوات الانقسام.
دعم نيابي واسع يضع البرلمان أمام مسؤوليته التاريخية
عائشة الطبلقي، عضو مجلس النواب، كانت أول من كشف عن حجم التأييد البرلماني للاتفاق، مؤكدة أن 105 نواب أعلنوا دعمهم للوثيقة، وأن المجلس يعتزم عقد جلسة لمناقشة مخرجاتها قريباً.
وأوضحت أن إقرار الاتفاق من السلطة التشريعية سيمنحه الغطاء القانوني اللازم ويدفع المسار الانتخابي إلى الأمام، معتبرة أن هذا الزخم النيابي يعكس رغبة حقيقية في إنهاء الانقسام.
هذا الموقف النيابي وجد صدى لدى سعيد امغيب، النائب الآخر في المجلس، الذي رأى أن المهلة المحددة في الاتفاق تمثل اختباراً حقيقياً لجدية المؤسسات. وقال امغيب: “لم يعد مقبولاً استخدام الحوارات لكسب الوقت”، مشيراً إلى أن نجاح اللجنة في تجاوز ملفات عقيمة سابقة يضع الكرة الآن في ملعب مجلس الدولة وبقية الأطراف.
وتساءل امغيب: “إذا كانت هناك نية حقيقية للإصلاح، فلماذا التردد؟”، منتقداً أي مماطلة قد تؤكد أن الأزمة ليست في غياب الحلول بل في الإصرار على استمرار الانقسام.
دور القيادة العامة: دعم حاسم أم تدخل في الشأن السياسي؟
هنا يتقاطع الطرح السياسي مع الدور الميداني، حيث يرى يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية، أن دعم القيادة العامة للقوات المسلحة وعلى رأسها المشير خليفة حفتر ونائبه الفريق صدام حفتر كان عاملاً رئيسياً في نجاح اللجنة.
وأوضح الفارسي أن تجربة لجنة “6+6” السابقة تعثرت بسبب خلافات مع مجلس الدولة حول ملفات مثل ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، لكن التحركات المكثفة للقيادة العامة، والزيارات الخارجية التي قادها الفريق صدام، أسهمت في حشد الدعم الدولي وتجاوز تلك العقبات.
غير أن الفارسي لم يكتفِ بالجانب الإيجابي، بل وجه انتقادات لاذعة لحكومة الدبيبة، معتبراً أنها أخفقت في تقديم أي حلول للمواطن، في حين أن تحركات القيادة العامة منحتها حضوراً متزايداً.
وتساءل الفارسي في تحليله: “كيف لحكومة عجزت عن توفير الكهرباء والوقود أن تدير ملفاً سياسياً مصيرياً؟”، مشيراً إلى أن الدعم الأميركي للاتفاق، من خلال مسعد بولس، كان عاملاً حاسماً، وأن أي محاولة لعرقلة التنفيذ ستواجه عقوبات دولية.
المواطن في قلب المعادلة.. ورفض إعادة تدوير الأزمات
هنا يتداخل البعد الشعبي مع الموقف السياسي، حيث عبر أشرف بودوارة، عضو الحوار المهيكل، عن رؤية حادة مفادها أن “إعادة تدوير الماضي كلما احتاج البعض إلى إشغال المواطنين عن أزمات الحاضر لن تصنع مستقبلاً”.
وشدد بودوارة على أن الشعب الليبي يريد مؤسسات موحدة وانتخابات حقيقية، وليس أزمات جديدة تزيد من معاناته اليومية مع انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار.
بودوارة دعا إلى “بدء مرحلة جديدة من المسؤولية السياسية”، معتبراً أن أي حديث عن المصالح الضيقة أو المحاصصة في هذا التوقيت هو هروب من مواجهة التحديات الحقيقية. وتساءل: “كيف يمكن لسياسي أن يبرر استمرار الانقسام أمام أم تعاني لتأمين لقمة العيش لأبنائها؟”، مؤكداً أن الاتفاق يجب أن ينتقل من الورق إلى الواقع دون مماطلة.
حسم الخلافات.. والمفوضية في قلب الجدل
عبدالمنعم العرفي، عضو مجلس النواب دخل على خط التفاصيل مؤكداً أن الاتفاق حسم جزءاً كبيراً من الخلافات، خاصة حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، حيث تم التوافق على تشكيلتها بعد خلافات طويلة. ورأى العرفي أن هذا التوافق يمثل أهمية كبرى، ليس فقط للانتخابات ولكن للاستعدادات اللوجستية والإشراف على العملية برمتها.
لكن العرفي طرح السؤال الأهم: “هل الأطراف جادة في التنفيذ، أم سنشهد مماطلات جديدة؟”، معتبراً أن الأيام القادمة ستكشف النوايا الحقيقية. وأشار إلى أن استمرار الانقسام انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن، داعياً إلى استكمال توحيد المؤسسات، وفي مقدمتها السلطة التنفيذية التي وصفها بـ”المصابة بالشلل”.
قفزة تاريخية أم مجرد وهم؟
عصام الجهاني، عضو مجلس النواب كان أكثر وضوحاً في وصف الاتفاق بأنه “تاريخي”، لكنه حذر من أن “ما حدث لم يأتِ بين يوم وليلة”، داعياً الليبيين إلى البناء عليه.
وأشاد بدور القيادة العامة، معتبراً أنها تقدم تنازلات للوصول إلى توافق، ولكنه وجه سهام النقد إلى رئاسة مجلس النواب، واصفاً بيانها بـ”المايع والرمادي”.
وتساءل الجهاني: “كيف يمكن لمجلس النواب، وقد أصبح معطلاً وقراراته مهلهلة، أن يقود هذه المرحلة؟”، مطالباً النواب بالوقوف مع الاتفاق وعدم التعقيد.
وفي إشارة إلى مرسوم المجلس الرئاسي بشأن المفوضية، وصفه بـ”المهزلة السياسية”، معتبراً أن المجلس الرئاسي “تجاوزه الزمن”، وأن أعضاءه منقسمون وغير مؤهلين لاتخاذ مثل هذه القرارات. واختتم بدعوة صريحة لتوحيد الحكومة، قائلاً: “القادم أفضل لليبيا، لكن بشرط أن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار”.
مأزق المجلسين: الموافقة مؤلمة والرفض أخطر
هنا يقدم عادل عيسى، السفير السابق، قراءة استراتيجية للموقف، حيث أوضح أن مجلسي النواب والدولة يواجهان مأزقاً حقيقياً: الموافقة على الاتفاق تعني تقديم تنازلات عن جزء من نفوذهما، خاصة أن “4+4” جاءت لمعالجة ملفات تعثرت داخلهما.
أما الرفض، فيعني المخاطرة بتحويل الاتفاق إلى مسار بديل برعاية دولية، مما يفقدهما تدريجياً السيطرة على المرحلة الانتقالية.
وقال عيسى: “الموافقة مؤلمة، والرفض أخطر”، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والدول المؤثرة قد تمضي في التنفيذ حتى لو رفض المجلسان، مما سيحافظ على وجودهما القانوني لكنه سيجرّد قراراتهما من أي فعالية.
هذا التحليل وضع النقاط على الحروف، وجعل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستختار المؤسسات مصلحة الوطن أم مصلحة بقائها؟
دعوات إلى المصادقة ورفض التمادي
منصور الحصادي، عضو مجلس الدولة، ختم السلسلة بدعوة صريحة لمجلسيه إلى التعاطي الإيجابي مع الاتفاق، مطالباً بإلزام البعثة الأممية باستكمال الخطوات التأسيسية بخارطة طريق واضحة وجدول زمني ملزم.
وشدد الحصادي على أن السلطة التنفيذية الجديدة يجب أن تكون موحدة وذات كفاءة، قادرة على تحقيق الاستقرار ومعالجة الأزمات، محذراً من أن أي تماطل سيكون على حساب المواطن الذي ينتظر الانتخابات كفرصة لاستعادة الدولة.
الاتفاق على الورق.. والمعركة في التنفيذ
في قراءة متكاملة للمشهد، يتفق الجميع على أن اتفاق “4+4” يمثل لحظة فارقة، لكن الخلاف يدور حول مدى الجدية في تنفيذه.
فبينما يرى النواب أن دعم 105 عضواً يمنحه شرعية كافية، يرى المحللون أن العقبة ليست في النصوص بل في إرادة الأطراف التي قد تسعى للحفاظ على مكتسباتها. وحكومة الدبيبة، التي وُصفت بالفاشلة في أكثر من تصريح، تواجه اتهامات بأنها قد تكون العائق الأكبر في طريق التنفيذ، في ظل اتهامات بالفساد وغياب الخدمات.
المواطن الليبي، كما قال عضو مجلس النواب بدر النحيب الذي طالب بتحديد موعد واضح للانتخابات، “ملّ المراحل الانتقالية”، وبات يرى في هذا الاتفاق بارقة أمل قد تكون الأخيرة. والمطلوب اليوم، كما أجمع المتحدثون، هو تحويل هذا الزخم السياسي إلى خطوات على الأرض، تبدأ بتوحيد المؤسسة التنفيذية، مروراً بإجراء انتخابات حرة، وانتهاءً باستعادة الدولة التي طالما حلم بها الليبيون.
الكلمة الأخيرة تبقى لمن قال إن “الموافقة مؤلمة والرفض أخطر”، فهل يختار الليبيون الطريق المؤلم لكنه الأكثر أملاً، أم يبقون في دائرة الجمود التي لا تخدم إلا من يراهنون على استمرار الفوضى؟



