اقتصاد

النفط يرسم خريطة القوة العالمية: استهلاك قياسي عند 105 ملايين برميل يومياً وأمريكا تبتلع 20% من الطلب العالمي

ثلاث دول تسيطر على 41% من استهلاك النفط العالمي: واشنطن وبكين ونيودلهي يعيدون تشكيل ميزان الطاقة الدولي

ليبيا 24

من النفط الصخري إلى مصافي آسيا: كيف تترجم أرقام الاستهلاك والإنتاج موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية؟

استهلاك قياسي يعكس تسارع النشاط الاقتصادي العالمي

سجل الاستهلاك العالمي للنفط مستويات غير مسبوقة خلال عام 2025، إذ بلغ 105.15 ملايين برميل يومياً، بزيادة قدرها 1.30 مليون برميل يومياً عن العام السابق، وفقاً للتقرير الإحصائي السنوي لمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك).

ويأتي هذا الارتفاع القياسي مدفوعاً بنمو الطلب في الاقتصادات غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي استحوذت على النصيب الأكبر من الزيادة، بينما ظل نمو الطلب في الاقتصادات المتقدمة محدوداً عند 0.4% فقط.

ويُترجم هذا الرقم الإجمالي إلى واقع ملموس: العالم يستهلك ما يعادل 1.22 مليون برميل من النفط كل دقيقة، وهو معدل يعكس حجم الاعتماد الصناعي والتجاري على هذه السلعة الاستراتيجية. وتتوزع هذه الكميات الهائلة على عدد محدود من الدول، إذ تستحوذ أكبر ثلاث دول مستهلكة – الولايات المتحدة والصين والهند – على 41% من إجمالي الطلب العالمي.

ترتيب مفصل لأكبر عشرين دولة مستهلكة

تكشف البيانات الإحصائية عن ترتيب دقيق لأكبر الدول المستهلكة للنفط، حيث تتصدر الولايات المتحدة القائمة باستهلاك بلغ 19.40 مليون برميل يومياً، مستحوذة على نحو 19% من الطلب العالمي، بزيادة 1.3% عن مستواها البالغ 19.15 مليون برميل يومياً في 2024. وتحتل الصين المرتبة الثانية باستهلاك 17.36 مليون برميل يومياً، مسجلة نمواً بنسبة 2.7% مقارنة بـ16.7 مليون برميل في 2024، ما يعكس استمرار الاعتماد الصناعي الصيني على النفط رغم مساعي التحول نحو الطاقة المتجددة.

وتأتي الهند في المرتبة الثالثة باستهلاك 5.64 ملايين برميل يومياً، بزيادة طفيفة بلغت 0.5% فقط مقارنة بـ5.61 ملايين برميل في 2024، وهو نمو محدود يعكس تحديات البنية التحتية في الاقتصاد الهندي.

وتحتل السعودية المركز الرابع عالمياً باستهلاك 3.86 مليون برميل يومياً، رغم انخفاض استهلاكها بنسبة 1.3%، لتستحوذ على 3.7% من الإجمالي العالمي، متقدمة على روسيا التي جاءت في المرتبة الخامسة باستهلاك 3.64 مليون برميل يومياً.

وتضم بقية قائمة العشر الأوائل: اليابان باستهلاك 3.31 مليون برميل يومياً، وكوريا الجنوبية 2.83 مليون برميل، والبرازيل 2.61 مليون برميل، وكندا 2.39 مليون برميل، وألمانيا 2.04 مليون برميل يومياً. وفي المراتب من الحادية عشرة إلى العشرين، تظهر إيران باستهلاك يقارب 1.83 مليون برميل يومياً، والمكسيك بنحو 1.63 مليون برميل، وإندونيسيا 1.50 مليون برميل، وسنغافورة 1.48 مليون برميل، وفرنسا 1.38 مليون برميل، والمملكة المتحدة 1.37 مليون برميل، وإسبانيا 1.33 مليون برميل، وتايلاند 1.20 مليون برميل، وتركيا 1.15 مليون برميل، وإيطاليا 1.15 مليون برميل يومياً. وتكتمل القائمة بدول الإمارات وأستراليا وماليزيا والعراق وتايوان، ما يبرز تركز الطلب العالمي في الاقتصادات الكبرى ذات النشاط الصناعي والنقل المرتفع.

الإنتاج العالمي: أمريكا تحطم الأرقام القياسية

على الجانب الآخر من المعادلة، سجل الإنتاج العالمي من النفط الخام ارتفاعاً ملحوظاً خلال 2025، إذ بلغ 74.85 مليون برميل يومياً، بزيادة 2.24 مليون برميل عن العام السابق. ويأتي هذا النمو مدفوعاً بارتفاع إنتاج الدول الأعضاء في أوبك بمقدار 1.22 مليون برميل يومياً، والدول غير الأعضاء المشاركة في إعلان التعاون بمقدار 0.12 مليون برميل، بينما ارتفع إنتاج الدول غير المشاركة في الإعلان بنحو 0.90 مليون برميل يومياً.

وحطمت الولايات المتحدة الرقم القياسي العالمي في إنتاج النفط الخام، إذ بلغ متوسط إنتاجها 13.6 مليون برميل يومياً في 2025، متجاوزة الرقم السابق البالغ 13.2 مليون برميل يومياً المسجل في 2024.

وقد أسهم حوض بيرميان، أكبر حقول النفط الصخري الأمريكي، بنحو 6.6 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل 48% من إجمالي الإنتاج الأمريكي، بنمو 4% عن العام السابق. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية استمرار الإنتاج عند مستويات قريبة من 13.7 مليون برميل يومياً في 2026، على أن يرتفع إلى 14.2 مليون برميل يومياً بحلول 2027.

ويكشف هذا التفوق الأمريكي عن فجوة متسعة مع أقرب المنافسين، إذ يزيد الإنتاج الأمريكي بنحو 40% عن إنتاج روسيا والسعودية مجتمعتين.

فقد ظل الإنتاج الروسي شبه ثابت عند 9.9 ملايين برميل يومياً، متأثراً بالتخفيضات الطوعية والنزاع مع أوكرانيا، بينما ارتفع الإنتاج السعودي من 9.2 ملايين برميل يومياً في 2024 إلى 9.6 ملايين برميل في 2025 مع بدء تحالف أوبك بلس في إلغاء التخفيضات الطوعية.

التكرير والصادرات: آسيا في قلب المعادلة

شهدت الطاقة التكريرية العالمية زيادة طفيفة بلغت 0.05 مليون برميل يومياً في 2025، لتصل إلى 103.66 ملايين برميل يومياً.

وسجلت مناطق خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خاصة آسيا الأخرى والهند والشرق الأوسط والصين، إضافات في الطاقة التكريرية. كما ارتفع معدل تكرير النفط الخام عالمياً بمقدار 1.17 مليون برميل يومياً ليصل إلى 86.89 مليون برميل يومياً، مدفوعاً بمعدلات تشغيل أعلى في الأمريكتين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وعلى صعيد الصادرات، بلغ متوسط صادرات الدول الأعضاء في أوبك من النفط الخام 19.85 مليون برميل يومياً في 2025، بزيادة 0.85 مليون برميل عن 2024. وذهب النصيب الأكبر من هذه الصادرات – 14.79 مليون برميل يومياً – إلى آسيا، ما يعكس التحول الهيكلي في خريطة الطلب العالمي نحو الشرق.

كما ارتفعت صادرات المنتجات النفطية من دول أوبك إلى 5.31 ملايين برميل يومياً، بزيادة 0.24 مليون برميل عن العام السابق.

الأسعار والتحولات المستقبلية

على الرغم من الزيادة القياسية في الاستهلاك والإنتاج، شهدت أسعار النفط انخفاضاً ملحوظاً خلال 2025. فقد تراجع متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط من 77 دولاراً للبرميل في 2024 إلى 65 دولاراً في 2025، وسط حالة من وفرة المعروض العالمي.

ويعكس هذا التباعد بين ارتفاع الطلب وانخفاض الأسعار ديناميكية معقدة في السوق، حيث تمكنت الدول المنتجة من زيادة الإنتاج بوتيرة تفوق نمو الاستهلاك، مدفوعة بتحسن كفاءة استخراج النفط الصخري والتوسع في الإمدادات غير التقليدية.

وتتوقع أوبك استمرار نمو الطلب العالمي على النفط من 105.1 ملايين برميل يومياً في 2025 إلى 113.3 مليون برميل يومياً في 2030، ثم إلى 124.1 مليون برميل يومياً بحلول 2050. في المقابل، تتباين تقديرات وكالة الطاقة الدولية التي تتوقع نمواً أكثر تحفظاً عند 0.7 مليون برميل يومياً في 2025، مع الإشارة إلى تباطؤ الطلب في الصين والولايات المتحدة.

ويعكس هذا التباين في التوقعات حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل الطلب على النفط، في ظل تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة من جهة، واستمرار النمو الصناعي في الاقتصادات الناشئة من جهة أخرى.

وتبقى مسألة الاحتياطيات النفطية العالمية محوراً استراتيجياً في معادلة الطاقة الدولية. فالدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة – وعلى رأسها السعودية وفنزويلا وإيران والعراق – تحتفظ بقدرة تفاوضية طويلة الأمد، بينما تسعى الدول المستهلكة الكبرى إلى تنويع مصادر إمدادها وتطوير تقنيات بديلة لتقليص اعتمادها على الواردات.

النفط مرآة القوة في النظام الدولي

في التحليل النهائي، تكشف أرقام استهلاك النفط وإنتاجه خلال 2025 عن حقيقة جوهرية: أن هذه السلعة الاستراتيجية لا تزال المؤشر الأصدق على توزيع القوة الاقتصادية والصناعية في العالم.

فالولايات المتحدة، أكبر منتج ومستهلك، تمتلك القدرة على التأثير في السوق العالمية بسياساتها الإنتاجية، بينما يظل نمو الطلب الآسيوي – بقيادة الصين والهند – المحرك الرئيسي لتوجهات السوق في العقود القادمة.

ومن يملك النفط، يملك نفوذاً؛ ومن يستهلكه بكثافة، يملك قدرة على رسم ملامح السياسات العالمية للطاقة. وفي هذا التوازن الدقيق بين العرض والطلب، تتشكل ملامح نظام عالمي جديد تقوده الطاقة بقدر ما تقوده الجيوسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى