أزمة الوقود ترفع كلفة الصيد وتضغط على سوق الأسماك في ليبيا
تراجع المعروض وارتفاع التشغيل يكشفان اختلالات تمتد من البحر إلى السوق

تواجه مهنة الصيد البحري في ليبيا ضغوطًا متزايدة، مع ارتفاع كلفة الوقود ومستلزمات التشغيل وتراجع عدد الرحلات، في وقت انعكس فيه انخفاض المعروض على أسعار الأسماك وحركة الأسواق.
وتكشف معطيات من طرابلس ومصراتة أن الأزمة لا ترتبط بعامل واحد، بل تتداخل فيها كلفة الرحلة، ونقص العمالة، وضعف البنية التحتية، ومشكلات التبريد والتخزين، فضلًا عن تحديات إدارة الموارد وتنظيم السوق.
وفي سوق الأسماك بطرابلس، يقول تاجر الأسماك الشيخ الطرابلسي إن بعض الصيادين يدفعون بين 7 و8 دنانير للتر الواحد من الوقود، بينما قد تصل تكلفة رحلة الصيد إلى 200 أو 300 دينار، قبل إضافة أجور العمال وبقية المصروفات.
ويشير الطرابلسي إلى أن ارتفاع الكلفة وصعوبة الحصول على الوقود جعلا الصيد أقل جدوى بالنسبة إلى عدد من الصيادين، خصوصًا أصحاب القوارب الكبيرة التي تعتمد على الديزل وتحتاج إلى رحلات أطول للوصول إلى مناطق صيد توفر كميات وأنواعًا أكبر.
المعروض يتراجع والأسعار تقفز
وتظهر آثار الأزمة بوضوح داخل سوق طرابلس، الذي يضم نحو 38 فرشة للبيع، فيما قد ينخفض عدد عمليات البيع في بعض الفترات إلى أقل من 10، وفق إفادة الطرابلسي.
ويقدّر التاجر تراجع الكميات المعروضة بنحو 85% مقارنة بالمستويات السابقة، موضحًا أن التاجر الذي كان يبيع ما بين 200 و250 كيلوغرامًا يوميًا بات لا يعرض أكثر من 30 إلى 40 كيلوغرامًا، بحسب نوع السمك والكميات التي تصل من الصيادين.
ومع انكماش المعروض، انتقلت الضغوط سريعًا إلى المستهلك. ووفق الطرابلسي، ارتفع سعر كيلوغرام السردين من نحو 3 أو 3.5 دنانير إلى ما بين 25 و30 دينارًا، في قفزة تعكس اتساع الفجوة بين حجم الطلب وقدرة السوق على توفير الإنتاج المحلي.
وفي مصراتة، يربط تاجرا الأسماك محمود خضرية وسامي حريب ارتفاع الأسعار بتراجع أعداد مراكب الصيد وأزمة الوقود، إضافة إلى عدم عودة عدد من العمال القادمين من مصر وتونس إلى أعمالهم بعد تفاقم أزمة الوقود.
الأزمة لا تبدأ عند الوقود
ولا تتوقف التحديات عند المحروقات، إذ رصدت وزارة الاقتصاد مشكلات أخرى، بينها ضعف البنية التحتية لمرافئ الصيد.
وفي الخمس، تحدث صيادون عن تراكم الردم داخل المرفأ والتلوث وصعوبة دخول القوارب وخروجها، إلى جانب ارتفاع تكاليف صيانة المحركات والشباك ومستلزمات الصيد.
كما تمثل العمالة تحديًا إضافيًا، إذ أشار نقيب الصيادين المكلف محمد شعبان إلى أن بطء إجراءات استقدام العمالة الأجنبية ونقص العمال المهرة أثرا في الإنتاج والأسعار.
وتضاف إلى ذلك مشكلة التبريد والتخزين، وهي حلقة أساسية في سلسلة القيمة، دفعت وزارة الثروة البحرية إلى توجيه تركيب مصنع ثلج إضافي في مرفأ باب البحر بطرابلس لدعم الصيادين والحفاظ على جودة الأسماك.
تنظيم السوق لا يعالج جذور الأزمة
وفي محاولة لضبط المعروض محليًا، فرضت وزارة الاقتصاد في يونيو حظرًا لمدة ثلاثة أشهر على تصدير وإعادة تصدير الأسماك والمنتجات البحرية، معتبرة أن القرار ساهم في زيادة المعروض محليًا وخفض الأسعار.
لكن هذا الإجراء، رغم تأثيره المباشر في حركة السوق، لا يعالج بالضرورة الأسباب التي تدفع الإنتاج إلى التراجع من الأساس؛ فالصياد الذي يواجه وقودًا مرتفع التكلفة، ومرافئ متعثرة، ونقصًا في العمالة، وارتفاعًا في أسعار معدات الصيد، سيظل أمام هامش ربح ضيق حتى في حال ارتفاع سعر المنتج النهائي.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع ملف إدارة الموارد البحرية، بعدما أعلنت النيابة العامة في يونيو حبس مسؤولين بوزارة الثروة البحرية وأعضاء في لجنة توزيع حصص التونة على خلفية تحقيقات تتعلق بإدارة مواسم الصيد بين عامي 2018 و2025.
من يدفع ثمن كلفة البحر؟
تكشف أزمة الأسماك في ليبيا عن خلل يتجاوز ارتفاع الأسعار إلى طبيعة منظومة الصيد نفسها. فالمشكلة تبدأ من كلفة الوصول إلى البحر، ثم تمتد إلى كفاءة المرافئ وتوفر العمالة ومستلزمات الصيد والتبريد، قبل أن تنتهي عند التاجر والمستهلك.
واللافت أن ارتفاع سعر السمك لا يعني بالضرورة تحسن دخل الصياد؛ فإذا ارتفعت تكلفة الرحلة وتراجعت الكميات المصطادة، فإن الزيادة التي يدفعها المستهلك قد لا تصل إلى المنتج إلا بصورة محدودة.
وبذلك تتحول أزمة الأسماك إلى مؤشر أوسع على كلفة الإنتاج في ليبيا: كلما ارتفعت كلفة الوصول إلى البحر، تقلصت قدرة الصياد على الإنتاج، واتسعت الفجوة بين ما يدفعه المستهلك وما يكسبه المنتج.



