ليبيا

حكومة منتهية تُقصف أرزاق الفلاحين.. حظر تصدير الخضروات يكشف ازدواجية “المسرطن” ويفتح النار على المزارع الليبي

وزير اقتصاد الدبيبة يمنع تصدير المحاصيل ويُبقيها في السوق المحلي.. فهل يُطعم الليبيون ما حذّرهم منه؟

ليبيا 24

ليبيا تترنح بين “خضرة مسرطنة” و”قرار حظر”.. المزارع الليبي يدفع فاتورة الجهل والتهويل

قرار الحظر.. حين تتحول الأزمة إلى حصار على الفلاح الليبي

في خطوة حملت في طياتها مفارقة صارخة، أصدر وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة الدبيبة منتهية الولاية، سهيل أبوشيحة، القرار رقم (493) لسنة 2026، قاضيًا بحظر تصدير جميع المنتجات الزراعية باستثناء التمور، وحظر تصدير الصناعات الغذائية المنتجة محليًا إلى حين استقرار أوضاع السوق المحلي، إضافة إلى حظر إعادة تصدير كافة أنواع السلع والمنتجات المستوردة.

وبحسب بيان الوزارة، يأتي القرار “في إطار متابعة أوضاع السوق المحلي وتعزيز الأمن الغذائي وضمان استقرار توافر السلع الأساسية للمواطنين”.

غير أن هذا القرار، الذي جاء بعد حملة إعلامية عارمة شوّهت الخضروات الليبية ووصفتها بالمسرطنة بسبب متبقيات المبيدات، أثار موجة من التساؤلات المشروعة في الشارع الليبي.

فإذا كانت هذه الخضروات فعلًا مسرطنة كما رُوّج لها، فلماذا يُصرّ القرار على إبقائها في السوق الليبي وتوجيهها إلى الموائد الليبية؟ ولماذا لم تحظر تونس، التي تستقبل كميات كبيرة من المنتجات الزراعية الليبية، دخول هذه المحاصيل إلى أسواقها؟

في هذا السياق، علّقت عضو لجنة الحوار المهيكل، الدكتورة منال أبو عميد، عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قائلة: “بالأمس شوّهتم الخضروات الليبية وخوفتوا الناس منها ووصفتوها بالمسرطنة بسبب متبقيات المبيدات، واليوم وزير الاقتصاد بحكومة الدبيبة منتهية الولاية يمنع تصدير نفس الخضروات ويبيها تقعد في السوق الليبي.

لو هي فعلًا مسرطنة علاش تبوها تقعد لليبيين؟ وعلاش تونس ما حظرتش الخضروات الليبية وعلاش تقبل تدخل لأسواقها؟”

وتابعت أبو عميد: “هل تونس ما تخافش على شعبها ولا إحنا رقابتنا أقوى منهم؟ اللي صار للمزارع الليبي وللشركات الزراعية ظلم قاهر وحملة مبنية على التهويل والجهل قبل العلم.

المبيدات ومتبقياتها عندها علم وتحاليل وحدود وفترات أمان، مش كلمة مسرطن ترموها على خضرة بلاد كاملة وتضربوا بيها أرزاق الناس. المزارع الليبي مش جاهل والشركات الزراعية مش جاهلة، لا تحاربوه بالجهل وبعدين تمنعوا تصدير محصوله.”

خلفية الأزمة.. مبيدات محظورة ورقابة مشلولة

تعود جذور الأزمة إلى يوليو الماضي، حين كشفت تحقيقات مكتب النائب العام أن نحو 65% من عينات المحاصيل الخضرية التي خضعت للفحص في طرابلس وبنغازي ومصراتة احتوت على متبقيات مبيدات محظورة.

وأمر مكتب النائب العام بحبس عدد من المسؤولين في المركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي ومكتب الإرشاد الزراعي بطرابلس، على خلفية اتهامات بالإهمال والقصور في تقييم ومراقبة المبيدات المستوردة، كما شملت الإجراءات مهندسين زراعيين اتهموا باستخدام مبيدات محظورة داخل المزارع.

وفي هذا الصدد، أكدت تقارير فنية أن “نحو 65% من عينات المحاصيل الخضرية التي خضعت للفحص في طرابلس وبنغازي ومصراتة احتوت على متبقيات مبيدات محظورة، يبعث عن القلق”.

كما حذّر جهاز الحرس البلدي المزارعين من استخدام المبيدات المحظورة بقرار من وزارة الزراعة، بعد أن “أثبتت وجود متبقيات 7 مبيدات محظورة في 65% من عينات الخضار والفواكه المسحوبة من الأسواق شهر فبراير ومارس 2026”.

غير أن هذه المعطيات، على خطورتها، لا تبرر التعميم الذي طال قطاعًا زراعيًا كاملًا، ولا تمنح أحدًا حق رمي تهمة “المسرطنة” جزافًا على منتجات لم تخضع لتحاليل دقيقة ومعلنة.

فالمبيدات ومتبقياتها، كما أشارت أبو عميد، تخضع لمعايير علمية دقيقة: حدود قصوى للمتبقيات، وفترات أمان، وتحاليل مخبرية معتمدة. والخلط بين وجود مخالفات لدى بعض المنتجين وبين اتهام قطاع بأكمله هو خلط يضر بالأمن الغذائي ويضرب أرزاق آلاف الأسر الليبية التي تعتمد على الزراعة والتصدير.

تونس تفتح أسواقها.. وليبيا تغلقها على نفسها

في مفارقة أخرى تزيد من قتامة المشهد، تستقبل تونس المنتجات الزراعية الليبية دون قيود تُذكر. وتشير بيانات الحركة التجارية إلى أن معبر رأس جدير شهد تصدير كميات كبيرة من الغلال والخضر الليبية إلى السوق التونسية.

بل إن بعض المزارعين التونسيين في سيدي بوزيد احتجوا على تدفق الطماطم الليبية التي هوت بأسعار منتجاتهم المحلية، ما يؤكد أن السوق التونسية لا تفرض حظرًا على الخضروات الليبية.

هذه المفارقة تضع السلطات الليبية أمام سؤال محرج: إذا كانت تونس تثق في المنتجات الزراعية الليبية وتقبلها في أسواقها دون مخاوف صحية معلنة، فلماذا يُصرّ وزير الاقتصاد على منع تصديرها ويُبقيها في السوق المحلي؟ هل رقابة تونس على سلامة الغذاء أقل صرامة من الرقابة الليبية؟ أم أن القرار لا يتعلق بالصحة العامة بقدر ما يتعلق بحسابات أخرى؟

المزارع الليبي.. ضحية بين مطرقة التهويل وسندان الحظر

لم يتوقف الأمر عند حدود القرار الإداري، بل امتدت تداعياته إلى المزارعين والشركات الزراعية الذين وجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما بيع محاصيلهم بأسعار زهيدة في السوق المحلي بسبب زيادة المعروض، أو تكديس الإنتاج في المخازن حتى تفسد.

وقد حذّر مصدرو التمور من أن استمرار حظر التصدير أدى إلى “تكدس آلاف الأطنان في المخازن والموانئ، ما يرفع مخاطر الخسائر المالية، ويهدد بفقدان الأسواق التقليدية لصالح منافسين إقليميين مع اقتراب الموسم الجديد”.

وفي جنوب ليبيا، حيث يعتمد آلاف المزارعين على الزراعة كمصدر رزق وحيد، تكبّد الفلاحون خسائر ضخمة بسبب توقف نقل محاصيلهم إلى طرابلس، إذ تراوحت الخسائر الأولية “بين 50 ألف دينار إلى 150 ألف دينار بسبب تكدس الإنتاج”.

هذه الخسائر لا تعني أرقامًا في ميزانيات الشركات فحسب، بل تعني أسرًا فقدت دخلها، وعائلات لم تعد قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، ومزارعين فقدوا ثقتهم في مؤسسات دولة تتخذ قراراتها بمعزل عن واقعهم.

بين “الإنجاز” و”التخريب”.. من يحمي المواطن الليبي؟

تُصرّ حكومة الدبيبة على أن قرار حظر التصدير جاء لـ”حماية السوق المحلية وضمان استقرار الأسعار”، وأنه “لا يستهدف الإضرار بالمنتجين أو المصدرين”. وقد أعلنت وزارة الاقتصاد عن انخفاض أسعار الخضروات الأساسية بنسب تتجاوز 50% خلال أبريل الماضي نتيجة القرار.

غير أن هذا “الإنجاز” المزعوم يظل مشروطًا بثمن باهظ يدفعه المزارع الليبي، وهو ثمن لا يبدو أن أحدًا في الحكومة المنتهية الولاية يهتم بحسابه.

فالمواطن الليبي المكلوم، الذي عانى سنوات من انقسام سياسي وانهيار اقتصادي وتدهور خدماتي، لم يعد بحاجة إلى قرارات تُغلق عليه أسواقًا خارجية وتُبقي على مشكلاته الداخلية.

إنه بحاجة إلى رقابة حقيقية على المبيدات، لا إلى حملات تهويل تُشوّه سمعة منتجاته الوطنية. وهو بحاجة إلى دعم للمزارعين، لا إلى حظر يضرب أرزاقهم. وهو بحاجة إلى حكومة تحمي مصالحه، لا إلى حكومة تُدير أزماته بالبيانات الإعلامية.

إن ما يجري اليوم في ليبيا ليس مجرد خلاف حول تصدير الخضروات، بل هو انعكاس لأزمة أعمق: أزمة ثقة بين المواطن ومؤسساته، وأزمة رقابة مشلولة لا تعرف كيف توازن بين حماية الصحة العامة ودعم الاقتصاد الوطني، وأزمة حكومة منتهية الولاية تُصرّ على اتخاذ قرارات مصيرية وكأنها لا تزال في سدة المسؤولية.

وفي خضمّ كل ذلك، يبقى المزارع الليبي وحده في الميدان، يواجه الجهل تارة، والحظر تارة أخرى، ويدفع فاتورة أخطاء لا ذنب له فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى