دولى

بريطانيا تصعّد إجراءاتها ضد المستوطنات الإسرائيلية وإسرائيل ترد بإجراءات دبلوماسية

بيرنام يدافع عن حظر الواردات ويؤكد التمسك بحل الدولتين وسط اتساع الخلاف مع تل أبيب

دافع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام أمام البرلمان، عن قرار حكومته حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، مؤكداً أن لندن لم تعد تكتفي بالتأكيدات السياسية بشأن حل الدولتين، وإنما تتجه إلى ترجمة موقفها إلى إجراءات عملية.

وقال بيرنام إن بريطانيا مطالبة بـ«اتخاذ موقف» في مواجهة ما تعتبره مظالم وانتهاكات، مشدداً على أن القيادة السياسية تقتضي التحرك عندما يُجبر السكان على مغادرة منازلهم. ويأتي هذا الموقف في أعقاب إعلان وزير الخارجية إد ميليباند، الثلاثاء، حزمة إجراءات تستهدف نشاط المستوطنات، بما في ذلك حظر الواردات واتخاذ تدابير بحق شركات وأفراد مرتبطين بالتوسع الاستيطاني.

لندن تنتقل من الموقف السياسي إلى الضغط الاقتصادي

يمثل القرار البريطاني تحولاً لافتاً في سياسة لندن تجاه إسرائيل، إذ تسعى الحكومة إلى ربط موقفها المعلن بشأن حل الدولتين بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية تستهدف المستوطنات، بدلاً من الاكتفاء ببيانات الإدانة.

وتؤكد الحكومة البريطانية أن الإجراءات تستهدف المستوطنات والنشاط المرتبط بها، وليس إسرائيل أو المجتمع الإسرائيلي بصورة عامة، في محاولة للحفاظ على العلاقات مع إسرائيل، بالتوازي مع الضغط على الحكومة الإسرائيلية بشأن التوسع الاستيطاني. كما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا تحركاً منسقاً بشأن التجارة المرتبطة بالمستوطنات، فيما أبدت دول أوروبية أخرى استعداداً لاتخاذ خطوات مماثلة.

إسرائيل ترد بتصعيد دبلوماسي

لم تتأخر تل أبيب في الرد على الإجراءات البريطانية، إذ أعلنت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المحتلة، وفرضت قيوداً على دخول عدد من البريطانيين، في خطوة تعكس انتقال الخلاف من مستوى التصريحات السياسية إلى إجراءات دبلوماسية مباشرة.

ووصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الإجراءات البريطانية بأنها تصعيد ضد إسرائيل، فيما أشاد بموقف زعيمة حزب المحافظين المعارض كيمي بادينوك، التي اتهمت حكومة حزب العمال بتقديم حساباتها السياسية على ما اعتبرته المصلحة الوطنية البريطانية.

انقسام داخلي وضغوط سياسية

وفي الداخل البريطاني، يكشف الخلاف عن انقسام سياسي واضح بشأن حدود السياسة الخارجية للحكومة. فبينما يرى بيرنام وحلفاؤه أن فرض قيود على المستوطنات يمثل ترجمة لموقف بريطانيا من القانون الدولي وحل الدولتين، تعتبر المعارضة أن الخطوة قد تضر بالعلاقات البريطانية ـ الإسرائيلية وتفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية أوسع.

ورغم انتقادات بادينوك، فإنها ركزت خلال جلسة البرلمان على ملف الإنفاق الدفاعي بدلاً من تحويل المواجهة مع الحكومة بشأن إسرائيل إلى محور رئيسي في الاستجواب، فيما استغل بيرنام النقاش للتأكيد على أن حكومته مستعدة لاتخاذ خطوات في ملفات تعتبرها مرتبطة بالقيم والمبادئ البريطانية.

الخلاف يتجاوز التجارة إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل

ويعكس التصعيد الحالي خلافاً أعمق من مسألة تجارية محدودة، إذ يتعلق بمستقبل السياسة البريطانية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحدود قدرة لندن على استخدام أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية للتأثير في مسار الأحداث.

ومن منظور نقدي، فإن القيمة الأكبر للقرار البريطاني تبدو سياسية ورمزية أكثر منها اقتصادية، خصوصاً أن تجارة المستوطنات تمثل جزءاً محدوداً من إجمالي العلاقات التجارية.

غير أن أهمية الخطوة تكمن في إرسال رسالة مفادها أن استمرار التوسع الاستيطاني لن يظل، من وجهة نظر الحكومة البريطانية، ملفاً منفصلاً عن العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.

في المقابل، فإن الرد الإسرائيلي الحاد يرفع مخاطر اتساع الشرخ بين الطرفين، خصوصاً مع دخول إجراءات متبادلة على خط الأزمة، وإذا استمر التصعيد، فقد تنتقل العلاقة البريطانية ـ الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر توتراً، يصبح فيها ملف المستوطنات اختباراً حقيقياً لمدى قدرة حكومة بيرنام على الموازنة بين دعم حل الدولتين، والحفاظ على العلاقات الأمنية والاستراتيجية مع إسرائيل، وتجنب اتساع الخلاف داخلياً ودولياً.

وبذلك، تبدو بريطانيا أمام مرحلة جديدة في سياستها الشرق أوسطية، عنوانها الانتقال من الدعم السياسي لحل الدولتين إلى محاولة فرض كلفة دبلوماسية واقتصادية على السياسات التي ترى لندن أنها تقوض فرص تحقيقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى