ليبيا

طائرة انتحارية تحلق فوق خزانات طرابلس.. ومؤسسة النفط ترفع الجاهزية وتستنكر “المؤشر الخطير”

في تكرار مقلق لهجمات الزاوية.. مسيرة مجهولة تسقط بجوار خزان وقود في قلب العاصمة وتُطلق صافرات الإنذار من أمن الطاقة

· البريقة تؤكد استمرار التوزيع وتطالب بتحقيق فوري.. والمواطن يدفع الثمن غالياً
· الهنقاري يكشف أبعاداً سياسية: “الحرب من أجل عودة الديكاتورية والانتقام من الشعب”

ليبيا 24:

طائرة انتحارية في سماء طرابلس: تهديد جديد لأمن الطاقة يفضح هشاشة الدولة

هجوم بمسيرة يهز مستودع البريقة ويُعيد فتح ملف المنشآت الحيوية

في ساعة مبكرة من فجر الخميس، اهتزت العاصمة طرابلس على وقع حادث أمني خطير، تمثل في سقوط جسم طائر يُشتبه في كونه طائرة مُسيّرة انتحارية، بجوار أحد خزانات الوقود في مستودع شركة البريقة لتسويق النفط الواقع بطريق المطار جنوب العاصمة.

الحادث الذي لم يسفر عن إصابات بشرية أو أضرار مادية تذكر، حمل في طياته رسائل تجاوزت البعد الأمني المباشر، لتفتح الباب على تساؤلات مصيرية حول مدى قدرة الدولة على حماية ثروتها النفطية، والشفافية التي تتعامل بها السلطة القائمة مع هذه التهديدات المتكررة.

ووفقاً للبيانات الصادرة عن الجهات المعنية، فقد دخل الجسم الطائر أجواء المستودع قبل أن يسقط في محيط أحد الخزانات.

وأكدت شركة البريقة لتسويق النفط، في بيان لها، أن العمليات التشغيلية وعمليات توزيع وإمداد الوقود تسير بصورة طبيعية ودون توقف، مشيرة إلى أن الفرق المختصة باشرت تأمين موقع الحادث فور وقوعه.

مؤسسة النفط تستهجن وتعلن الجاهزية.. والمشهد الأمني يثير القلق

في رد فعل سريع، دانت المؤسسة الوطنية للنفط محاولة استهداف خزانات الوقود، واصفة إياها بأنها “عمليات تخريبية” تمثل “مؤشراً خطيراً” يستدعي تكثيف جهود الجهات الأمنية والعسكرية لتحمل مسؤولياتها.

وحذرت المؤسسة من أن استهداف المنشآت النفطية بأي شكل من الأشكال يهدد بشكل مباشر منظومة الإمداد والخدمات الأساسية، نظراً لدورها الحيوي في توفير الوقود لمحطات الكهرباء وإنتاج الطاقة والمرافق الصحية والقطاعات الصناعية.

وفي خطوة احترازية، أعلنت المؤسسة رفع حالة الجهوزية التامة لدى فرق الطوارئ في جميع المواقع، مع مباشرة الفرق المختصة عملية سحب الوقود من الخزانات لتقليل منسوبه.

غير أن هذه الإجراءات، وإن كانت ضرورية، تظل مجرد مسكنات في مواجهة أزمة هيكلية تتمثل في غياب منظومة دفاع جوي فعالة، وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري في العاصمة.

إخفاق أمني فاضح وغياب للمساءلة

ما يثير الاستغراب حقاً، ويتناقض مع أبسط معايير الدولة المسؤولة، هو تكرار هذه الاعتداءات دون أن يتمكن أي من الأجهزة المختصة من تحديد هوية الجاني أو الجهة التي تقف وراءه، ناهيك عن توقيفه أو حتى تقديم رواية رسمية مقنعة للرأي العام.

فبعد أسابيع قليلة من الهجمات المتكررة التي استهدفت مجمع الزاوية النفطي، وأسفرت عن حرائق هائلة وانهيار خزان كامل، نجد أنفسنا أمام حادث جديد في قلب العاصمة، وكأن الأجهزة الأمنية تعيش في واقع موازٍ لا ترى فيه التهديدات التي تلوح في أفقها.

هذا العجز المريب في حماية أهم مقدرات الشعب الليبي، يطرح أسئلة لا مفر منها حول مدى الجدية في التعامل مع هذه الملفات، ويتهم حكومة الدبيبة منتهية الولاية، بتقصير لا يمكن تبريره.

فكيف لمن يفترض بهم حماية الأمن الوطني أن يقفوا عاجزين أمام طائرات مسيرة تحلق بحرية في سماء العاصمة وتستهدف صميم اقتصاد البلاد؟ وماذا يبقى من هيبة الدولة إذا أصبحت خزانات الوقود في مرمى أي طائر مجهول دون رادع؟

الفنيش يقرأ الأبعاد الاستراتيجية للتهديد

في قراءة تحليلية معمقة، حذر المحلل السياسي حسام الفنيش من النظر إلى هذا الحادث باعتباره اعتداءً منفصلاً، معتبراً أنه “إشارة تستحق قراءة استراتيجية لأمن الطاقة في ليبيا”.

وأوضح الفنيش، في منشور له عبر صفحته على فيسبوك، أن تكرار التهديدات بالمسيرات ضد منشآت حيوية يفرض مراجعة شاملة لمنظومة حماية البنية التحتية النفطية، ليس فقط من حيث الحراسة وإنما من حيث الرصد المبكر والاستجابة واستمرارية الإمدادات.

وبين الفنيش أن خطورة هذه الهجمات تكمن في أن المنشآت النفطية تمثل “عقدة حساسة في الدولة”، حيث أن إصابتها لا تعني خسارة مادية فقط، بل يمكن أن تؤثر في الإمدادات والأسعار والاقتصاد والثقة العامة.

وشدد على أن أي تهديد متكرر لها يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط تتجاوز البعد الأمني إلى السياسي والاقتصادي. كما أشار إلى أن تعدد مراكز المسؤولية الأمنية والعسكرية يخلق فجوات في الإنذار والاستجابة، محذراً من أن تحول هذه الهجمات إلى نمط جديد من الصراع سيجعل المنشآت الحيوية نفسها أهدافاً استراتيجية.

الهنقاري يكشف الوجه السياسي للاستهداف

من جانبه، ذهب رئيس هيئة تنمية الصادرات الليبية (المعين من قبل حكومة الدبيبة)، محمد الهنقاري، إلى أبعد من ذلك في تحليله، معتبراً أن هذا الاستهداف هو “محاولة للانتقام من الشعب المطالب بالديمقراطية”.

وكتب الهنقاري في منشور له عبر فيسبوك، محذراً من أبعاد سياسية أعمق، قائلاً: “إنها الحرب أيها الغافلون من أجل عودة حكم الديكاتورية والانتقام من الشعب الذي يطالب بالحرية والديمقراطية”.

وأشار الهنقاري إلى أن العدو “مازال مستمراً في الأعمال التخريبية وينتقل من مرفق حيوي خدمي صناعي إلى آخر، محاولاً قطع إمدادات الوقود من الخارج. وفشل والآن انتقل إلى الداخل”.

وأكد أن مواجهة هذا التحدي تستدعي “التضامن الشعبي مع الأجهزة الأمنية”، في دعوة تعكس حالة الاستنفار التي يعيشها الشارع الليبي إزاء هذه الاعتداءات المتكررة.

أمن الطاقة بين ضرورة التحقيق ومعاناة المواطن

في خضم هذه التطورات، دعت شركة البريقة الجهات المختصة إلى فتح تحقيق شامل في ملابسات الحادث، وتحديد المسؤولين عنه، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم. غير أن هذه الدعوات تبقى معلقة في الهواء في ظل غياب آليات رقابية فاعلة، واستمرار حالة الانقسام المؤسسي التي تسيطر على المشهد الليبي.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، وسط كل هذه التصريحات والتحليلات، هي أن المواطن الليبي يدفع الثمن الأغلى. فهو الذي يعاني من أزمة وقود خانقة تتكرر بانتظام، ويرزح تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، بينما تتسابق الأطراف السياسية والأمنية على تبادل الاتهامات.

إن استمرار هذه الاعتداءات دون رادع، يؤكد أن هناك من يستهدف ليس فقط المنشآت النفطية، بل مستقبل البلاد وأمنها الطاقوي، في مشهد يعكس بوضوح حالة الفراغ الأمني وغياب الدولة الفاعلة التي تحمي مواطنيها ومقدراتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى