ليبيا

“العصا ما ربّتش”.. شهادة من ذاكرة طفلة ليبية تفتح الجرح الأعمق: حين يصبح العنف درساً.. يفقد الطفل قدرته على الفهم

بين "هيبة المعلم" و"كرامة الطفل".. خبراء وتربويون يطالبون بمنظومة حماية وتجريم الإيذاء ويرفضون منطق "العقاب يُعلّم"

ليبيا 24

“العصا ما ربّتش”.. ليبيا تعيد قراءة العنف ضد الأطفال من ذاكرة من ضُربوا

في كل مرة يتداول فيها مقطع مصور يوثق تعرض طفل للضرب داخل مؤسسة تعليمية في ليبيا، تعود إلى السطح أسئلة قديمة لم تُغلق: هل العنف أسلوب تربوي؟ وهل من ضُرب في صغره تعلّم فعلاً؟ أم أن ما تعلّمه كان شيئاً آخر تماماً؟

هذه المرة، لم يأتِ الجدل من بيانات رسمية ولا من تقارير حقوقية، بل من ذاكرة امرأة ليبية استعادت تفاصيل جرح لم يندمل، لتضع المجتمع أمام مرآة صادقة: ماذا يحدث عندما يُعلَّم الطفل بالخوف؟

طفلة في الصف الأول.. ودرس لم يكن في المنهج

تروي الدكتورة منال أبو عميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، في شهادة مطولة على خلفية الجدل المتصاعد حول واقعة الاعتداء الأخيرة، أنها ما زالت تحمل في جسدها أثر طريحة تلقّتها في الصف الأول الابتدائي من معلمة الرياضيات.

لم يكن السبب جريمة، ولا إهمالاً، ولا سوء سلوك. كان مجرد سؤال لم يحالفها الحظ في الإجابة عنه.

تقول إن الأثر المادي لتلك الواقعة لا يزال قائماً في أحد أصابعها حتى اليوم، لكن الأثر الأعمق لم يكن في الجسد، بل في شيء آخر تماماً: الإحساس بالمهانة أمام الصغار، والرغبة في التخفّي عن نظر الأم خوفاً من أن تظن نفسها مقصّرة، والارتباك الذي جعلها عاجزة عن متابعة الدرس بعدها.

“معش قدرت نفهم منها شيء”، هكذا وصفت ما تلا الطريحة، في إشارة إلى أن العقاب — ببساطة — ألغى الغاية التعليمية التي يُفترض أنه جاء لخدمتها.

الضرب لا يربي.. يترك أثراً في الجسد والنفس

عبرت أبو عميد عن موقفها الحاسم بالقول إنها ضد الضرب المبرح بمختلف صوره، لأن من لا يملك القدرة على الإجابة اليوم قد يملكها غداً إذا مُنح الوقت والأدوات المناسبة.

فالقدرات الاستيعابية متفاوتة بين الأطفال، والظروف مختلفة، والقياس بمقياس واحد إنما يُنتج مظلوماً لا متعلماً.

وتشير شهادتها إلى مفارقة يحملها كثير من الليبيين: من ضُرب في طفولته لأسباب تبدو اليوم صغيرة، ما زال يتذكر الوجه واللحظة والمكان، بينما لم يتذكر أبداً الدرس الذي كان يفترض أن يتعلمه من العقاب.

العنف في المدرسة، كما تصفه، يُنتج ارتباطاً نفسياً بين المعرفة والألم، وهو ارتباط يفسر لاحقاً لماذا يعزف بعض الطلاب عن المواد التي ارتبطت في ذاكرتهم بالعقاب.

وتشدد أبو عميد على أن ما يُروّج من فكرة أن “العصا تُعلّم” أو “العقاب يُخرج رجالاً” لا يصمد أمام اختبار الواقع.

فلو كان العنف أسلوباً ناجحاً، كما تقول، لتخرّجت منه أجيال أكثر استقراراً وقدرة على البناء، لكن الحصيلة كانت طريقاً مختلفاً: تفكك أسري، وثقافة حرب، وشباب يُغرَّب نحو التشكيلات المسلحة، ومجتمع يُعيد إنتاج الألم بدل أن يتعلم منه.

من يُختزل في طريحة.. لا يتذكر الدرس بل يتذكر الإهانة

تكشف شهادة أبو عميد طبقة أخرى من الأذى غالباً ما يُغفلها من يدافع عن العقاب البدني: لحظة الإحراج أمام الأقران. فالإحساس بأنك موضوع سخرية أو استعطاف من رفاق الصف يُنتج جروحاً أعمق من الألم الجسدي نفسه، ويربط الطفل بعلاقات غير صحية مع محيطه، ما يمهّد لسلوكيات لاحقة من التنمر أو الانطواء أو العدائية.

وتتحدث أبو عميد عن أن علاقتها بمن ضربتها ظلت مشوبة بالكره سنوات طويلة، ولم تُشفَ حتى بعد أن كبرت وتغيّر موقعها في الحياة.

وفي تفصيل طريف يختزل طبائع الأمور، تروي كيف تلقت قبل فترة رسالة من معلمتها القديمة التي قالت لها: “كبرتِ وصرتِ دكتورة”، فأصابها الذهول، وعاد إليها شريط الواقعة، واستعادت جسدياً حرارة الألم والإحراج.

ففي نبرة تلك الرسالة ما يوحي بأن معلمة الأمس لم تدرك أنها هي نفسها كانت جزءاً من القصة المؤلمة التي لم تفارق ذاكرة تلميذتها.

الأم والأسرة.. بين الخوف من العار والصمت عن الأذى

تضيء شهادة أبو عميد أيضاً دور الأم في تمرير أو كسر ثقافة العنف. ففي طفولتها، كان الأهم أن لا تعرف والدتها بما حدث حتى لا يُفسَّر بأنه تقصير منها، ما دفع الطفلة الصغيرة إلى تحمّل الألم في صمت.

وهذا الصمت — كما تؤكده الوقائع الاجتماعية — ليس استثناءً، بل نمط يكرر نفسه: أطفال يتحملون الضرب خوفاً من أن يبدو حجم أمهم أصغر في نظر الناس، بدلاً من أن يجدوا في البيت ملاذاً وحماية.

وتدرك أبو عميد أن الضغوطات التي تعيشها الأسرة الليبية اليوم من فقر وانهيار اقتصادي وتشرد وضعف دخل تضاعف من احتمال استخدام العنف داخل المنازل وفي المؤسسات التعليمية.

لكنها ترفض أن تكون هذه الظروف مبرراً؛ فما يبنيه العنف اليوم تحت لافتة “التربية” لن يكون غداً سوى مجتمع يفتقر للثقة والاحترام بين أبنائه.

تجربة أسرية شخصية: كل طفل على قدره

تروي أبو عميد تجربتها كأم، وتؤكد أنها لم تفكر يوماً في ضرب أطفالها. فالتجربة الشخصية علمتها أن لكل طفل قدرة استيعابية مختلفة، وأن من كان متأخراً في الحفظ أو الفهم في الصفوف الأولى قد يتقدم لاحقاً في مراحل تعليمية أعلى إذا لم يكن قد فقد الثقة بنفسه، ولم يكن قد تعرّض لما يجعله يربط التعلم بالخوف.

وهذا الدرس الشخصي ينسف — كما تقول — فكرة أن هناك وصفة تربوية واحدة تصلح لكل الأطفال. فمن يُتقن الحفظ مبكراً ليس دليلاً على نجاح العنف، ومن يتعثر في البداية ليس دليلاً على الحاجة إلى مزيد منه.

قراءة أوسع من واقعة واحدة

تأتي شهادة أبو عميد لتضع الجدل حول واقعة الضرب الأخيرة في سياق أوسع. فالقضية لا تتعلق بفيديو ينتشر ثم يُنسى، ولا بمعلمة بعينها، ولا بفصل من فصول الحفظ.

القضية هي في الثقافة التي ما زالت تتقبل الضرب، وفي منظومة الحماية التي تغيب، وفي مؤسسات المساءلة التي تتباطأ، وفي نظرة المجتمع التي تريد من الطفل أن يدفع ثمن فشل كل من حوله.

وتشير شهادتها إلى رابط صارخ بين التربية القائمة على العنف والحالة العامة التي وصلت إليها ليبيا بعد سنوات من الصراع.

فلو كان الضرب تربى، كما تقول، ما كانت ليبيا هي ليبيا اليوم: بلد يُنتج كل عام أجيالاً جديدة من الحاملين للسلاح أكثر مما يُنتج من حاملي الشهادات.

ما بين دفاع عن الطفل.. وصون هيبة المعلم

من الضروري هنا التأكيد أن الكلام عن حماية الطفل من الضرب لا ينتقص من مكانة المعلم، ولا يحمل إدانة جماعية لمهنة نبيلة يتحمل أصحابها أعباءً هائلة في ظروف قاسية.

فالحديث ليس بين الطفل والمعلم، بل بين ثقافة العنف وثقافة الاحترام. ومن يحمل رسالة التعليم هو أول المستفيدين من مجتمع يرفض الإيذاء ويمنح المعلم مقامه من خلال الاحترام لا من خلال الخوف.

والعلاقة الصحيحة بين المعلم والطالب علاقة علم وقدوة، لا علاقة قهر أو انتقام. وتعزيزها يحتاج إلى دعم المؤسسات للمعلمين، وتدريبهم على أساليب تربوية حديثة، وإنصافهم مادياً ومعنوياً، لا إلى استدعاء ماضٍ قاسٍ لا يُحسد عليه.

حكومة انتهت ولايتها.. ومواطن يدفع الثمن

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز السؤال الأكبر: من يحمي الطفل الليبي؟ فحكومة منتهية الولاية، مستغرقة في صراعاتها وتشبثها بالكراسي، لم تُقدّم تشريعاً واحداً حاسماً يقف أمام ظاهرة العنف ضد الأطفال، ولم تبْنِ مؤسسات رقابية تستطيع الوصول إلى كل فصل وكل مكان يُعلَّم فيه الطفل، ولم تضمن قضاءً عادلاً وسريعاً لأسر ضحايا الاعتداءات.

المواطن الليبي المكلوم، الذي ينتظر دولة تحميه وتحمي أبناءه، يجد نفسه مضطراً للدفاع عن طفله بنفسه، لأن المؤسسات لم تقف إلى جانبه يوماً. وعدالة يقوم بها الأفراد بالنيابة عن الدولة ليست عدالة، بل مؤشر على انهيارها.

الطفولة قضية أمن إنساني.. لا مسألة تربوية صغيرة

في المحصلة، فالطفل الذي يتعلم أن القوة تمنح صاحبها حق الإيذاء سيحمل هذه القاعدة معه إلى مراحل حياته القادمة، بينما الطفل الذي يجد حماية قانونية واجتماعية يتعلم أن السلطة مقيدة وأن الكرامة ليست امتيازاً يمنحه الأقوى للأضعف.

والمواجهة لا تتطلب فقط إدانة الاعتداء بعد وقوعه، بل بناء منظومة تمنعه، وتحاسب مرتكبيه، وتعالج آثاره، وتعيد تعريف العلاقة بين التربية والانضباط والكرامة.

وكما يخلص من شهادة أبو عميد: من يختزل درساً في طريحة سيتذكّر الطريحة وليس الدرس. ومن يفهم أن لكل طفل إيقاعه الخاص سيصنع أجيالاً تعرف قيمة العلم، لا أجيالاً تعرف قيمة الخوف.

وحماية الطفولة، في النهاية، ليست ترفاً حقوقياً ولا شعاراً موسمياً، بل شرط لبقاء المجتمع نفسه. فمن يُنتَج بالضرب اليوم يُنتج الضرب غداً، ومن يُنتج بالاحترام سيُنتج الاحترام حين يصبح هو المسؤول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى