«صفقة العبور إلى المجهول»: من يخشى الانتخابات أكثر… عقيلة أم تكالة؟
اتفاق «4+4» ليس نهاية التاريخ، لكنه ربما يكون آخر قطار قبل الهاوية
ليبيا 24
اتفاق في العلن… وسكاكين في الغرف المغلقة
في الثلاثين من أغسطس الماضي، وبحضور الممثلة الأممية هانا تيتيه وعدد من السفراء، وُقّع في طرابلس اتفاق لجنة «4+4» الذي أعاد تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووعد بانتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز أربعاً وعشرين شهراً، مع معالجة ملفات ظلت عالقة لسنوات: ترشح العسكريين، مزدوجو الجنسية، والتزكيات.
ورحّب مجلس الأمن الدولي بالتفاهمات واصفاً إياها بـ«الخطوة الأساسية نحو انتخابات حرة ونزيهة». لكن خلف هذا الإجماع الدولي، يدور في الكواليس نقاش ليبي ساخن، هات وخد، بين مؤيد يرى في الاتفاق طوق نجاة، ومتحفظ يبحث عن منفذ للالتفاف عليه.
الزقم يفتح النار — «الاتفاق ليس ترفاً… إنه ضرورة»
يبدأ الكاتب والمحلل السياسي عبد العزيز الزقم النقاش بموقف حاسم: «أنا كمواطن لا أملك رفاهية النظر إلى السياسة من أعلى. أريد أمنًا، ولقمةً، ودولةً تحفظ كرامتي.
ولذلك أفضل الاستقرار على ديمقراطية بلا دولة؛ ليس إعجابًا بالاستبداد، بل رفضًا لوهم أن الشعارات يمكن أن تحل محل المؤسسات». ويضيف بحدّة: «كانوا بالأمس يستعمروننا، واليوم لا يحتاجون إلى ذلك؛ يكفي أن يجدوا من يدير مصالحهم من الداخل.
المفارقة أن يتحول بعض أبناء البلد إلى أدوات في صراع المصالح، فتغدو الدولة ساحةً للمساومة، والمواطن مجرد تكلفة جانبية».
وعندما يُسأل الزقم عن «4+4»، يجيب بوضوح: «المشكلة في النهاية ليست فقط من يتدخل في شؤوننا، بل من يمنحه القدرة على التدخل، ومن يدفع الثمن عندما تنتهي اللعبة». ويشدد على أن «الاتفاق ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لبلد على حافة الهاوية. من يعرقلونه لا يخشون على ليبيا، بل يخشون على مواقعهم».
العبدلي يرد — «الاتفاق يعالج ما عجزت عنه 6+6»
يقاطعه المحلل السياسي حسام الدين العبدلي مؤيداً: «نحن وصلنا إلى اتفاق 4+4، وهذا الاتفاق يعالج أهم المشكلات، وهي مشكلة الانتخابات الرئاسية، ومشكلة ترشح العسكريين، وترشح مزدوجي الجنسية، ولكن الآن عدنا إلى المربع الأول، مربع 6+6 ومربع المماطلة».
ويتساءل بمرارة: «هذه الأجسام التي تُسمى وطنية أصبحت في حقيقة الأمر محل انتقاد وسوء نظر أمام الليبيين. يبدو أنها تريد القول بأنها تريد الوصول إلى الانتخابات، ولكن أفعالها لا تثبت ذلك، وهذا أمر مؤسف جداً».
لكنه يضع يده على الجرح الأعمق: «الأسباب الجذرية للانقسام كثيرة جداً، إلا أن أبرزها يتمثل في التدخل الأجنبي الذي لم يكن إيجابياً، بل أسهم في زيادة حدة الانقسام، خاصة بعض التدخلات العربية. الإعلام الموجّه من الخارج كان أيضاً سبباً رئيسياً في ضرب النسيج الاجتماعي، إلى جانب السياسيين الليبيين الذين لم يكونوا على قدر المسؤولية».
تكالة يرد من بعيد — «لا أعترف بشرعية اللجنة»
وهنا يخرج رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة عن صمته، معتذراً عن حضور مراسم التوقيع «بسبب عدم اعترافه بشرعية اللجنة».
ويقول في رسالته إلى المبعوثة الأممية: «القضايا الجوهرية المرتبطة بالمسار السياسي والانتخابي لا يمكن حسمها أو تقديمها باعتبارها توافقاً وطنياً من خلال مسار محدود التمثيل، لم يكن المجلس شريكاً في صياغة مخرجاته».
ويضيف: «التيسير الحقيقي يقتضي تمكين المؤسسات والأطراف الوطنية من المشاركة في صناعة التوافق، لا دعوتها لاحقاً لإضفاء المشروعية على مخرجات لم تشارك في إعدادها».
ويردّ عليه العبدلي فوراً: «من يرفض اليوم 4+4 بحجة عدم المشاركة، كان بالأمس جزءاً من 6+6 الذي أنتج قوانين انتخابية معطلة. أيهما أولى: البحث عن الشرعية في أنقرة، أم الانصياع لإرادة الليبيين في الانتخابات؟»
عقيلة صالح يدخل الحلبة — «التأييد المشروط»
في المقابل، يحاول رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الإمساك بالعصا من المنتصف، معلناً استعداده «للتعاطي الإيجابي مع كل ما من شأنه الإسهام في إنهاء حالة الانقسام»، لكنه يشترط «عدم التعارض مع الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي».
ويأتي هذا الموقف بعد لقائه مع تكالة في أنقرة، حيث أعلنا الاتفاق على استئناف عمل لجنة «6+6» لإعداد القوانين الانتخابية، في خطوة يصفها مراقبون بأنها محاولة ذكية لالتقاط الاتفاق الأممي من خلف ظهره.
وهنا يتدخل عضو بمجلس النواب ليكشف التناقض: «رئيس مجلس النواب عقيلة صالح اتجه إلى الموافقة على مخرجات 4+4 بينما رفضها مجلس الدولة».
ويضيف مصدر برلماني أن «المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي يتصدّر دائرة الرافضين والمتحفظين، حيث يخشى فقدان موقعه في المشهد السياسي، باعتبار أن هناك مساعيَ لتشكيل مجلس رئاسي جديد».
احميد يدخل المعمعة — «الاقتصاد ينزف والمواطن يدفع»
من زاوية أخرى، يحذر المحلل السياسي إدريس احميد: «استمرار الانقسام السياسي في ليبيا ينعكس بشكل مباشر على المواطن، من خلال تراجع مستوى الخدمات، وتدهور الوضع الاقتصادي، وارتفاع معدلات الفقر والفوضى، خاصة في بعض مناطق غرب ليبيا».
ويشدد على أن «المؤسسات السيادية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والقضاء، من المفترض أن تكون مؤسسات وطنية مستقلة ومحايدة»، مشيراً إلى أن الانقسام «أظهر تأثيره على استقرار مصرف ليبيا المركزي وسعر الدينار والاعتمادات».
ويكشف أن «المؤسسة الوطنية للنفط تحتاج إلى الاستقرار حتى تتمكن من تنفيذ مشاريعها»، بينما تشير الأرقام إلى عجز في استخدامات النقد الأجنبي يقترب من خمسة مليارات دولار، فيما يحذّر خبراء من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطي خلال فترة قصيرة.
ويخلص احميد إلى أن «التجارب السابقة أثبتت أن حكومات المحاصصة لم تتمكن من إنهاء الأزمة أو إجراء الانتخابات»، داعياً إلى «موقف حازم لإنهاء التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، ودعم المؤسسة العسكرية والأمنية، وفرض الأمن والاستقرار».
الجولة السادسة: الفتنة تنتظر على الأبواب
على الصعيد الأمني، يحذر مراقبون من أن «السلام الهشّ الذي ساد السنوات الأخيرة سيظل هشاً ما لم يُدمج في إطار سياسي دائم»، مشيرين إلى «موجات متتالية من العنف في الزاوية ومناطق أخرى، مع استهداف متعمد لمنشآت حيوية كالمصافي النفطية عبر هجمات بطائرات بدون طيار».
سؤال المواطن — «من يخون الفرصة الأخيرة؟»
بين دعم دولي يتسع من مجلس الأمن، وتأييد محلي يتراوح بين المعلن والمتحفظ، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً: من يخون الفرصة الأخيرة؟ يقول الزقم: «السياسة، في جوهرها، ليست عالمًا مثاليًا؛ التحالفات تتغير، والمصالح تتقدم، والمبادئ كثيرًا ما تُختبر أمام موازين القوة.
لكن السؤال الذي يغيب وسط هذه الحسابات هو الأبسط: ماذا يبقى للمواطن؟». ويختم: «المشكلة في النهاية ليست فقط من يتدخل في شؤوننا، بل من يمنحه القدرة على التدخل، ومن يدفع الثمن عندما تنتهي اللعبة».
لعبة العبور… إلى أين؟
بين من يريد انتخابات يخاف منها، ومن يريد حواراً يطيل به عمره، يبقى المواطن الليبي المكلوم ينتظر على الرصيف. اتفاق «4+4» ليس نهاية التاريخ، لكنه ربما يكون آخر قطار قبل الهاوية.
والذين يبحثون عن منفذ للالتفاف عليه، من أنقرة إلى الغرف المغلقة، ينسون أن الشارع الليبي لم يعد يحتمل مزيداً من المماطلة. الفرصة الأخيرة تحتاج إلى حرّاس أوفياء، لا إلى حُرّاس يبحثون عن ثمنٍ للعبور.



