تنويع بيع الدولار في ليبيا.. دعوات لكسر الاحتكار وإصلاح جذور الأزمة
ونيس يدعو لتوسيع قنوات النقد الأجنبي.. وحسني بي يربط الاختلال بالإنفاق وسعر الصرف

تتجدد في ليبيا الدعوات لإعادة النظر في آليات بيع النقد الأجنبي وسط استمرار الضغوط على سوق الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، في وقت تتباين فيه الرؤى بشأن الاعتمادات المصرفية وما إذا كانت تمثل أصل الأزمة أم مجرد أداة تعكس اختلالات أوسع في الاقتصاد.
تنويع قنوات بيع الدولار
عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد محمد ونيس دعا إلى تنويع قنوات بيع الدولار وعدم حصر الوصول إلى النقد الأجنبي في منظومة الاعتمادات وحدها، معتبرًا أن تعدد المسارات ضمن ضوابط شفافة وعادلة يمكن أن يعزز المنافسة ويحد من المضاربة والاحتكار.
ويرى ونيس أن تركيز بيع الدولار في قناة واحدة قد يؤدي إلى تركز فرص الحصول على النقد الأجنبي لدى فئات محددة، بما يفرض ضغوطًا إضافية على السوق وعلى الطبقة الوسطى، داعيًا إلى البحث عن آليات أكثر توازنًا في إدارة سوق النقد الأجنبي.
الاعتمادات ليست أصل الأزمة
وفي الاتجاه ذاته بشأن ضرورة الرقابة لكن من زاوية مختلفة، يؤكد رجل الأعمال حسني بي أن الاعتماد المستندي في حد ذاته ليس أصل المشكلة، وإنما أداة لبيع النقد الأجنبي وتمويل الواردات.
ويشدد بي على ضرورة فرض رقابة صارمة على الاعتمادات وملاحقة أي فساد أو اعتماد وهمي، لكنه يرفض اختزال أزمة الاقتصاد الليبي في القول إن أموال الدولة ذهبت إلى الاعتمادات، معتبرًا أن القضية الأوسع ترتبط بطريقة إدارة الموارد والإنفاق العام وسعر الصرف.
الدولار النفطي والإنفاق بالدينار
ويستند بي في رؤيته إلى طبيعة الاقتصاد الليبي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط والغاز المقومة بالدولار، في مقابل تنفيذ الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي محليًا بالدينار.
وبالتالي فإن الحكومة والمصرف المركزي يحتاجان إلى تحويل جزء من الإيرادات النفطية إلى الدينار لتمويل المرتبات والدعم والتسيير والتنمية، سواء عبر الاعتمادات أو الحوالات أو الأغراض الشخصية.
ومن هنا يطرح بي السؤال الأساسي باعتباره لا يتعلق ببيع الدولار من عدمه، وإنما بسعر البيع وكميته ومصدر الدينارات التي تطلب شراء النقد الأجنبي.
فجوة السعر تصنع الريع
ويرى بي أن بيع الدولار الرسمي بأقل بكثير من السعر الذي يوازن العرض والطلب يؤدي إلى نشوء فجوة سعرية تتحول إلى مصدر للريع لمن يتمكن من الوصول إلى الدولار الأرخص.
وبحسب هذا الطرح فإن تغيير المستفيدين من الدولار المدعوم لا يلغي المشكلة، وإنما ينقل الريع من طرف إلى آخر، بينما تظل الفجوة بين السعرين قائمة وتبقى معها دوافع المضاربة والمراجحة والتهريب.
الإنفاق العام في قلب الاختلالد
ويضع بي جانبًا كبيرًا من المسؤولية على المالية العامة، مستندًا إلى ما ينسبه إلى تقديرات صندوق النقد الدولي بشأن ارتفاع مستويات الإنفاق والعجز المالي وتأثير ذلك في الاحتياطيات وسعر الصرف والتضخم.
ويشير إلى تقديرات تضع فاتورة الأجور عند نحو 20% من الناتج ودعم الطاقة عند نحو 30%، لكنه يقدم في الوقت نفسه توزيعًا تحليليًا مختلفًا للإنفاق الفعلي، إذا تجاوز 270 مليار دينار.
ووفق هذا التقدير التحليلي فإن المحروقات والطاقة تستحوذ على نحو 40% بما يتجاوز 100 مليار دينار، والمرتبات على نحو 28% بما يقارب 76 مليار دينار، والتنمية شرقًا وغربًا على نحو 20% بما يقارب 54 مليار دينار، بينما يتبقى نحو 12% للتسيير وبقية الدعم والالتزامات.
ويؤكد بي أن هذه النسب تقديرات تحليلية شاملة وليست تصنيفًا منشورًا بهذه الصورة في بيانات المصرف المركزي، وهو تمييز مهم عند التعامل مع هذه الأرقام وعدم تقديمها باعتبارها بيانات رسمية.
الدعم والتهريب.. نتائج لا أسباب فقط
ولا ينفي بي مسؤولية المتورطين في السوق الموازية أو التهريب أو المضاربة أو فساد الاعتمادات والوقود، لكنه يرى أن جانبًا من هذه الظواهر يرتبط بفجوات صنعتها السياسات الاقتصادية نفسها.
فوجود سعرين للدولار يخلق حافزًا للمراجحة، وبيع الوقود بأقل بكثير من قيمته الاقتصادية يشجع على التهريب، بينما يؤدي الإنفاق الذي يتجاوز الموارد إلى زيادة السيولة والدنانير التي تبحث عن الدولار والسلع.
الإصلاح يبدأ من أصل الاختلال
وتقود هذه الرؤية إلى طرح مختلف للإصلاح لا يركز على تقييد الاعتمادات وحدها، بل على معالجة البيئة التي تجعل من الوصول إلى الدولار الرسمي فرصة ريعية.
ويتمثل الحل المقترح في ضبط الإنفاق العام وتوحيد سعر الصرف عند مستوى قابل للاستمرار، وتقليص ريع فروق الأسعار، والتحول من دعم السلع إلى دعم المواطنين، بالتوازي مع تشديد الرقابة على التجارة والتحويلات.
وبذلك تصبح الاعتمادات المصرفية أداة لتمويل التجارة بدل أن تتحول إلى مجال للمنافسة على الدولار منخفض السعر.
بين توسيع القنوات وإصلاح المنظومة
وتكشف المواقف المطروحة أن أزمة النقد الأجنبي في ليبيا لا تبدو مرتبطة بقناة بيع واحدة فقط، بقدر ما ترتبط بالمنظومة التي تحدد سعر الدولار وحجم المعروض منه وحجم الإنفاق العام.
فالدعوة إلى تنويع قنوات البيع قد توسع فرص الوصول إلى النقد الأجنبي، لكنها لن تكون كافية إذا ظلت فجوة السعر قائمة، كما أن تشديد الرقابة على الاعتمادات لن يعالج وحده الاختلال إذا استمر الإنفاق العام عند مستويات مرتفعة.
وعليه فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في تحديد من يحصل على الدولار، وإنما في معالجة الأسباب التي تجعل الدولار الرسمي أصلًا أكثر قيمة من سعره في السوق الموازية، بما يضمن أن تتحول سياسات النقد الأجنبي من مصدر للريع والمضاربة إلى أداة لاستقرار الاقتصاد وتمويل النشاط الحقيقي.



