اتساع الاحتجاجات.. مطالب الأطباء والمعلمين والمتقاعدين تضغط على حكومة الدبيبة
جدل الأجور يفتح ملف العدالة الاجتماعية وسط زيادات للعسكريين وتفاقم الضغوط المعيشية

تواجه حكومة «الوحدة منتهية الولاية» ضغوطاً اجتماعية متصاعدة، مع اتساع نطاق الاحتجاجات والمطالبات بتحسين الأوضاع المالية وتسوية المستحقات المتأخرة، في مشهد يعكس اتساع فجوة الثقة بين شرائح واسعة من العاملين في الدولة والسلطات التنفيذية.
احتجاجات تتسع وتحذيرات من انتقالها إلى قطاعات جديدة
وفي ظل غياب معالجة حكومية حاسمة،اتسعت الاحتجاجات الفئوية المطالبة بالعدالة في الأجور، ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم وسط تحذيرات من أن استمرار تأخر معالجة أزمة المرتبات قد يؤدي إلى توسع الاعتصامات والمطالبات، وامتدادها إلى قطاعات حكومية أخرى.
ويعكس هذا التحذير أن أزمة الأجور لم تعد مجرد مطالب قطاعية منفصلة، وإنما بدأت تتحول إلى قضية عامة ترتبط بمفهوم العدالة الاجتماعية وبقدرة الدولة على إدارة مواردها بصورة متوازنة. كما أن استمرار الاحتجاجات في قطاعات تقدم خدمات أساسية يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب المالية وضمان استمرار الخدمات العامة.
الأطباء يصعدون للمطالبة بتسوية المستحقات
في القطاع الصحي، اتخذت المطالب منحى أكثر تصعيداً، بعدما دعا «اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا» إلى إضراب عام في المؤسسات الصحية، احتجاجاً على عدم تسوية الأجور والفروقات المالية المستحقة للأطباء منذ سنوات، إلى جانب المطالبة بتوفير التأمين الصحي للعاملين.
ويؤكد مؤسس الحراك، الدكتور سليمان الصومادي، مشروعية المطالب، ملوحاً بالتصعيد القانوني، مع التأكيد على استثناء الحالات الطارئة والمزمنة من الإضراب. وتشير المعطيات التي أعلنها الحراك إلى استجابة مؤسسات صحية في مناطق شرق ليبيا وغربها وجنوبها، بما يعكس اتساع نطاق الأزمة وعدم اقتصارها على منطقة جغرافية بعينها.
وتزداد حدة المشكلة في ظل ما يصفه عاملون في القطاع الصحي بتراجع القدرة الشرائية للمرتبات حيث ان مرتب الطبيب لا يتجاوز نحو 200 دولار، وهو دخل لا يتناسب مع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
مفارقة الاستقدام الخارجي وواقع الكوادر المحلية
وتبرز أمام حكومة «الوحدة منتهية الولاية» مفارقة أخرى تتعلق بأوضاع الكوادر الطبية المحلية، إذ أبدى وزير الصحة الأسبق رضا العوكلي استغرابه من استمرار عمل آلاف الأطباء والعاملين في المهن الطبية والفنية من دون الحصول على مرتباتهم لسنوات، بالتزامن مع بحث الدولة إمكانية الاستعانة بأطباء وكوادر تمريض من الخارج.
وكان الحراك قد نشر مستندات قال إنها تتعلق باستقدام أطباء وكوادر طبية سورية برواتب تتجاوز 2500 دولار شهرياً، إلا أن حكومة«الوحدة منتهية الولاية» نفت إبرام تعاقدات نهائية، مؤكدة أن الملف لا يزال في إطار دراسة الاحتياجات والخيارات المتاحة.
وتكشف هذه القضية عن جانب أكثر عمقاً من أزمة الأجور، يتمثل في الحاجة إلى سياسة واضحة لإدارة الموارد البشرية في القطاع الصحي، بحيث لا تتحول الاستعانة بالكوادر الأجنبية إلى بديل عن معالجة الاختلالات التي تدفع الكفاءات المحلية إلى الاحتجاج أو البحث عن فرص أفضل.
المعلمون يربطون العودة إلى المدارس بتسوية المستحقات
ولا يختلف المشهد كثيراً في قطاع التعليم، حيث تصاعدت مطالب المعلمين بتحسين الرواتب وصرف الفروقات المالية والتعامل مع ارتفاع تكاليف المعيشة. ويتمسك «حراك المعلمين في ليبيا» بثلاثة مطالب رئيسية لإنهاء الاعتصام، تشمل تأجيل بدء العام الدراسي إلى أكتوبر، وصرف منحة الأبناء، وتسوية الفروقات المالية المستحقة ولو على دفعات، إلى جانب زيادة المرتبات بما يتناسب مع طبيعة العمل والجهود المبذولة.
كما حذر رئيس نقابة معلمي طرابلس الكبرى، أشرف بوراوي، من اللجوء إلى العصيان والاعتصام مع بداية العام الدراسي، مطالباً بتحسين الرواتب وصرف المستحقات وتوفير التأمين الصحي للمعلمين، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويمثل تصعيد المعلمين ضغطاً إضافياً على حكومة«الوحدة منتهية الولاية» باعتبار أن أي اضطراب في القطاع التعليمي لا ينعكس على العاملين وحدهم، وإنما يمتد مباشرة إلى الأسر والطلاب واستقرار العملية التعليمية، ما يجعل معالجة الأزمة أكثر إلحاحاً مع اقتراب انطلاق العام الدراسي.
المتقاعدون يدخلون دائرة الاحتجاج
وامتدت المطالب إلى المتقاعدين، الذين يستعدون لتنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بتسوية معاشاتهم وتفعيل القوانين والقرارات المتعلقة بزيادة مستحقاتهم. وتطالب النقابة العامة للمتقاعدين بتفعيل قانون 2013 الذي يربط زيادات معاشات المتقاعدين بزيادات العاملين في الدولة، مع التلويح بتنظيم اعتصام مفتوح أمام الجهات التي لا تستجيب لمطالبهم.
ويعكس دخول المتقاعدين على خط الاحتجاج اتساع نطاق الأزمة من العاملين الحاليين إلى شرائح تعتمد بصورة أساسية على المعاشات، في وقت تؤدي فيه زيادة الأسعار وتراجع القوة الشرائية إلى مضاعفة الضغوط على أصحاب الدخول الثابتة.
الزيادات العسكرية تعمق الجدل حول عدالة الأجور
ويبدو أن ملف الزيادات العسكرية يمثل أحد أبرز أسباب الجدل الحالي، بعدما حصل منتسبو المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وغربها على زيادات في المرتبات، بينما لم تشمل الإجراءات قطاعات أخرى ترى أنها لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
أزمة تتجاوز الراتب إلى سؤال الدولة والعدالة
ويرى «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» أن معالجة أزمة الأجور لا ينبغي أن تقوم على منح زيادات لفئة دون أخرى، وإنما تحتاج إلى منظومة وطنية موحدة ومنصفة تراعي طبيعة العمل وتحفظ كرامة العاملين، بالتوازي مع ضمان استمرار الخدمات العامة الأساسية.
ومن زاوية نقدية، فإن استمرار اتساع الفوارق بين المرتبات، من دون معايير واضحة وشفافة، يهدد بتحويل ملف الأجور إلى عامل جديد من عوامل الاستقطاب الاجتماعي والسياسي. فالزيادات، في حد ذاتها، قد لا تكون كافية إذا غابت عنها العدالة في التوزيع وربطها بمعدلات التضخم وتكاليف المعيشة وطبيعة المسؤوليات المهنية.
الحكومة أمام اختبار الاستجابة وإعادة ترتيب الأولويات
وتضع التطورات حكومة حكومة«الوحدة منتهية الولاية» أمام اختبار يتجاوز مجرد الاستجابة لمطالب مالية متفرقة، ليصل إلى ضرورة إعادة تنظيم منظومة الأجور على أسس موحدة وواضحة، خصوصاً في القطاعات التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين اليومية.
فالصحة والتعليم والخدمات الأساسية تمثل ركائز الاستقرار الاجتماعي، وأي استمرار للاحتجاجات فيها قد يضاعف آثار الأزمة على المواطنين، بينما قد يؤدي تجاهل المطالب أو التعامل معها بصورة مؤقتة إلى تراكم الاحتقان بدلاً من احتوائه.
وفي المحصلة، تكشف الاحتجاجات المتزامنة للأطباء والمعلمين والمتقاعدين، إلى جانب مطالب الشرطة والأمن، عن أزمة أوسع في إدارة ملف المرتبات داخل ليبيا، حيث لم تعد القضية مرتبطة بقيمة الراتب وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة بالعدالة في توزيع الموارد وبقدرة المؤسسات على وضع سياسة مالية واجتماعية موحدة. ومن ثم، فإن احتواء التصعيد يتطلب حواراً مباشراً مع القطاعات المتضررة، ومراجعة شاملة لمنظومة الأجور، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية، بدلاً من الاستمرار في معالجة المطالب بصورة جزئية قد تفتح الباب أمام موجات احتجاج جديدة.



