منوعات

أمواج الغضب في الهادئ.. “النينيو” تمدد قبضتها الحارقة على مناخ الأرض حتى مطلع عام 2027

الأرصاد الجوية العالمية تؤكد استمرار ظاهرة النينيو بنسبة مئة بالمئة حتى فبراير المقبل مع توقعات بذروة عنيفة قبيل نهاية العام الجاري

تحذيرات أممية عاجلة من تداعيات غذائية وصحية قاسية مع اشتداد منخفض النينيو في المحيط الهادئ وامتداد تأثيراته إلى ممر الجفاف بأمريكا الوسطى

ليبيا 24

سخونة المحيطات تعيد رسم خريطة الكوارث.. النينيو تواصل مسيرها التدميري حتى عام 2027

في مشهد مناخي يعيد كتابة قواعد الطبيعة على سطح الكرة الأرضية، تتجه أنظار خبراء الأرصاد وخبراء الاقتصاد والسياسة الدولية نحو مياه المحيط الهادئ التي تغلي بحرارة غير مسبوقة، حيث كشفت المعطيات الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الخميس، عن حقيقة علمية باتت خارج دائرة الشك، مفادها أن ظاهرة النينيو المناخية ليست في طريقها إلى الانحسار فحسب، بل إنها مرشحة للاشتداد بشكل مطرد، مع استمرار تأثيراتها المدمرة حتى العام ألفين وسبعة وعشرين، في سيناريو ينذر بقلب موازين الطقس العالمي رأسا على عقب.

البيانات الرقمية تحسم الجدل

وفقا للنماذج العددية المعتمدة في أروقة المنظمة الدولية، فإن احتمالية استمرار النينيو حتى شهر فبراير من العام المقبل قد بلغت نسبة مئة بالمئة، دون أي هامش للتراجع، وهي النسبة التي تعكس بوضوح قوة الدافع الحراري الكامن وراء هذه الظاهرة، والذي تغذيه درجات حرارة استثنائية في مياه المحيط الهادئ، حيث تتراكم الكتل المائية الدافئة على نحو غير مسبوق، مما يحول هذا الحوض المائي الشاسع إلى محرك رئيسي لتقلبات الطقس حول العالم.

وتشير التوقعات إلى أن ذروة هذه الموجة المناخية العنيفة ستصل إلى أوجها مع نهاية العام الحالي، وهو توقيت حساس قد يتزامن مع فترات حصاد واستعداد في العديد من الدول.

كيف تعمل هذه الآلة المناخية العملاقة؟

تعمل ظاهرة النينيو كقلب نابض للنظام المناخي العالمي، حيث تنشأ نتيجة لضعف الرياح التجارية التي تهب عادة من الشرق إلى الغرب فوق المحيط الهادئ، مما يؤدي إلى احتباس المياه الدافئة قبالة سواحل أمريكا الجنوبية بدلا من انجرافها غربا.

ومع ازدياد سخونة هذه المياه، يتغير مسار التيار النفاث في الغلاف الجوي، وتضطرب أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة في بقاع متباعدة من الكوكب. وهذه الدورة، التي تتكرر طبيعيا كل عامين إلى سبعة أعوام، تميل عادة للاستمرار لمدة تصل إلى اثني عشر شهرا، غير أن النسخة الحالية تبدو أكثر عنادا واستمرارية، مما يعزز المخاوف من تحولها إلى ظاهرة طويلة الأمد تعيد تشكيل الخارطة المناخية لعقود قادمة.

تداعيات تمتد من الزراعة إلى الأمن الغذائي العالمي

لم تقتصر التداعيات على الجانب البيئي البحت، بل امتدت بسرعة إلى سلاسل الإمداد الغذائي والأسواق العالمية، حيث سجلت السلع الزراعية اللينة في المناطق المدارية اضطرابات عنيفة في إنتاجيتها، الأمر الذي انعكس سلبا على توافر المحاصيل الأساسية.

وقد تجسدت أسوأ ملامح هذه الأزمة في ممر الجفاف بأمريكا الوسطى، حيث تسببت النينيو في شح مائي حاد أدى إلى اندلاع أزمة غذائية خانقة، ألقت بظلالها على الأسر الفقيرة في تلك البقعة من العالم، وزادت من أعداد النازحين بسبب الجفاف.

ليبيا في قلب العاصفة.. قراءة محلية لتداعيات عالمية

وهنا، وفي طرابلس، حيث ننظر إلى هذه المتغيرات الكبرى من موقعنا كموقع ليبي معني بشؤون المنطقة، فإن هذه النشوة الحرارية في المحيط الهادئ تترجم إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي الوطني، فالاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد الحبوب والمواد الغذائية الأساسية من الأسواق الدولية، وأي اضطراب في الإنتاج الزراعي العالمي بسبب تقلبات النينيو يعني ارتفاعا حتميا في فواتير الاستيراد وضغوطا تضخمية إضافية على الموازنة العامة، في وقت تعاني فيه البلاد من تحديات اقتصادية متراكمة.

كما أن ارتفاع حرارة مياه البحر المتوسط، المتأثر بدوره بالتذبذبات المناخية العالمية العابرة للقارات، يزيد من احتمالية تشكل منخفضات جوية شبيهة بالأعاصير المدارية على سواحلنا الشمالية، وهو سيناريو تستعد له مراكز الطوارئ المحلية في الوقت الراهن، تحسبا لموجات أمطار مفاجئة قد تعقبها فيضانات مدمرة، أو موجات جفاف تطيل أمد الصيف الليبي الحارق.

تحذيرات قادة العالم وصوت العلوم

في هذا السياق، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريش، تحذيرا وصميميا واصفا ما يحدث بأنه “تضخم للظاهرة أمام أعيننا”، مؤكدا أن المعطيات العلمية باتت حاسمة ولا تترك أي مجال للشك في أن الكوكب يخوض مرحلة استثنائية وغير مسبوقة من ارتفاع حرارة المحيطات، وأن هذه المياه التي تغلي الآن ستترك آثارها على كل شبر من اليابسة.

ولم تكن ردود فعل المسؤولين الدوليين أقل جدية، إذ شددت السيدة سيليست ساولو، الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، على أن الهيئة التي تقودها تعمل بكثافة على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر ورفع درجات الاستعداد، انطلاقا من إدراكها العميق بأن التعامل مع النينيو ليس مجرد تحد علمي، بل هو اختبار لقدرة المجتمع الدولي على حماية الأرواح والممتلكات.

استراتيجيات التكيف والتنسيق الدولي

أوضحت ساولو في بيانها أن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تلتزم حاليا بالعمل عن كثب مع جميع الشركاء داخل منظومة الأمم المتحدة والمنظومة الإنسانية، بهدف توفير المعلومات والرؤى المناخية الدقيقة التي تحتاجها الحكومات لدعم جهود إدارة الكوارث، وحماية القطاعات الأكثر حساسية لتقلبات الطقس، وعلى رأسها قطاعات الزراعة التي تمثل شريان الحياة لملايين البشر، والصحة العامة التي تتعرض لأزمات جراء تفشي الأمراض المرتبطة بالحرارة والفيضانات، وقطاع الطاقة الذي يواجه ضغوطا متزايدة على شبكات التوزيع، والموارد المائية التي أصبحت تتناقص في العديد من الأحواض النهرية العالمية.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد دورة مناخية عابرة، بل هو ناقوس خطر يدق بقوة ليذكرنا بأن التغيرات في المحيط الهادئ لا تقف عند حدوده الجغرافية، بل إنها ترسم ملامح الغد لكل مدن العالم، من نيويورك إلى بكين، ومن طرابلس إلى لاغوس، ولن يكون الخيار أمام صناع القرار سوى التعاون المشترك والاستعداد المبكر لمواجهة عامين من الاضطرابات المناخية الحادة، التي قد تعيد تشكيل خريطة الهطول والمحاصيل والأمن البشري في جميع بقاع الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى