بين انهيار الأسعار القادم وقرارات التصدير العشوائية.. اقتصاد ليبيا في مهب رياح حكومة منتهية الولاية
حكومة الدبيبة تغرق في تخبط اقتصادي مزدوج.. قرارات عشوائية تضرب المزارعين وتستنزف الإيرادات النفطية قبل الانهيار المرتقب

ليبيا 24
الشريف يحذر من مرحلة عصيبة تنتظر ليبيا مع بدء الدول الكبرى إعادة بناء مخزوناتها النفطية وزيادة المعروض العالمي
المواطن المكلوم يدفع الثمن مرتين: مرة حين ترتفع الأسعار، ومرة حين تُصادر فرصته في العيش الكريم
في وقت تتوالى فيه المؤشرات الدولية على قرب تحول جذري في سوق الطاقة العالمي، يطل علينا الاقتصادي الليبي الدكتور علي الشريف من جامعة بنغازي ليضع النقاط على الحروف في مسألة تبدو للعيان من البديهيات، لكنها تغيب عن عمد عن طاولات صناع القرار: لماذا تبقى أسعار النفط مرتفعة رغم زيادة المعروض؟
الإجابة، كما يوضح الشريف، ليست في غموض السوق ولا في مؤامرات التجار، بل في منطق اقتصادي بسيط؛ إذ تشير تحليلاته إلى أنه خلال فترة شح المعروض السابقة، اضطرت بعض الدول إلى السحب من مخزوناتها الاستراتيجية لتعويض النقص.
ومع تحسن الإمدادات، بدأت هذه الدول في إعادة بناء مخزوناتها وتعويض الكميات المسحوبة سابقاً. وبالتالي، فإن جزءاً من الزيادة في الإمدادات الحالية لا يذهب بالكامل إلى الاستهلاك الفوري في السوق، وإنما يُستخدم لإعادة تكوين المخزونات، وهو ما يقلل من فائض المعروض المتاح فعلياً ويجعل انخفاض الأسعار أبطأ نسبياً.
نافذة الفرصة تضيق.. والحكومة تغفل
هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتهرب منه المسؤولون في حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية: ماذا فعلت هذه الحكومة لاستغلال هذه الفترة الذهبية في إدارة الإيرادات النفطية بشكل أمثل؟ الإجابة الصادمة أن شيئاً لم يُفعل.
فبينما بلغت الإيرادات النفطية خلال العام الماضي أكثر من واحد وعشرين مليار دولار، وفقاً لما أعلنه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مقابل ثمانية عشر ملياراً في العام الذي سبقه، لا يزال المواطن الليبي يعاني من انهيار قيمة الدينار وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتردي الخدمات.
ويحذر الشريف من أن المرحلة القادمة، أي مرحلة ما بعد الانخفاض النفطي، ستكون “مرحلة عصيبة يجب الاستعداد لها منذ الآن حتى لا نقع في المحظور الذي حذر منه الجميع”.
فمع انتهاء الدول الكبرى من بناء احتياطياتها الاستراتيجية، سيزداد المعروض في السوق العالمي، وستنخفض الأسعار إلى أدنى مستوياتها، وحينها لن تجد ليبيا أي هامش للمناورة.
لكن يبدو أن حكومة الدبيبة لا ترى في الأمر سوى فرصة لاستمرار الإنفاق غير المسؤول، في ظل غياب ميزانية موحدة واعتماد على اعتمادات شهرية تضمن استمرار التدفقات المالية دون أي رقابة حقيقية.
قرار التصدير.. ما بين الحماية والضرر
وفي ظل هذا التخبط الاقتصادي، أصدر وزير الاقتصاد قراراً يقضي بمنع تصدير أي سلعة باستثناء التمور، وهو القرار الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول جدواه الاقتصادية. ويتناول الشريف هذه القضية بتحليل منهجي عميق، موضحاً أن الإجابة تعتمد بدرجة كبيرة على نوعية السلعة ومدى حاجة السوق المحلي إليها.
فإذا كانت السلعة من الأساسيات التي يعتمد عليها المواطن وكان الإنتاج المحلي لا يغطي الطلب، فإن السماح بتصديرها قد يؤدي إلى انخفاض المعروض المحلي وارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس سلباً على القوة الشرائية للمواطن. أما إذا كانت السلعة ذات أهمية محدودة للاستهلاك المحلي وكان الإنتاج يفوق الحاجة، فإن منع تصديرها يحرم الاقتصاد من فرصة الحصول على النقد الأجنبي ويقلل من حوافز المنتجين للتوسع.
تقييم علمي يغيب عن القرار السياسي
ويشدد الشريف على أن تقييم هذا القرار يحتاج إلى دراسة تفصيلية وفق منهج تحليل التكلفة والعائد، بحيث تُقارن الفوائد المتوقعة من منع التصدير، مثل زيادة المعروض المحلي واستقرار أسعار السلع الأساسية، بالتكاليف المترتبة عليه، مثل فقدان حصيلة الصادرات وانخفاض الحوافز الإنتاجية وتقليص فرص الحصول على النقد الأجنبي.
ويخلص إلى أن السياسة الأكثر كفاءة قد لا تكون منع تصدير جميع السلع، وإنما تصنيفها وفق أهميتها للاستهلاك المحلي وحجم الإنتاج والفائض المتاح للتصدير، مع مراجعة هذه القائمة دورياً وفقاً لتغير ظروف السوق. فالقرار الاقتصادي السليم، كما يقول، لا يُقاس فقط بما إذا كان يحقق هدفاً واحداً، وإنما بقدرته على تحقيق صافي منفعة اقتصادية موجبة للاقتصاد والمواطن معاً.
المواطن بين مطرقة القرارات وسندان الفقر
في المحصلة، يقف المواطن الليبي المكلوم في قلب هذه المعادلة الخاسرة، ضحية قرارات حكومة منتهية الولاية تتصرف وكأن لديها كل الوقت في العالم. بينما تتسابق الدول الكبرى لبناء احتياطياتها النفطية استعداداً للمرحلة القادمة، تنشغل حكومة الدبيبة بقرارات عشوائية لا تستند إلى دراسات جدوى حقيقية ولا تراعي مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
وحين يأتي الانخفاض المرتقب في أسعار النفط، ستجد ليبيا نفسها بلا احتياطيات، وبلا إيرادات، وبلا خطة، بينما يبقى المواطن وحده في مواجهة المصير المجهول.



