ليبيا

بين رفع الشعارات وتجويع المعلمين.. حكومة الدبيبة ترهن مستقبل ليبيا بفواتير الأزمة!

ليبيا على حافة شلل تعليمي شامل: إضراب المعلمين يكشف هشاشة حكومة الدبيبة وعجزها

معلمو ليبيا يرفضون الوعود ويمسكون بمستقبل الأجيال: كيف تحولت قضية علاوة الحصة إلى اختبار وجودي لمصداقية السلطة التنفيذية؟

ليبيا 24

معلمو ليبيا بين مطرقة التجويع وسندان الوعود: هل يدفع الطلاب ثمن أزمة حكومة الدبيبة منتهية الولاية؟

مقدمة:
لم يعد مشهد المعلم الليبي واقفاً أمام سبورته يحمل دفاتر تلاميذه، بل أصبح واقفاً أمام مقرات الاعتصام حاملاً لافتات تطالب بحقوقه المسلوبة.

في وقتٍ تتساقط فيه أوراق الخريف على أروقة المدارس الخالية، يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام سؤال وجودي قاتل: هل يرسلون أبناءهم إلى مدارس لا معلمين فيها، أم يتركونهم فريسة لشوارع تنهشها الأزمات الاقتصادية والأمنية؟ إنها معادلة صفرية لا تحتمل التأجيل، فرضتها سياسات حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، التي يبدو أنها اختارت أن تغض الطرف عن معاناة من يحملون على عاتقهم بناء العقول، لتترك الطلاب يدفعون ثمن أزمة سياسية واقتصادية طاحنة.

التحليل:
تشهد ليبيا هذه الأيام تصعيداً غير مسبوق في القطاع التعليمي، وصل إلى حد الاعتصام المفتوح وتعليق بدء العام الدراسي في عدة مناطق. يأتي هذا التصعيد بعد سنوات من الصمت المطبق على تردٍّ مالي مزمن أكل أخضر رواتب المعلمين ويابسها.

وتشير البيانات المتداولة إلى أن مرتب المعلم في ليبيا لا يتجاوز ألفي دينار ليبي شهرياً، وهو مبلغ يبدو عبثياً أمام الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات. في ظل هذه الظروف، يبدو التساؤل مشروعاً: كيف لحكومة تدّعي حرصها على “متابعة ملف حقوق المعلمين” أن تتركهم لنفق الفقر المظلم حتى اللحظة الأخيرة؟

إن أزمة المعلمين ليست مجرد مطالب فئوية عابرة، بل هي كاشف صارخ لهشاشة المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا. فبينما تتحدث تقارير مصرف ليبيا المركزي عن ارتفاع متوسط الاعتمادات الشهرية للمرتبات من 6.113 مليارات دينار في 2025 إلى نحو 6.211 مليارات دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، نجد أن المعلم ما زال يلهث خلف “علاوة الحصة” و”فروقات مالية” مضى عليها سنوات، وكأنه يعيش في دولة أخرى غير تلك التي تستنزف ميزانيتها على بنود أخرى.

مطالب المعلمين: حقوق مشروعة أم امتيازات مطلوبة؟

تتمحور مطالب المعلمين، كما توضح بيانات نقاباتهم، حول صرف علاوة الحصة للمستحقين، وصرف علاوة مديري المدارس المتوقفة، وتفعيل التأمين الصحي، وإصدار قانون لحماية المعلم، وصرف الفروقات المالية المستحقة منذ سنوات. هذه المطالب، كما يصفها نقيب المعلمين في طرابلس أشرف بوراوي، هي مطالب “مشروعة” و”لن تتنازل عنها النقابة حتى نيل كامل حقوق المعلمين”.

فمن غير المنطقي أن يبقى مرتب من يحمل رسالة التعليم عند حدود ألفي دينار، بينما تحصل قطاعات أخرى على زيادات وتسويات مالية. هذا التفاوت الصارخ في توزيع الزيادات خلق حالة من السخط المكتوم، وعمّق الشعور بعدم المساواة بين أبناء الوطن الواحد.

بين وعود الدبيبة وتناقضات الواقع:

يُصرّ رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبدالحميد الدبيبة، في تصريحاته على “حرصه على متابعة ملف حقوق المعلمين” و”السعي لتذليل الصعوبات وتحسين ظروفهم”.

لكن هذه التصريحات تصطدم بجدار من التناقضات. ففي وقت تشكو فيه النقابات من “التسويف والمماطلة” و”استنفاد سبل الحوار والمخاطبات الرسمية”، نجد أن الحكومة ما زالت تتعامل مع الأزمة بمنطق المسكنات المؤقتة.

أعلن الدبيبة عن تنفيذ قانون زيادة مرتبات المعلمين اعتبارًا من سبتمبر 2026، لكن الميدان يقول إن هذه الزيادات، حتى لو وصلت، لن تكون كافية لمواجهة التضخم المتسارع, وسيتآكل أثرها الحقيقي مع مرور الوقت.

هذا التدبير الذي يمكن اعتباره استجابة جزئية لجرح غائر، لا يمكنه إخفاء حقيقة أن الحكومة تتعامل مع التعليم كملف تجميلي لتحسين صورتها، وليس كأولوية استراتيجية لبناء الدولة.

من يدفع الثمن؟ الطلاب بين نارين:

في خضم هذا الصراع، يقف الطلاب الليبيون في المنتصف، ضحايا صامتون لا حول لهم ولا قوة. لا يتوانى المعلمون عن تشخيص جوهر المشكلة، إذ يقولون صراحة إن عملية الإصلاح يجب أن تبدأ بمنح الحقوق لأصحابها: “توا عندك ناس تخدم ومن حقها اتطالب بحقوقها. اعطيهم حقوقهم بعدين دير حملة لفصل المدرسين غير الأكفاء.”

هذا الطرح واقعي وعملي: لا يمكن محاسبة معلم على أدائه الوظيفي بينما راتبه لا يكفيه حتى لتأمين أبسط احتياجاته الأساسية. وبينما يخوض المعلمون معركتهم من أجل الكرامة، يتحمل الطلاب تبعات تأجيل الدراسة وتعليق الامتحانات، ما يهدد بتخريج جيل كامل محروم من حقه في التعليم.

فالطالب الذي يعاني لسنوات من إهمال البنية التحتية ومن قلة البنزين التي تحول بينه وبين الوصول إلى مدرسته، ما زال ينتظر حلاً يريحه من هذا العبء، أو على الأقل يضمن له معلماً حاضرا ً غير مشغول بهموم راتبه.

الشارع الليبي: بين الغضب والمسؤولية الأخلاقية:

لا يقتصر الغضب على المعلمين وحدهم، بل يمتد إلى الرأي العام الليبي الذي يرى في الإمعان في تجاهل مطالب القطاع التعليمي استهتاراً بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، يصدح صوت المواطن الليبي المكلوم مطالباً بإنصاف المعلم، مدركاً أن “الدفاع عن المعلم دفاع عن الدولة”.

هذا الشارع الذي خبر ويلات الأزمات المتتالية، يرى في معاناة المعلم حلقة جديدة من مسلسل الإهمال الحكومي الممنهج. ولعل من أصدق ما يعبر عن هذه الروح هو مطالبة البعض بضرورة إعادة الهيكلة: “بعدين دير حملة لفصل المدرسين غير الأكفاء”، رغبة في تطهير المؤسسة التعليمية ممن لا يستحقون، لكن مع التأكيد على أن عملية التطهير هذه لا يمكن أن تتم على حساب حقوق من يستحق. إنها دعوة للعدالة الانتقالية في القطاع التعليمي، التي يريدها الليبيون أن تبدأ بإنصاف المعلم، لا بتجويع الأجيال القادمة.

في ظل هذا المشهد القاتم، يبدو أن حكومة الدبيبة منتهية الولاية قد وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع الشارع الليبي، ومع مؤسسة التعليم التي تمثل حجر الزاوية لأي مستقبل ديمقراطي منشود.

إن قرار المعلمين بالاعتصام ليس خياراً ترفيهياً أو فئوياً، بل هو صرخة يأس تحمل في طياتها مسؤولية تاريخية. فالمعلم الذي يطالب بحقه في علاوة الحصة، والحقوق المتراكمة، هو نفس المعلم الذي يحمل أمانة تعليم الأجيال. ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كل وطني ليبي: هل تنصف حكومة منتهية الولاية معلمي ليبيا، أم ستستمر في المراهنة على صبرهم حتى يدفع الطلاب ثمن هذا العبث كله؟

المسؤولية الآن تقع على عاتق الجميع، لكن بشكل أساسي على عاتق من بيدهم القرار، الذين عليهم أن يدركوا أن إنقاذ التعليم هو إنقاذ للدولة بأسرها. وفيما يبدو أن الشارع الليبي قد حسم موقفه إلى جانب المعلم والطالب، يبقى الأمل معلقاً على وعي النخبة وتحركاتها، قبل أن يغرق الجميع في نفق الظلام التعليمي الذي لا يبقي ولا يذر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى